حسام تمام.. لهذا شيعتك دموع الرجال- مصطفى عياط
تعجبت وأنا طفل عندما شاهدت أحد الرجال، المشهود لهم بالصلابة في قريتي بالصعيد، يبكي بحرقة ويندب بصوت عالي ابن أخيه الذي وافته المنية، وكان شابا ممن يوصفون بالرجولة والفتوة، ولما سألت والدي رحمه الله: كيف يبكي هذا الرجل الصلب، أجاب ببساطة: "لقد قصم ظهره". نعم.. وفاة الرجال "تقصم الظهر".. ولهذا لم استغرب دموع عشرات الرجال وهي تودع حسام تمام، لكني ربما توقفت قليلا مع كلمات ذلك الشاب الذي وقف يدعو أمام القبر بصوت باكي، والمشيعون يرددون خلفه: "أشهد أن حسام تمام كان من الدعاة العاملين لدين الله ونشر دع
- 1 ديسمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تعجبت وأنا طفل عندما شاهدت أحد الرجال، المشهود لهم بالصلابة في قريتي بالصعيد، يبكي بحرقة ويندب بصوت عالي ابن أخيه الذي وافته المنية، وكان شابا ممن يوصفون بالرجولة والفتوة، ولما سألت والدي رحمه الله: كيف يبكي هذا الرجل الصلب، أجاب ببساطة: "لقد قصم ظهره".
نعم.. وفاة الرجال "تقصم الظهر".. ولهذا لم استغرب دموع عشرات الرجال وهي تودع حسام تمام، لكني ربما توقفت قليلا مع كلمات ذلك الشاب الذي وقف يدعو أمام القبر بصوت باكي، والمشيعون يرددون خلفه: "أشهد أن حسام تمام كان من الدعاة العاملين لدين الله ونشر دعوته".
نعم لم يكن لدي أي شك في صدق تلك الشهادة، وقد عايشت حسام تمام أكثر من خمسة سنوات في موقع "إسلام أون لاين"، ثم توطدت علاقتنا بعد أزمة الموقع الشهيرة، لكن ربما طغت صورة حسام "الصحفي والباحث" لدي على حقيقة أن الأصل في كل ما كان يفعله هو: "الدعوة لدين الله".
كان حسام مؤمنا بكل جوارحه بعبقرية "التدين المصري"، بشقيه المسيحي والإسلامي، وكان ناقما وناقدا لمن يحاولون جلب نماذج أخرى، تفتقد للعمق الحضاري وخصوصية الشخصية المصرية.. كما كان منحازا للتدين القائم على الثقة وافتراض البراءة والطهر في الآخرين، وليس التعامل معهم كـ "عصاة محتملون"، كما لم يكن يطيق هؤلاء الذين يمنحون أنفسهم سلطة مراقبة الآخرين والوصاية على تصرفاتهم باسم "الدين".
ويعد حسام من بين قلة من ذوي الخلفية الإسلامية، الذين امتلكوا رؤية واضحة للدولة المصرية ومصالحها، بينما يغرق الباقون في "أممية" هلامية لا يدركون أبعادها، ولا يملكون حتى تصورا مبدئيا لكيفية تنزيلها على الأرض.. وقد شاهدت حسام أكثر من مرة يعض "أصابع الغيظ" من تصريحات بعض الإسلاميين، التي تفتقد إلى "ألف باء" السياسة، وتنم عن جهل كامل بمعطيات الواقع السياسي، وما يفرضه من التزامات وقواعد.
وقد تابعت عن قرب كيف أدار حسام تمام، من خلال رئاسته لتحرير موقع "الإسلاميون"، الأزمة التي اشتعلت داخل "الإخوان المسلمين" على خليفة انتخاب مرشد للجماعة خلفا لمحمد مهدي عاكف، حيث اعتبرها جزءا من الحراك الإيجابي داخل الجماعة، وسعى لفتح صفحات الموقع أمام كافة الأطراف بحيادية ومهنية، لكن البعض داخل الجماعة فضل إدارة الأزمة بمبدأ "الستر"، معتبرا النشر نوعا من تعميق الخلاف، وشن هذا الفريق هجوما ضاريا على حسام والموقع.
ولعل أكثر ما كان يضايق حسام تمام هو أن معظم الإسلاميين يبدون رحابة صدر ومرونة هائلة تجاه بعض الأشخاص الذين احترفوا "شتمهم" بهدف الاسترزاق، في حين يصمون آذانهم تجاه الباحثين الجادين، وحتى أبناء الحركة الإسلامية، الذين يحاولون إسداء النصح والنقد الجاد، بل أن البعض لم يكن يتورع عن إطلاق اتهامات "العمالة" و"التحقير" بحقهم.
كان حسام تمام في مجمل سلوكياته وأفكاره أقرب ما يكون لـ"الإسكندراني" الودود، المنفتح، رحب الصدر، لكنه أخذ من الصعيد، مسقط رأسه، أفضل وأخطر ما فيه، فهو كريم لدرجة الجود، لكن إذا ما مس أحد بكرامته يتحول إلى "بركان هادر" كطبع الصعايدة، ولعل ذلك يفسر كون حسام تمام –تقريبا- الباحث والصحفي المصري الوحيد الذي غرد نحو المغربي العربي والشام، حيث يبدو التعامل أكثر ودا وحميمية مع أي وافد مصري.
ومع أن صفة "الباحث" طغت على "الصحفي" لدي معظم من تعاملوا مع إنتاج حسام تمام الفكري، إلا أن حسام كان "صحفيا باحثا" أكثر من كونه "باحثا صحفيا"، فحسه الصحفي وذكائه الاجتماعي جعله يبادر للاحتكاك المباشر مع الشخصيات والموضوعات التي يدرسها، ورغم شراهته القرائية، إلا أنه كان جوالة بامتياز، ولا يكاد يمر شهر أو اثنان إلا ويكون على سفر، حريصا على اختبار الأفكار والطروحات التي كونها عبر القراءة، وكثيرا ما غير أفكاره تلك، بعدما عايش واقعها.
رحل حسام تمام، وقبله بعدة أشهر شيعنا عادل القاضي، رئيس تحرير بوابة الوفد الالكترونية ونائب رئيس تحرير موقع "إسلام أون لاين"، والاثنان كانا من القلة التي جمعت بين الخلفية الإسلامية، والتميز والرقي المهني، إضافة إلى القدرة على اكتساب احترام وثقة التيارات الأخرى، ولم يكن الاثنان من أنصار التنظير والكلام النظري، وإنما كانا "ماكينة عمل" لا تهدأ، ولا ترضى بأقل من التميز والاحتراف، أما قدرتهما على انتقاء الشباب الجادين، ووضعهم على أول الطريق، وتزويدهم بالنصيحة والخبرة، فكانت استثنائية بكل المقاييس.
رغم سنوات العمر القصيرة لعادل القاضي وحسام تمام، إلا أنهما تركا العشرات من التلاميذ، الذين يشقون طريقهم في عالم الإعلام، وسلاحهم الاحترام والمهنية.. ولعلها من مفارقات القدر أن حجرتا القاضي وتمام في موقع "إسلام أون لاين"، كانتا ملتصقتان، تماما كموعد رحيلهما.. رحم الله حسام تمام وعادل القاضي، ورزقنا من يكمل مسيرتهما.