حـــــــــــــــــــــرق النّفس
قال الغزالي في الإحياء بصيغة تمريض (هكذا وجدته في موقع إسلام واب): "ويروى أنّ الله تعالى أوحى إلى دواد عليه السلام: يا داود إنّك تريد وأريد, وإنّما يكون ما أريد, فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد, وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد, ثم لا يكون إلّا ما أريد"... وهو محفوظ عندنا بصيغ أخرى قريبة من هذه، والمعلوم - كما جاء – أنّه لا يقع شيء في هذا الكون إلّا وفق مشيئة الله وإدارته... فأن يتعمّد أحد من المسلمين حرق نفسه على مرآى من النّاس، فإنّ ذلك لا يخلو من عدم تصديق بأنّ كلّ شيء إنّما يحدث وفق مشي
- 12 مارس 2013
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
قال الغزالي في الإحياء بصيغة تمريض (هكذا وجدته في موقع إسلام واب): "ويروى أنّ الله تعالى أوحى إلى دواد عليه السلام: يا داود إنّك تريد وأريد, وإنّما يكون ما أريد, فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد, وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد, ثم لا يكون إلّا ما أريد"... وهو محفوظ عندنا بصيغ أخرى قريبة من هذه، والمعلوم - كما جاء – أنّه لا يقع شيء في هذا الكون إلّا وفق مشيئة الله وإدارته... فأن يتعمّد أحد من المسلمين حرق نفسه على مرآى من النّاس، فإنّ ذلك لا يخلو من عدم تصديق بأنّ كلّ شيء إنّما يحدث وفق مشيئة الله تعالى وإرادته...
والحقيقة أنّ الفرق بيّن بين الاحتراق والاحتراق، فما قام به محمّد بوعزيزي رحمه الله يختلف اختلافا كلّيا مع ما يقوم به المرء اليوم!... فزمن محمّد بوعزيزي كان النّاس يعيشون في جزر متباعدة، لا يهتمّ بعضهم ببعضهم ولا يسند بعضهم بعضهم ولا يكترث بعضهم لبعضهم ولا يسمع عن بعضهم بعضهم. فكان لا بدّ إذن من صدمة يُسمع انفجارُها مَن به صمم ويجلب مشهدها مَن بعينيه عمش ويوقف تداولها مَن به شرود عن النّاس وعدم اكتراث لمشاغلهم وظروفهم. والشرود لم يكن سمة الحاكم وحده بل كان أيضا سمة النّاس في تونس، فكلّ فرد قد انصرف إلى شأنه "نفسي نفسي لا يرحم من مات"، انصراف نمّاه فيهم الخوف من جبروت صانع التغيير "المبارك" وأزلامه ممّن صنعوا للتونسي (زعموا) "فرحة الحياة" التي زالت عند بعضهم بحدوث الثورة المباركة؛ ثورة الكرامة التي حرمتهم حسب زعمهم "الكرامة"!... فلمّا لجأ محمّد بوعزيزي إلى حرق نفسه أحدث حرقُه نفسِه تقريبَ المسافات بعضها من بعض، ورجّ ذلك النّاس رجّا عنيفا ذكّرهم أنّهم من نفس واحدة وأنّ اهتمامهم بما يجري لبعضهم إنّما هو اهتمام بالذّات البشريّة جمعاء؛ فعزموا على التحرّك في هذا الإطار الجديد الذي دلّهم عليه حرقُ محمّد بوعزيزي نفسِه، فلم يثنهم بعد ذلك استشهاد بعضهم أو تعرّض البعض الآخر للجروح والكسور لأنّ ذلك كلّه كان جزئيّا فيما يتعرّض له الجسد الواحد (الوطن) الذي نبّه شاعره إلى قيمته بالقول "نموت نموت ويحيى الوطن"!... فكان موت محمّد حياة مجتمع بأسره بل كان موته سبيلا أو مصباحا أضاء سبل بقيّة الشعوب العربيّة والإسلاميّة التي كانت تعيش نفس التقوقع والانغلاق الذي مكّن حكّامها من الاختلاء بها كما يختلي الذئب بالنعجة القاصيّة من الغنم!... ولذلك كان كلّ من يذكر حرق محمّد بوعزيزي نفسه يسأل الله تعالى له المغفرة وحسن القبول لما كان لحرق نفسه من بركات عامّة عساها تقف شافعة له عند ربّ النّاس الذي حرّم قتل النّفس إلّا بالحق!... وهو سبق لمحمّد وليس لمن يُحرق بعده أيّ أثر!... بل لعلّنا ننظر إلى ذلك الحرق على أنّه انتحار مرفوض في بلاد المسلمين!... ويزداد الحرق (أو الانتحار) بشاعة إذا ما أريد به تغيير وجهة أو تصدير فكرة أو تزيين صورة أو محاربة بلد بأسره!...
فنحن إن كنّا اليوم بحاجة إلى الحرق فإنّا بحاجة ماسّة إلى اختيار ما يجب حرقه وما لا يجب حرقه!... وأوّل وآخر ما لا يجب حرقه أو حتّى التفكير في حرقه هو الإنسان – مهما كان الإنسان –، لا يُحرق بالنّار ولا يُحرق بالنسيان وعدم الاكتراث المفضي إلى الحرق عند ضعف الإيمان أو غيابه!... وأمّا ما يجب حرقه بمشاركة الجميع فأشياء كثيرة منها غلظة القلب لتعوّضها الرحمة والشفقة بالنّاس، ومنها الأنانيّة ليعوّضها التفكير بالآخر والسعي في حاجاتهم، ومنها "الوطنيّة" لتعوّضها وطنيّة تملأ صاحبها حبّ الوطن، ومنها "الديمقراطيّة" لتعوّضها ديمقراطيّة تحترم صناديق الاقتراع وتعترف بالآخر، ومنها الخيانة لتعوّضها الأمانة والغيرة على البلاد فلا يتاجر بها (البلاد) "تقدّميّ متخلّف" عند "حقوق الإنسان" في سويسرا أو في غيرها من بلاد العالم الأبيض الذي "حمى" حقوق الإنسان بإنبات مجرمين صهاينة في أرض المسلمين، ومنها العنصريّة ليعوّضها تعارف وقسط بنّاءان يمنعان من الإساءة إلى النّاس جميعا، ومنها "الدونيّة" ليعوّضها اعتزاز بالذّات في غير تكبّر وانطلاق من الذّات لصناعة الخير وتقديم الأفضل لعالم زاد في انحطاطه بروز أصحاب الصنائع الدّونية!...
في كلمة علينا ألّا نحرق أنفسنا بحجّة استحالة الحياة ولكن علينا حرق كلّ ما يمكن أن يمنعنا الحياة!.. والله من وراء القصد...
عبدالحميد العدّاسي، الثلاثاء 12 مارس 2013
أرسل متزامنا إلى صحيفتي تونس نيوز والحوار نت الأغرّين