نصوص

حول منظومة التغيير العربي- د. محمد إسحاق الريفي

حول منظومة التغيير العربي د. محمد إسحاق الريفي انطلق إعصار التغيير في العالم العربي بمواكبة نضوج ما يمكن أن نسميه "منظومة التغيير العربي"، التي من أهم مكوناتها: ثقافة التغيير، الوعي السياسي، إرادة التغيير، أدوات التأثير في الرأي العام العربي وحشده باتجاه التغيير، الظروف السياسية والاجتماعية التي تحفز على التغيير والتي تتولد في أتونها دوافعه، القوى الشعبية الفاعلة في مجال صناعة الوعي السياسي وميادين الإصلاح. ثقافة التغيير هي الأرض الخصبة التي تنبت فيها شجرة التغيير وتضرب أطنابها عميقاً كي تتحمل ا

0
17 أبريل 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

حول منظومة التغيير العربي

 

د. محمد إسحاق الريفي

انطلق إعصار التغيير في العالم العربي بمواكبة نضوج ما يمكن أن نسميه "منظومة التغيير العربي"، التي من أهم مكوناتها: ثقافة التغيير، الوعي السياسي، إرادة التغيير، أدوات التأثير في الرأي العام العربي وحشده باتجاه التغيير، الظروف السياسية والاجتماعية التي تحفز على التغيير والتي تتولد في أتونها دوافعه، القوى الشعبية الفاعلة في مجال صناعة الوعي السياسي وميادين الإصلاح.

ثقافة التغيير هي الأرض الخصبة التي تنبت فيها شجرة التغيير وتضرب أطنابها عميقاً كي تتحمل التحديات وتستعصي على الاجتثاث، والوعي السياسي هو العصارة التي تتغذى عليها هذه الشجرة وتستمد منها قوتها ونضرتها وحيويتها، فإذا ما توفرت الظروف المناخية المحفزة على التغيير، أزهرت هذه الشجرة، ثم أثمرت إرادة شعبية قوية، معبرة عن الآمال والطموحات الشعبية في حياة أفضل في ظل نهضة حضارية شاملة، لتنطلق عملية التغيير كالإعصار، محطمة قيود الاستبداد والتخلف والفساد والتبعية، ولتشرق شمس الحرية على الوطن، وتبدأ عملية الإصلاح والنهوض.

ثقافة المجتمع هي التي تحدد الأنماط السلوكية والاتجاهات الفكرية السائدة في ذلك المجتمع، ولها تأثيرها الفعال على عملية التغيير، ولهذا فإن تغيير ثقافة المجتمع وتعزيز ثقافة التغيير فيه هي نقطة الانطلاق في مسيرة التغيير.

ويجدر التنويه في هذا المضمار إلى أن ثقافة المجتمع هي مجموعة القيم والأفكار والخبرات والتجارب المتراكمة في مجتمع ما، والتي تمثل هوية أجياله المتعاقبة، وتتحكم في تصرفاتهم ومسيرة حياتهم وطموحاتهم، وتميزهم عن غيرهم من المجتمعات الأخرى في القيم والتصورات والاعتقادات، والمبادئ والأخلاق، والعادات والتقاليد، والأذواق والأحاسيس، والمعاملات وأنماط الحياة. وثقافة المجتمع هي التي بها تحافظ الأمة على هويتها الثقافية، وخصائصها التاريخية، وسماتها الحضارية، وبالتالي وجودها.

والوعي هو إدراك الإنسان لما حوله، وشعوره بنفسه وما يحيط به، وفهمه للواقع الذي يعيش فيه، ورؤيته الواضحة لطريق نجاحه وتحقيق أهدافه. وقد عرف علماء النفس الاجتماعي الوعي السياسي بأنه إدراك الفرد ومؤسسات المجتمع المختلفة لمسؤولياتهم الكبرى في بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة، والسعي لدفع عملية النهضة والتقدم المعنوي والمادي من خلال إصلاح الفكر والسلوك والواقع.

أما أدوات التواصل الاجتماعي التي توفرها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة، فقد كان لها دور رئيس في عملية التغيير، إذ أنها ساعدت على تعميق الوعي السياسي لدى أفراد المجتمع، وعززت التواصل بينهم، ما ساعد على تنسيق الجهود وتيسير القيام بالفعاليات الشعبية. كما وفرت تطبيقات الإنترنت المختلفة ميادين جديدة لصناعة الوعي السياسي وتشكيل الرأي العام. وما يميز هذه الميادين عن الميادين التقليدية للتأثير على الرأي العام وتشكيله أنها متاحة لجميع أفراد المجتمع الذين يمتلكون أدوات التواصل الاجتماعي، بعيداً عن قيود الحكومات ودعايتها المضللة، ما يؤدي إلى كسر احتكار هذه الحكومات لوسائل الإعلام التقليدية، التي كانت إلى وقت قريب تنفرد بتوجيه الرأي العام في الاتجاه الذي يمجد الحاكم وسلطته، وتشكله بطريقة تحول دون إنجاز التغيير.

كما ساهم عدد القنوات الفضائية العربية في توعية أفراد المجتمع ومساعدتهم على مواكبة الأحداث ومتابعتها. لقد استطاعت كل هذه الأدوات مجتمعة تيسير التواصل بين المجتمعات العربية وإزالة كثير من الحدود التي تفصلها عن بعضها، ما أدى إلى تعميق الوعي الجمعي العربي وحشده وتماسكه.

أما القوى الشعبية، وخصوصا حركات الإسلام السياسي، فقد كان لها دور أساس في التغيير، من خلال العمل داخل أطرها التنظيمية، ومن خلال التربية والتوعية في ميادين صناعة الوعي السياسي المتاحة، كالمساجد والنقابات والجامعات وغيرها. فقد ساهمت هذه القوى في توعية المجتمع وتربية الأجيال، والمحافظة على القيم والمبادئ، وتشكيل رأي عام يؤمن بالتغيير والإصلاح، ولا سيما مع اشتداد الهجمة الغربية الثقافية التي تستهدف أفئدة الأجيال وعقولهم، ومع استبداد الأنظمة الحاكمة وقمعها للحريات الإنسانية العامة.

إن التغيير يحتاج إلى قادة أكفاء متحررين من التبعية للاستعمار والإمبريالية الغربية، ليكونوا قادرين على توحيد الأمة والنهوض بها، ووضع حد للفوضى الهدامة المنتشرة في مجتمعاتنا، والتي وحدها كفيلة بإحباط مشاريع التغيير العربي. والتغيير يحتاج إلى قادة أكفاء يخضعون الأنظمة لإرادة أغلبية الشعب، وقد اقترب اليوم الذي تأخذ فيه هذه الأغلبية بزمام السلطة، ليس حبا فيها، ولكن لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولأن الإصلاح لا يتحقق إلا من خلال سلطة صالحة.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©