نصوص

حدث وتعليق

حدث وتعليق ضربت المرشدة الاجتماعيّة هنا في الدّنمارك موعدا مع ابنتي الصغرى إيمان، تريد معاينة البيت ومعرفة مواصفاته لتقريره صالحا لبرنامج رياض الأطفال أم لا؟!... فقد استهلكت ابنتي كلّ المدد المسموح بها للرّاحة بعد الولادة، كما استنفدت الأيّام التي تسمح بها النّقابة الرّاجعة لها بالنّظر، ووجب عليها بعد ذلك العمل... وابنتي لم تعمل داخل تخصّصها وبالشهادة الحاصلة عليها في ميدان الإعلاميّة تخصّص الرسم والتصميم (ديزاين)، فسوق الشغل لم تعد تستوعب النّاس في تخصّصاتهم بل باتت تستدعيهم إلى العمل في أيّ مك

0
25 يوليو 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 حدث وتعليق

 

ضربت المرشدة الاجتماعيّة هنا في الدّنمارك موعدا مع ابنتي الصغرى إيمان، تريد معاينة البيت ومعرفة مواصفاته لتقريره صالحا لبرنامج رياض الأطفال أم لا؟!... فقد استهلكت ابنتي كلّ المدد المسموح بها للرّاحة بعد الولادة، كما استنفدت الأيّام التي تسمح بها النّقابة الرّاجعة لها بالنّظر، ووجب عليها بعد ذلك العمل... وابنتي لم تعمل داخل تخصّصها وبالشهادة الحاصلة عليها في ميدان الإعلاميّة تخصّص الرسم والتصميم (ديزاين)، فسوق الشغل لم تعد تستوعب النّاس في تخصّصاتهم بل باتت تستدعيهم إلى العمل في أيّ مكان شاغر، وقد عملت بالتالي في رياض الأطفال فكسبت فيها الكثير من البراعات وحازت على الكثير من الاستحسان!... وإنّي إذ أتحدّث عن هذه الجوانب، فلأهمس للشباب في بلدي أن أقلعوا عن سلوك لم يعد مواكبا للعصر، وقد أردتم التشبّث بالعمل في الاختصاص، فإنّ بهذه البلاد (الدّنمارك) مهندسين بل ودكاترة يعملون في النّظافة أو في الفندقة!... فالعمل مهما كان هو أكثر إعزازا للنّاس وأكثر جدوى من أن يتخصّصوا في التسكّع والبطالة والاعتصامات أو التهافت المهين على المقاهي، وصابة الزيتون أو غيرها من المنتوج يتلف بعضه بسبب عدم وجود اليد العاملة!...

 

أعود لأجيب الذي قد يتساءل: ولكن ما علاقة وجوب العمل على ابنتك بتفقّد المرشدة الاجتماعية بيتها لرؤية مواصفاته؟!... فأشكر المتساءل لأنّه قد أخذ بسبب كتابة هذه الكلمات، ثمّ أجيبه مستدعيا انتباه الجميع: لقد فعلت المرشدة ذلك لتسمية ابنتي مروّضة لابنها وبنتها في بيتها، مقابل مرتّب تحصل عليه يدرجها في صنف العاملات بعد أن كانت من قبل في بيتها مجرّد أمّ غير عاملة!...

 

مدهش والله العظيم!... فالعناية بالأبناء في هذا البلد يجعل رعاية أمّهم لهم من أعلى أصناف العمل الخاضعة لمراقبة المرشدة الاجتماعية التي وافقت هنا على البيت بشرط تذليل نقطتين أو ثلاثة لفائدة الولد والبنت!... ويؤسفني هنا أن أستعرض بعض المواقف الساخرة في بلدي تونس من الدعوة إلى تخفيف عمل الأمّ خارج البيت مقابل عنايتها بأطفالها الذين هم نساء ورجال المستقبل... كما يؤسفني التذكير باستنكار دعوة التكامل بين المرأة والرّجل. وهو تكامل أراد النّاطقون به تكاملا وظيفيّا!... فبقدر ما تقع العناية في هذه البلاد بالأطفال رغم عدم انتمائهم إلى النّسيج الأصلي للمجتمع، بقدر ما يقع التفريط في الأطفال في بلادنا الإسلاميّة بسبب خروج الأمّهات إلى العمل لهثا وراء الألقاب الضامنة لشهائد الاستحسان المردي، التي قد توزّع فيما بعد على حكّامنا اعترافا لهم بحرصهم على المساواة بين المرأة والرّجل!... وهي مساواة مغشوشة عرجاء خاطئة مفسدة، يفضحها الكثير من الحقائق منها على سبيل الذكر لا الحصر: التفاوت في الرّاتب بين المرأة والرّجل. ومنها على وجه الخصوص ما يتناول المرأة في قيمتها الإنسانيّة، فبدل أن تكون كريمة مستورة عفيفة يحوّلها الأراذل من الذكور غير الرّجال إلى مجرّد مقدّمة ورود هنا أو منفقة قبلات هناك أو متنازلة بالمرّة عن شرفها وشرف زوجها وأبيها وأخيها وأهلها جميعا بهدف بلوغ مقامات "سكرتيرة المدير العام" الفاسد الساقط، الذي لا يراعي حرمة ولا عرفا ولا دينا ولا ربّا خالقا!...

 

فمتى نرى المرأة بيننا عزيزة مكرّمة، ومتى يقلع بعض النّساء من غير النّاس الأسوياء عن الصعود إلى الهاوية بما ينفقن من ماء الحياء لإنعاش الرّذيلة... ومتى نرقى بأخلاقنا أوّلا ثمّ بمجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة كي نصل إلى شرط التقدّم الإنساني الذي أخذت به المجتمعات غير المسلمة، والمتمثّل في أمر واحد لا ثانِيَ له، وهو [خدمة الإنسان] كما كتبت، أي في المفهوم والتعريف العام، دون انحياز أو إقصاء!...

 

نسأل الله صلاح الحال...

 

عبدالحميد العدّاسي، 25 جويلية / يوليو 2015      

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©