نصوص

حـمـاة مـعـقـل الـبـطـولـة والـفـداء ..

د.جهاد عبد العليم الفرا في 6 يوليو 2011 مئات آلاف المتظاهرين السلميين خرجوا في مدينة حماة الجريحة في جمعة الرحيل الموافق لغرّة يوليو 2011، في مظاهرة قلما شهد تاريخ سوريا القديم والحديث مثلها. حماة خرجت عن بكرة أبيها بشيبها وشبابها رجالها ونسائها ليقولوا وبصوت واحد لنظام الوحشية والقتل والتنكيل والقمع "إرحل". إرحل عنا ودعنا نعيش بخير وسلام وهدوء ووئام. إرحل فما يكاد يخلو بيت في مدينتنا من شهيد أو معتقل أو مهجر، إرحل فقد أكثرت فينا اليتامى والثكالى والمآسي والآلام والهدم والتدمير والسطو والغصب، إر

0
6 يوليو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة
د.جهاد عبد العليم الفرا في 6 يوليو 2011  مئات آلاف المتظاهرين السلميين خرجوا في مدينة حماة الجريحة في جمعة الرحيل الموافق لغرّة يوليو 2011، في مظاهرة قلما شهد تاريخ سوريا القديم والحديث مثلها. حماة خرجت عن بكرة أبيها بشيبها وشبابها رجالها ونسائها ليقولوا وبصوت واحد لنظام الوحشية والقتل والتنكيل والقمع "إرحل". إرحل عنا ودعنا نعيش بخير وسلام وهدوء ووئام. إرحل فما يكاد يخلو بيت في مدينتنا من شهيد أو معتقل أو مهجر، إرحل فقد أكثرت فينا اليتامى والثكالى والمآسي والآلام والهدم والتدمير والسطو والغصب، إرحل فما عدنا نطيق القهر والاستعباد والظلم والاستبداد، إرحل فما رأينا منك إلا الذعر والخوف والقلق والاضطراب وما عرفنا الأمن والاطمئنان والسكينة، إرحل فما نريد لأجيالنا أن تقمعها وتقهرها وتذلها كما فعلت بآبائها وأجدادها بل نريدها أن تحيا حرة عزيزة كريمة آمنة مطمئنة في ظل حكم عادل رشيد أنت أبعد ما تكون عنه. حماة التي تجرعت الآلام، وصبرت على المحن، يعود النظام الوحشي إليها بنفس الجبروت والقسوة لينكأ فيها عذابات وآهات وأنات وجراحات مجزرتها الشهيرة سنة 1982. ويظن أنه سيسكتها كما أسكتها في ذلك الحين ويخفي جرائمه فيها كما أخفاها في ذلك الوقت ونسي أنّ الزمان غير الزمان وأنّ آهات وأنات أهلها تصل الآن مباشرة إلى كل أذن في هذا العالم وأن مشاهد القهر يراها الناس عبر ما ينقله الأحرار في حماة الصامدة مباشرة.  ذكر الصحفي شارل بوبت المحرر في جريدة ليبراسيون الفرنسية، وهو الصحفي الوحيد من بين كل الصحفيين العرب والأجانب الذي تمكن من الدخول إلى هذه المدينة قبيل انتهاء مجزرة حماة الرهيبة سنة 1982 وبحيلة ذكية. كان في دمشق.. وحينما سمع بالأحداث استقل الباص باتجاه حلب. وفي حمص وأثناء استراحة قصيرة اختفى وترك الباص يتابع سيره ثم بحث عن تكسي لكي تنقله إلى مداخل حماة أو ضواحيها بحجة أنه سائح يبحث عن الآثار. إنه يقدم لنا شهادة حية ثمينة، وقيمتها مزدوجة الطابع، لأنّ صاحبها محايد في الصراع، وموضوعي في الحكم، ولأنه ثانيًا، لم ينقل أخبارًا سمعها عن روايات وصلته بالتواتر، وإنما يحكي لنا هنا ما شاهده بنفسه، ورآه من مآسي وأهوال. فلنترك له الكلام الذي نشرته الصحيفة المذكورة يوم الاثنين في الأول من آذار 1982: "إنني أمشي الآن وسط بيوت متهدمة، وأشجار مكسرة، وأعمدة ملوية أو منزوعة من مكانها. هناك قليل من السكان. ومثلهم فإنني أتنقل بحذر أثناء المسير. ننتقل من بيت إلى بيت. ومن فوقنا تمر طائرة هيلوكبتر. وأمامنا عائلات بأكملها تبكي، جثث تجر من أرجلها أو محمولة على الأكتاف، أجساد تتفسخ وتنبعث منها رائحة قاتلة، وأطفال تسيل منهم الدماء وهم يركضون لاجتياز الشارع. بضع طلقات نارية صوب الجنوب تتبعها رشقات قوية. وخلال عشر دقائق كانت القذائف تتساقط كالمطر أينما كان، وحيثما تسقط كنت تسمع صرخات الرعب ونداءات التوسل إلى الله على بضعة أمتار منا، شاهدنا رجلاً يتمزق تماماً ويسقط فوق جدار، كما لو أنه هيكل عظمي. ولم أصدق عيني، ولكن عندما ظهرت الطائرات من جديد فوقنا، دفعني مرافقي لتحت منزل، صارخًا "ها هم يعودون". قدر عدد الضحايا في تلك المجزرة الرهيبة بأكثر من 30000 ثلاثين ألف بني آدم ووصفت في تقرير لمنظمة العفو الدولية بـ"أكبر مجزرة في العصر الحديث". عاد إليها نظام القتل في "جمعة أطفال الحرية" يوم 3 يوليو 2011 ليقوم بقتل العشرات من المتظاهرين السلميين في مجزرة جديدة ترتكب بحق هذه المدينة الجريحة. واليوم تطوق بالدبابات، وتطلق فيها من جديد أيادي عصابات الأجهزة القمعية لتقتل الناس وتروع الآمنين وترهب المتظاهرين السلميين وسط تخوف من الأهالي من تكرار ما حدث في الماضي وقد بلغ عدد الضحايا حسب تقارير إعلامية أكثر من 22 شهيدا. كل هذا يحصل في حماة ومثله في باقي المدن السورية والمجتمع الدولي والإقليمي والعربي لا يقدم شيئا ملموسا لحماية الناس وتمكينهم من المطالبة بحقوقهم، وحماة ستبقى مع المدن السورية الأخرى معقلا للفداء والبطولة حتى تتحقق مطالب الشعب السوري العادلة في الحرية والعزة والكرامة والعدالة الاجتماعية.
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©