نصوص

حلية المقاومة

يحسن علماء النفس و الاجتماع صنعا بدراسة التغييرات التي ظهرت على شخصية المرأة إبان الحرب الأخيرة على غزة، و بعد نصرها، و كانت حصيلة تراكمات ربما بدأت ببداية الانتفاضة المباركة و تجذرت حتى أصبحت سلوكا و فكرة و نموذجا عاما، و فيه اختلفت صورة المرأة و دورها عن الصورة و الدور القديم الذي أكسبتها إياه الهزائم و الحروب المتعاقبة؛ فأصبحت الأنوثة في المنافي البعيدة عن أرض التحدي و المعركة جمالا و غنجا و حلاوة و حرصا على استكمال كل الكماليات، و أصبحت الأمومة خوفا مضاعفا و طبطبة و كنكنة؛ حتى أصبح الشعب كله

0
19 سبتمبر 2014
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

يحسن علماء النفس و الاجتماع صنعا بدراسة التغييرات التي ظهرت على شخصية المرأة إبان الحرب الأخيرة على غزة، و بعد نصرها، و كانت حصيلة تراكمات ربما بدأت ببداية الانتفاضة المباركة و تجذرت حتى أصبحت سلوكا و فكرة و نموذجا عاما، و فيه اختلفت صورة المرأة و دورها عن الصورة و الدور القديم الذي أكسبتها إياه الهزائم و الحروب المتعاقبة؛ فأصبحت الأنوثة في المنافي البعيدة عن أرض التحدي و المعركة جمالا و غنجا و حلاوة و حرصا على استكمال كل الكماليات، و أصبحت الأمومة خوفا مضاعفا و طبطبة و كنكنة؛ حتى أصبح الشعب كله يمشي بنظرية الالتصاق بالحيط من الخوف و طلب الستيرة!!

نعم النساء هن رائدات صناعة الخوف أو الشجاعة، الوهن أو الإقدام؛ فهن من يربين الرجال و بما أن "ابنك على ما ربتيه" و "زوجك على ما عودتيه" فمن ربت و عودت رجالها على الاختباء وراء الأبواب و طأطأة الرأس؛ وجدنا نتاج تربيتها في مجتمعاتنا حيث ينتشر الظلم من حكامنا، و لا رجال يقفون في وجوههم، و من ربتهم على مقارعة الخوف وقفوا لأعتى الأعداء و الأساطيل!

ما فعلته الحرب على غزة و الحرب على الإسلام أنها أعادت إحياء الذاكرة النسائية الإسلامية و العربية، و اتصل الماضي بالحاضر، و انتهى العقوق و قطيعة الرحم بين مجد الماضي و رموزه و بين نساء العصر الحالي

الذي جعل أم سراقة بن الحارث لا تبكي ابنها و قد أصيب بسهم طائش قبل المعركة عندما أخبرها رسول الله صلى الله عليه و سلم بأنه أصاب الفردوس الأعلى من الجنة، هو ذات الشعور و الإيمان الذي جعل أم الشهيد عمر زاهر نصار تكتب لقائده أن لا يحرمه من الجهاد؛ كونه وحيد أمه و أخواته بعد استشهاد والده إرضاء لولدها و حبا له و تحقيقا لحلمه في الشهادة.

فهي إذن الأمومة الجديدة القديمة؛ التي تقدم الحب في صورة سامية و أنبل من نبيلة في صورة لا يستوعبها من يربي الأبناء لحمل الاسم و استكمال العزوة و المباهاة؛

هذا التحول الدرامي في نفس الأم و الزوجة لتمهد و تسابق رجالها إلى دروب المعالي لم يكن ممكنا لولا الإيمان الذي يمكن الإنسان من الصمود و هو في أشد حالات الانهيار.

هذا الإيمان ليس حالة يستفرد بها الإسلام، و إن كانت المسلمات ضربن أمثلة استثنائية، و لكن إيمان النساء بدورهن في الثقافات و الحضارات الأخرى كان له نفس الأثر؛ فوصف العماد الأصفهاني دور نساء الأفرنج في صناعة النصر قائلا" وفي الأفرنج نساء فوارس لهن دروع وقوانس، يبرزن في حومة القتال، ويستبسلن وكل هذا يعتقدنه عبادة ويجعلنه لهن عبادة"

حتى الحب و الرجولة و ما يجعل قلب المرأة يهفو لرجل تغير، و أصبح الإقبال على من شاب شعره في السجن و من غيبته المؤبدات لزمن لا يعلم طوله إلا الله على أوجه بل و وجد جرحى الحرب و أصحاب الحاجات الخاصة في غزة و خارجها إقبالا و رضا و طيب خاطر من النساء عليهن؛ و كأنهم في جمال يوسف و قوة موسى عليهم السلام، نعم تحب النساء بشكل مختلف زمن الحرب و تأخذ الرجولة معاني أخرى، و يصبح للجمال صور جديدة .

على ذات الصعيد، أطلقت نساء الأردن حملة مباركة خلال الحرب على غزة بعنوان "ذهبي ليس أغلى من أطفال غزة" و الحملة لا تقرأ في سياق حملات التبرع التي تنتشر و تتكاثر في مثل هذه الظروف؛ بل بالأثر النفسي الذي يلازمها، و هو الأبقى من أثرها الزماني و الوقتي؛ فالمرأة التي أنشأها الله على حب الحلي نشأة فطرية ملازمة لقلبها تقدم حب الله و حب الوطن و الجهاد على ما دونه، و تتفوق في صراع الإرادة، و التغلب على الشهوة، و تعانق المعالي، لقد كانت أمهاتنا في زمن الحروب الأولى يجمعن ليرات الذهب ليرة ليرة في علب الحليب الحديدية مخافة اليوم الأسود أما بعض نساء اليوم فرأين اليوم الأسود عندما انهدت الدور، و شرد الناس، و ماتوا جوعى و عطشى؛ فكان نصرة هؤلاء عندهن أغلى من مال قارون، و لم يظل صهيب الرومي فريدا في تاريخنا بل لو رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم صنيع بعض النساء في زمننا لقال لهن مثل ما قال له: ربح البيع.

و صدق من قال " عندما تصبح قلائد الذهب التي تتزين بها النساء قلائد من رصاص يتزين بها الرجال تحصل المعجزات في ساح الجهاد"

قال أعداء المسلمين: غانية و كأس تفعلان بالأمة المحمدية ما لا تفعله المدافع و الدبابات و قال نظراؤهم: المرأة الصالحة هي أمتع الحصون .

هذه هي الرؤية للأنوثة القديمة الجديدة؛ التي تتحلى بالمقاومة، و تصنع النصر، و الخيار بأيديكن إما في ميزان النصر أو ميزان الهزيمة.

 

د.ديمة طارق طهبوب

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©