حبائل الشيطان
حبائل الشيطان توقّف الشيخ عند قوله تعالى، من أواخر سورة الحشر: [كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال إنّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين]، ليؤكّد للحضور والسامعين، أمرين: أنّ الشيطان ما خاف الله أبدا، إذ لو فعل لسجد لمن أمره الله بالسجود إليه، وأنّه ما انفك يجتهد ويجلب على ابن آدم بخيله ورجله كي يستفزّه ويغويه ويورّطه!... حتّى إنّه ليأتيه من أبواب الخير كي يدلّس عليه!... ثمّ ذكر للبيان قصّة الرّاهب "برصيصا"، أو هو ذكر رؤوس
- 3 يوليو 2016
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
حبائل الشيطان
توقّف الشيخ عند قوله تعالى، من أواخر سورة الحشر: [كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمّا كفر قال إنّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين]، ليؤكّد للحضور والسامعين، أمرين: أنّ الشيطان ما خاف الله أبدا، إذ لو فعل لسجد لمن أمره الله بالسجود إليه، وأنّه ما انفك يجتهد ويجلب على ابن آدم بخيله ورجله كي يستفزّه ويغويه ويورّطه!... حتّى إنّه ليأتيه من أبواب الخير كي يدلّس عليه!...
ثمّ ذكر للبيان قصّة الرّاهب "برصيصا"، أو هو ذكر رؤوس أقلام منها، ألخّصها، فهي - كما رواها ابن عبّاس رضي الله عنهما طويلة طويلة...
ومفادها أنّه لمّا أراد الشيطان إغواء "برصيصا" العابد أتاه من باب الخير... فـ"برصيصا" قد تعبّد في صومعته وقتا طويلا دون أن يعصي الله تعالى طرفة عين!... و"برصيصا" بات حديث النّاس ومحلّ ثقتهم ومضرب أمثالهم (قلت: تماما كبعض المفتين في هذا الزمان، من أمثال جمعة وحسّون والآيات)!...
و"برصيصا" بات كذلك موطن اهتمام إبليس وقد أعياه أمره، كيف يفلت منه ولا يكبّه على وجهه!...
استعان إبليس بمرددة الشياطان... فاستجاب له أحدهم وتكفّل بـ"برصيصا" (تقول القصّة: لقد كان يدعى الأبيض، وهو المتكفّل بالأنبياء يعترض سبيل دعوتهم)!... أتاه في شكل راهب مثله، وتفانى في العبادة معه سنة كاملة (قلت: شأنه شأن المنافقين والوصوليين المتمسّحين بالأعتاب، فإنّ صبرهم كصبره أو أكثر) حتّى كسب ودّه وثقته!... ثمّ ادّعى أنّه سيودّعه لأنّه لم يجد منه ما سمع عنه من النّاس وأنّ هناك بمكان آخر من هو أفضل منه... آلم "برصيصا" ذلك (قلت: و"الكبار" عموما يؤلمهم وجود "كبير" غيرهم)!... ثمّ أنّ المارد أصرّ على تعليم "برصيصا" كلمات يُشفي بها المرضى، فقبل "برصيصا" بعد تردّد منه ذلك، إذ كان يرغب في الاختلاء بربّه... حتّى إذا علّمه ما علّمه، انقلب المارد يُمرض النّاس بطريقته ثمّ يبعثهم إلى "برصيصا" فيقول لهم ذلك الدّعاء فيشفوا!...
حتّى إذا سكن "برصيصا" إلى مهمّته الجديدة، تعرّض المارد لجاريّة من بنات ملوك بني إسرائيل فعذّبها وخنقها، ثمّ جاء إخوتها في صورة متطبّب فأرشدهم على الرّاهب "برصيصا"، الذي يثقون به، فعلى يده يكون الشفاء بإذن الله تعالى... استجاب الإخوة، وهم ينشدون برء أختهم!... بنوا لها - بتعليمات المارد - صومعة بجوار صومعة "برصيصا"، وقالوا له هذه أختنا أمانة عندك، فاحتسب فيها!...
يسّر مارد الشياطين تسريب النّظرة تلو النّظرة، نظرة الرّاهب، فأسره جمالُها لولا لجوؤه المستمرّ إلى الصلاة!... طفق المارد بالبنت يصرعها، واستبسل الرّاهب في تعويذها بذلك الدّعاء المرّة تلو المرّة!...
مرّ المارد إلى مرحلة متقدّمة فجعل البنت تتكشّف عند الصرع... فلمّا رأى منها "برصيصا" ما كان يسمح لنفسه برؤيته اضطرب، فألحّ عليه المارد لمَ لا تواقعها فتتوب هي وتشفى!... ومازال به كذلك حتّى واقعها!... فلمّا حملت، قال له: ويحك يا "برصيصا" قد افتضحت، فهل لك أن تقتلها وتتوب فإن سألوك فقل: ذهب بها شيطانها فلم أقدر عليه!... قتلها ثمّ دفنها ليلا بعيدا بسفح الجبل!... شاركه الشيطان الدّفن، فقط ليجعل طرف إزارها خارجا من التراب مرئيّا، يشهد به عليه وعلى جريمته!...
رجع برصيصا إلى صومعته نادما يتعبّد يرجو التوبة!... جاءه إخوتها يسألون عن أختهم، فلمّا قصّ عليهم القصص المُملى عليه صدّقوه (فهو "برصيصا")!... جاء إبليس كبيرهم في منامه يوسوس إليه: ويحك إنّ "برصيصا" فعل بأختك كذا وكذا وأنّه قتلها ودفنها في مكان كذا، وطرف ردائها يدلّ عليها!... فلمّا تعوّذ الرّجل بالله من الشيطان الرّجيم منزّها "برصيصا" عن فعل ذلك (قلت: وكذلك تتخفّى الأسماء في أيّامنا هذه بالسمعة والسيرة والصورة، فلا ينتبه النّاس الطيّبون إلى إفسادهم في الأرض ولا يصدّقون مجرّد احتمال اقترابهم من الفساد، وهو ما يشجّعهم على المضيّ في الفساد)، ظلّ به الشيطان ثلاث ليال... ثمّ انطلق إلى أوسطهم يفعل به ما فعل بالكبير... ثمّ انطلق إلى أصغرهم يفعل به ما فعل بالأكبر والأوسط!... فلمّا توافقت رُآهم ذهبوا إلى "برصيصا" يستجلون الخبر!... فلمّا تأكّد لديهم الخبر هدموا صومعته وأنزلوه ثمّ كتّفوه وانطلقوا به إلى الملك، فأقرّ على نفسه!... فلمّا اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة!...
ساعتها جاءه المارد، ذلك "الرّاهب المتعبّد" (قلت: وفي دنيا النّاس اليوم الكثير من المردة المتعبّدين، الذين يخالطون النّاس بسموت الملائكة)، فقال: أتعرفني يا برصيصا؟!... قال: لا... قال: أنا صاحبك الذي علّمك الدعوات... ويحك ما اتّقيت الله في أمانتك!... خنت أهلها، وإنّك لتزعم أنّك أعبد بني إسرائيل!... أما استحييت (ثمّ بالغ في تقريعه) (قلت: وكذلك أصحاب السوء في دنيا النّاس اليوم، يجعلون من البشر ربّا حتّى إذا وقع في الخطيئة، حوّلوه شيطانا متناسين تذلّلهم له ودفعهم إيّاه في الطريق المهلكة وإليها)!... ثمّ قال في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتّى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وفضحت أشباهك من النّاس، فإن متّ على هذه الحالة لم يفلح أحدٌ من نظرائك!... قال "برصيصا"، وقد ضعف وتهاوى، فكيف أصنع؟!... قال: تطيعني في خصلة واحدة حتى أنجيك ممّا أنت فيه فآخذ بأعينهم فأخرجك من مكانك! قال: وما هي؟! قال: تسجد لي!... قال: ما أستطيع!... قال: افعل!... فسجد له!... فقال: يا "برصيصا" هذا الذي كنت أردت منك صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربّك [إنّي بريء منك إنّي أخاف الله ربّ العالمين]!!!... فيجيب الله تعالى: [فكان عاقبتهما أنّهما في النّار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين]...
التابع والمتبوع سواء... الموسوس والموسوس إليه... الفاسد والمشجّع على الفساد أو الساكت عنه... الظالم والمناصر للظّالم أو الساكت عن الظلم... كلّهم سواء!... فاتّقوا الله أحبّتي واسمعوا تحذير ربّكم [يا أيّها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنّه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكنّ الله يزكّي من يشاء والله سميع عليم]!...
نسأل الله الثبات على الحق وصلاح الحال، ولا تنسونا من صالح الدّعاء...
عبدالحميد العدّاسي