حركة النهضة وتحدّيات المرحلة بقلم الدكتور ناجي الجمل
بعد ثلاثة عقود من طرق باب الشّرعية القانونيّة، تحصّلت حركة النّهضة التونسيّة بفضل الله أوّلا ثمّ بفضل تضحيات أبناء تونس البررة على رخصة العمل العلنيّ. ونحسب أنّها بهذا الكسب قد طوت نهائيّا مرحلة مشرّفة من تاريخها ودخلت في أخرى لا تقلّ عن الأولى تحدّيات ومخاطر. فهل ستنجح في الثانيّة كما صمدت في الأولى ؟ سيعود المؤرّخون والباحثون إلى حصيلة الفصل الأوّل من تاريخ الحركة درسا وتمحيصا ليثبتوا ما لها وما عليها. ما يهمّنا في هذه المصافحة هو ما تقتضيه المرحلة الحاليّة من تركيز على فهم التحدّيات الجمّة ال
- 5 مارس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بعد ثلاثة عقود من طرق باب الشّرعية القانونيّة، تحصّلت حركة النّهضة التونسيّة بفضل الله أوّلا ثمّ بفضل تضحيات أبناء تونس البررة على رخصة العمل العلنيّ. ونحسب أنّها بهذا الكسب قد طوت نهائيّا مرحلة مشرّفة من تاريخها ودخلت في أخرى لا تقلّ عن الأولى تحدّيات ومخاطر. فهل ستنجح في الثانيّة كما صمدت في الأولى ؟
سيعود المؤرّخون والباحثون إلى حصيلة الفصل الأوّل من تاريخ الحركة درسا وتمحيصا ليثبتوا ما لها وما عليها. ما يهمّنا في هذه المصافحة هو ما تقتضيه المرحلة الحاليّة من تركيز على فهم التحدّيات الجمّة التي تواجه البلاد عامّة والحركة الإسلاميّة خاصّة وعلى المساهمة المتواضعة في الإرشاد إلى بعض الخطوات الضروريّة والعاجلة لحسن إدارة معركة البناء.
لم يجد الإسلاميون في تونس فيما مضى سعة ليفكّروا ويعدّوا البدائل الاجتماعية والثقافية والتنمويّة التي ينوون عرضها على الشعب التونسي واكتفوا في أحسن الحالات برفع شعارات عامّة تحتاج إلى التدقيق وإلى الترجمة في شكل قوانين وخطط علميّة جاهزة للتطبيق. وكانت حجّتهم في ذلك ما تعرّضوا له من سجن وتعذيب وملاحقات ومحن متتالية، لم يكيدوا يخرجوا من واحدة حتّى يزجّ بهم في أخرى. واليوم وقد انتفت هذه المبرّرات، فإنّ المجتمع التونسي لن يكتفي من التيّار الإسلامي بشعارات مجرّدة حتّى وإن صبغت بقيم الإسلام الخالدة. فهو ينتظر منّا ومن كلّ حزب يروم حكمه أن يصلح ما أفسده نظام أبن علي وأن يحقّق طموحاته المشروعة في الحريّة والكرامة والرفاهية المادية.
إنّ هذا العمل الجبّار والنبيل في آن تنوء به العصبة من المختصّين المجرّبين، فما بالك بحركة تتلمّس طريقها بعد أن أنهكتها السجون والمهاجر ولم تفتن حتّى بتسيير بلديّة صغيرة. لا ريب في أنّ إعداد برنامج حكم شامل، ذي مرجعيّة إسلامية وقابل للتنزيل، في أمسّ الحاجة إلى كلّ المؤمنين بإمكانية تأويله، سواء كانوا منخرطين أو مجمّدين أو مستقلّين أو راغبين في الانتماء إلى حركة النهضة، لا يستثنى منه إلاّ الراغب عنه. وينبغي على قيادات وأبناء حركة النهضة، المعبّر الأكبر عن الصوت الإسلامي في الساحة السياسيّة التونسيّة، أن ينزعوا ما صدورهم من مؤاخذات وأن يتحلّوا بالحلم والصبر والحنكة وبعد النظر في إدارة هذه الحقبة الحسّاسة من تاريخهم: الحلم على من أخطأ في حقّهم والصبر على من خالفهم في الرأي والحنكة في التعايش والتعاون مع كلّ هؤلاء دون تمييز وبعد النظر في استيعاب هذا الطيف الواسع من التونسيّين.
إنّ التحديات أكبر من أن يرفعها التنظيم الحزبي لوحده والطاقات المؤمنة بالمشروع الإسلامي والقادرة على العطاء فيه متعدّدة ومتنوّعة: منها من هو متمسّك بتنظيم النهضة ومنها من أخذ منه مسافة، تبعد أو تقصر، ومنها من يرغب في العودة، ومنها من يأبى العمل التنظيمي ولكنه مستعدّ للمساهمة الفعّالة في البناء والتنزيل.
وأحسب أنّ النجاح في إعداد البرنامج الملبي لطموحات شعبنا الكريم وتطلّعاته مرهون حتما بالنجاح في القدرة على استيعاب وتوظيف هذا الكمّ الهائل من الراغبين والقادرين على المساهمة في رفع التحدّيات المتراكمة، أيّا كان المربّع الذي وقفوا فيه سابقا والموقع الذي يريدون أن ينطلقوا منه لاحقا.
وللمتردّدين ، من إخواني وأخواتي، في مساندة هذا العفو الداخلي الضروري، أقول إنّ الزمن والعمل كفيلان بردم هوّة الخلاف ونسيان المشاحنات وتذكّروا أنّ ما وقع في الجسم الإسلامي التونسي، على كبره، لا يساوي شيئا مقارنة مع ما أصاب غيره. وليكن الرسول صلىّ الله عليه وسلّم وصحابته قدوتنا فيما نحن قادمون عليه من نهج. فقد عفا صلّى الله عليه وسلّم عن عبد الله بن أبي سرح بعد أن ارتدّ عن الإسلام وسبّه وشتمه. ولم يتردّد الخلفاء الكرام بعد ذلك عن الاستفادة من قدرات ومهارات الرجل، فاستعمله عمر و ساهم في فتح مصر ومهّد لفتح إفريقية.