حمادي الجبالي : تصريح وتصحيح وتوضيح
أجرى الحوار الطاهر العبيدي 16 سنة إلا ثلاث أشهر في غياهب السجون بين المعتقلات، خلف الأسوار العالية والزنزنات المدمّرة... كم من الأعياد مرّت، كم من سنين العمر انقرضت، كم من الأيام انكمشت، كم من الفصول الحارّة والباردة تداولت، كم من المناسبات تناوبت، كم من الإضرابات والاحتجاجات والعذابات تعاقبت، كم وكم وكم وكم من السنين الغبراء مرّت.. ولا زال حمادي الجبالي واقفا في العاصفة، ليطلق صرخة الإحساس بالقهر والغبن والمظلمة " أخرجونا من هذا القبر"، تلك الصرخة الموجعة التي تناقلتها الشاشات الإلكترونية، وتدا
- 28 أكتوبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
أجرى الحوار الطاهر العبيدي
16 سنة إلا ثلاث أشهر في غياهب السجون بين المعتقلات، خلف الأسوار العالية والزنزنات المدمّرة... كم من الأعياد مرّت، كم من سنين العمر انقرضت، كم من الأيام انكمشت، كم من الفصول الحارّة والباردة تداولت، كم من المناسبات تناوبت، كم من الإضرابات والاحتجاجات والعذابات تعاقبت، كم وكم وكم وكم من السنين الغبراء مرّت.. ولا زال حمادي الجبالي واقفا في العاصفة، ليطلق صرخة الإحساس بالقهر والغبن والمظلمة " أخرجونا من هذا القبر"، تلك الصرخة الموجعة التي تناقلتها الشاشات الإلكترونية، وتداولتها الأفواه، ومضغتها الشفاه، ذاك بإيجاز وبإيعاز حمادي الجبالي مدير جريدة الفجر، المصادرة، وأحد قيادات حركة النهضة التونسية ذات التوجه الإسلامي، الخارج من التوّ من السجن ووراءه كالعديدين مثله، سنوات القهر وسنوات الجمر وسنوات الضيم وسنوات الظلم..
وبعيدا عن أحاديث ودردشات السياسة، وأسئلة وحوارات الرطوبة، والتحليلات والمقالات المريحة، من خلف المكاتب الدافئة، والبيوت المكيفة، والكراسي المتحركة، تلطمك الأسئلة الخجلى؟؟؟ أي معنى للسؤال؟ وماذا يجدي الكلام؟ وإلى أين يفضي الحوار؟ والرجل وغيره دفع من عمره، من جسده من أحلامه من أيامه من صبر أبنائه حمولة تئن منها الجبال، ومع ذلك لم يتردد حمادي الجبالي في الرد عن السؤال وراء السؤال، ليختصر المكان ويختصر الزمان، ويختصر الأقوال، ليقول أن المحن تفرز الرجال، وأن هذا الحوار هو بداية التنفس وترجمة للكلام...
كيف تمت عملية إطلاق سراحكم، هل وقع الاتصال بكم من طرف جهات رسمية لإعلامكم بالخبر وهل كنتم على علم مسبق بالإفراج؟
لا لم يقع أعلامي من أي طرف جهة رسمية، ولم أكن على علم مسبق بإطلاق سراحي إلا في آخر وقت، حيث اتصل بي مدير السجن ليعلمني بالخبر.
هل تعتقدون أن هذا الإفراج جاء نتيجة جهود المعارضة في الداخل والخارج؟ التي اجتمعت على مطالب ثلاث من ضمنها العفو التشريعي العام؟
الحقيقة هذا مطلب سابق للمعارضة مشكورة، التي ضلت طيلة كل هذه السنين تنادي بإطلاق سراح المساجين السياسيين، وكذلك المنظمات الإنسانية والشخصيات الوطنية، والأطر الحقوقية، وغيرها من الأطراف الصحفية، بالإضافة إلى الظروف الدولية، وإن كنت لا أحبّذ كلمة ضغوط، برغم أنها ليست عيبا في الأسلوب الديمقراطي، ويمكن أن نضعها في إطار توازنات عالمية وإقليمية ودولية، ونظرة ديناميكية في العالم تطرح قضايا الحريات، وخاصة ملف المساجين وحان الوقت لأن يضطلع كل بدوره..
هل يمكن القول أن إطلاق سراحكم بعد كل هذه المدّة يعتبر طي مرحلة، وفتح صفحة جديدة تنهي حالة الانسداد السياسي ويخفّف الاحتقان بينكم وبين السلطة؟
خرجت الآن من السجن، وبالضبط منذ ساعتين إلا ربع، احتاج إلى أن أفهم أكثر الوضع، ومع ذلك أتمنى أن يكون هذا مؤشر خير، كما أن السؤال يطرح على الجهاز، شخصيا أضعها في الإطار الإيجابي، هذه خطوة سبقتها خطوات، وتلتها خطوات، وأرجو أن تتبعها خطوات، فما زال مساجين وإن قيل أنهم مساجين حق عام، فالكل يعرف أنهم مساجين سياسيين، نتمنى أن تكون هذه طيا لصفحة، فاذهبوا فأنتم الطلقاء ستجسّد على الواقع، شخصيا والذين أعرفهم من الإخوة لا نحمل حقدا ولا بغضا، رغم سنوات الغبن وشعوري وغيري بالمظلمة الكبيرة، إلا أننا لا نكنّ حقدا أو بغضا، لأن الأحقاد تؤدّي إلى الخراب، ونتعاون للتجاوز، فليس سهلا إذ لا بدّ من إرادة، وندعو السلطة للتجاوز لنكون إيجابيين..
ما هي حسب رأيكم وأنتم أحد القيادات المحورية، الأسباب التي أوصلت إلى مثل هذه الوضعية المأساوية، وحالة التصادم؟
هذا ملف شائك، لأن الوضع السابق فيه تداخل بين النظام السابق والنظام الحالي، ولا ندّعي أننا أبرياء من كل الأشياء، وما هو جلي أن تونس تتسع لكل أبنائها، حاولنا أن نطوّر أنفسنا من الداخل، وهذه عملية ليست سهلة، ونعتقد أننا برغم الصعاب لم نبق في أماكننا، وحققنا العديد من المراجعات، وما هو مطلوب هو تحويل الصراع العنيف، إلى صراع فكري سياسي يحترم الآخر، ويقارع الحجّة بالحجّة، والرأي بالرأي ليستوضح وجه الصواب، دون تخوين أو تكفير أو إلغاء، حيث أننا " دعاة ولسنا قضاة "، وفي المقابل فتطور الآخر مطلوب للمساهمة جميعا دون إقصاء في البناء الفكري والسياسي والديمقراطي، والمشاركة الإيجابية في نهوض البلد.
باعتباركم مدير جريدة الفجر المصادرة والقريبة من حركة النهضة، فكيف تنظرون إلى المنحى الإعلامي بعد حجز جريدتكم؟
دخلت السجن وتركت الجريدة تشتغل، ولحد هذه الساعة أجهل الأسباب القانونية، وأسباب المصادرة والمنع ، غير أن إثارة هذا الموضوع سابق لأوانه، وغير مطروح الآن ،لا نريد أن نعقّد المسألة، رغم إيماننا العميق بحرية التعبير، والحق الإعلامي الذي يكفله الدستور وتحميه القوانين، إلا أننا لا نرغب في إثارة المواضيع، التي فيها إحراج، ولا نريد التشويش على موضوع المساجين، الذي يعتبر أولوية الأولويات..
هل لكم علم بالقيادات الأخرى التي وقع إطلاق سراحها؟
بصدق ليس لي أي معطيات، كما ذكرت في البداية لا زلت خارجا للتو ولا أعرف القائمة.
هل ستواصلون العمل السياسي أم هناك محاذير ؟
القضية سابقة لأوانها، فمبدئيا لكل مواطن الحق القانوني والدستوري في الممارسة السياسية، لأن الدستور يضمن هذه الحقوق، التي هي ثمار واجبات كل مواطن.
بماذا خرجت من السجن بعد كل هذه المدة؟
المراجعات مستمرة لكل إنسان يبحث أن يصلح أخطائه، والذي لا يراجع يكون جامدا، نحن نواكب تطور المجتمعات، مثلا حركة حماس أعطت مثلا جيّدا في التطور ولم تتنازل عن ثوابتها، نحن بدورنا لسنا جامدين، نطور أنفسنا في إطار المحافظة على الثوابت، وإن تراءت لنا أخطاء في الممارسة السياسية والفكرية فإننا لا نبقى مصرّين على الخطأ..
ماذا تقول لكل الأطر السياسية والحقوقية والعائلات السياسية بالبلاد؟
حقيقة أنا مدين لكل هؤلاء، وأستحي ولا أجد التعبير لشكرهم جميعا، على الجهود الخيّرة والنبيلة من أجل إطلاق سراح المساجين، سواء أحزابا أو منضمات أو شخصيات، أو إعلاميين أو حقوقيين أو مناضلين أو جمعيات، سواء تونسية أو عربية أو عالمية، وما لفت انتباهي أن هناك منظمات أجنبية لا هي عربية ولا هي إسلامية، ومع ذلك تبنت قضيتنا ودافعت بشراسة عن حريتنا، وهذا يجعلني أقول أن رغم بعض اختلافنا مع الغرب، إلا أن فيه أشياء جيدة ونتعلم منه،
وأذكر لك مثلا أني في سنة 1989 لما كنت لاجئا سياسيا في إسبانيا، وجدت مساعدة من الصليب الأحمر مما يجعلني أقول أن الاهتمام بتنمية الإنسان داخل كل منا هو مساهمة في نشر الوعي الإنساني كما أذكر مثلا أن رئيس الفيدرالية للصحافة الدولية صرح مرة قال لقد أخطأ النظام لما أدخل حمادي الجبالي باسم الصحافة كان عليه أن يدخله باسم الإرهاب
ومرة أخرى أحيي كل الذين وقفوا إلى جنبنا من مختلف الجنسيات والبلدان والمواقع.
ملاحظة / هذا الحوار أجريته مع حمادي الجبالي على إثر خروجه مباشرة من السجن، وقد نشر بتاريخ 28 / 2 / 2006 وإعادة نشره ليس من باب جفاف الإنتاج أو القلم، بل لتحريك الذاكرة الصاحية والتأمل بتبصر في قوله تعالى:
" وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس لعلهم يتفكرون " (آل عمران:140)،
2 / للإشارة أن حمادي الجبالي الآن هو مرشح لأن يكلف بمنصب رئيس الحكومة التونسية بعد فوز حزبه حركة النهضة في انتخابات المجلس التأسيسي التي أقيمت في 23 نشرين 2011