حاجـتنا المستمرة للانتفاضات الناعمة
عندما سكت الشعب التونسي عن المطالبة بـحقوقه في الدولة اهتـضمها حاكم جائر استـغل أنينه وشقائه ليستبد بذلّه، وعندما نام عن تـعهد شؤون حياتـه ومصالـحه، تـعهدها انتهازيون يعرفون "من أين تؤكل الكتف"، أمّا عندما مسّت مشاعره كلمات: " من لم يعانـقه شوق الـحياة تبخر في جوها واندثر"،انتفض، وأخذ على عاتـقه عملية إزالة ما دخل على الـحياة التونسية من فساد، وإنـقاذ وطنـه من الظلم والقهر والاستـغلال، انفجرت انتفاضة أشـعلت ثورة شعبية أمتدّ لـهيبها لمعظم المناطق التونسية، ومنها لمعظم العواصم العربية. وانطلاقاُ م
- 26 مارس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
عندما سكت الشعب التونسي عن المطالبة بـحقوقه في الدولة اهتـضمها حاكم جائر استـغل أنينه وشقائه ليستبد بذلّه، وعندما نام عن تـعهد شؤون حياتـه ومصالـحه، تـعهدها انتهازيون يعرفون "من أين تؤكل الكتف"، أمّا عندما مسّت مشاعره كلمات: " من لم يعانـقه شوق الـحياة تبخر في جوها واندثر"،انتفض، وأخذ على عاتـقه عملية إزالة ما دخل على الـحياة التونسية من فساد، وإنـقاذ وطنـه من الظلم والقهر والاستـغلال، انفجرت انتفاضة أشـعلت ثورة شعبية أمتدّ لـهيبها لمعظم المناطق التونسية، ومنها لمعظم العواصم العربية.
وانطلاقاُ من قناعتنا الراسـخة بأن الشعب التونسي العريق في التـمدن والثقافة، سيبقى مشدوداً إلى حركة الواقع السياسي، الاجـتماعي والاقتصادي، ولن ينفك عن انـجاز انتفاضات ناعمة في قضاياه الـحياتية الأساسية، تعبّـر عن خصوصيته التي تنبع من صميم طبيعته ومواهبه في معالـجة تلك القضايا.
على هذا الأساس، أتقدم ببعض الأفكار إلى جـميع المـختصين في الأحزاب التونسية، والفعاليات المهنية في المـجتمع المدني، لعل وعسى أن تساعدهم في انتفاضاتـهم الناعمة المقبلة لصياغة تونس الغد، إنـما أود أن أعترف بأنني لست مـختصاً في العلوم، ولست متـعمقاً في القوانين العصرية المأمول اعتمادها في الانتفاضات الناعمة، وإني اكتفي من الأفكار المطروحة مضامينها العلميّة التي أعتقد بأنـها ستـحتل العناوين الأساسية في البـرامج الاجتماعية، الاقتصادية والوطنية في أية انتخابات نيابية، حزبية، بلدية ونقابية.
نأمل من المـختصين في الانتفاضة الاقتصادية الناعمة الاشتراك في وضع الدراسات والتقارير الوافية عن ثرواتنا الطبيعية في سائر أنـحاء وطننا، نوعها، وكيفية استثمارها بطرق عصرية تعيد إلى الوطن والمواطن الـخيـر والرفاهية.
على سبيل المثال لا الـحصر، نـحن نـعلم أن تضاريس تونس تتميّز بقلة الارتفاع، وباتساع السهول والمنخفضات، ومناخها يتأثر بالمؤثرات البحرية والصحراوية مـما يـجعل أرضها جافة وغيـر صالـحة للاستـغلال الزراعي، إلا في المناطق التي تتكاثر فيها الأمطار والتربة الـخصبة، أقترح على المختصين الزراعيين أن يـجدوا الطرق العلميّة العصرية للتحكم في الموارد المائية، وتوسيع الرقـعة المسقيّة عن طريق تشييد السدود، وإنشاء الزراعات الصناعية، والعمل على إحاطة الفلاحين بالرعاية الثقافية والصحية، وحـمايتهم من طغيان أصحاب الأراضي الشاسعة، وتثبيت حقوقهم بـمنحهم نصيبهم العادل في إنتاجهم.
أمّا على الصعيد الصناعي، فبلادنا غنية بالموارد الطبيعية، فهناك البترول والغاز، وهناك صناعة النسيج والـجلود والزيوت، وبسبب انعدام الوعي التقني فقدنا معظم هذه الموارد الأولية الـهامة، نستطيع عبـر إعادة تـجديد هذه الصناعات وإنشاء مؤسسات جديدة أن نقضي على البطالة، ونوقف نزيف هجرة الشباب إلى الـخارج.
وعلى الصعيد السياحي، تونس بلاد مسـحورة بالـجمال، شواطئ ذهبية على مرأى من أمواجها تـمتد جبال خضراء تعلو وتـهبط، على تلالـها منازل بيضاء ذات نوافذ زرقاء تـحيط بـها الورود، وتنبعث منها رائـحة الياسـمين، وهي غنية بالمواقع الأثرية التاريـخية، فـما علينا إلا أن نقنع متمولي بلادنا وأغنيائـها على أن يقلعوا عن دفن ثرواتـهم في المصارف الأجنبية، وإخراجها لاستثمارها في مشاريع سياحية جبارة، توفر عدة مناصب عمل للتونسيين، وتعود عليهم بالربـح الـهائل إذا ما عرفوا كيف يربطون هذه المواقع بشبكة مواصلات جوية، بـحرية وبرية حديثة.
وعلى الصعيد التجاري، الداخلي والـخارجي، علينا أن نعيد التفكيـر بسن قوانين جديدة لضبط الأسعار ومراقبة النوعية، وإيـجاد الشروط التي تكفل نـجاحها، وحفظ مركز الرأسـمال الوطني في جـميع المشاريع التجارية الداخلية، والاهتمام بالأسواق الـخارجية لتصدير منتجاتنا إليها، والاعتناء بـحركة التصدير، وعدم السـماح لرأسـمال أجنبي وحده باستثمار تـجاري في أية بقعة في وطننا.
أمّا على الصعيد المالي، قد يكون من المفيد جداً أن نتـعاون مع أكبـر المؤسسات العالمية من أجل استرجاع ثرواتنا المنهوبة، ونفكر في حجم إيـجاد أساس النقد الوطني وحـمايته من التلاعب المالي الـخارجي، وأن نتعلم من الأزمة المالية والاقتصادية التي عصفت بالعالم وما تبعها من انـهيار للأسواق العالمية.
أن نقول كلمتنا في الإصلاح الإداري، ومـحاربة الرشوة، وتعيين عقوبات شديدة للمرتشين، وفي رفع مرتبات الموظفين لتحسين مستوى حياتـهم المعيشي، وسن قوانين للضمانات الاجـتماعية التي تـحل مشكلة الفقر العام، ومشكلة البطالة.
كذلك في الإصلاح الاجـتماعي علينا إنشاء مؤسسات تـهتم بالتربية الوطنية، وضبط مناهج التعليم الوطني، وجعله مـجانياً وإجبارياً، وإيـجاد تشريع جديد للزواج الذي يؤمن العائلة الراقية، وبناء مصحات تفي بـحاجة الشعب في جـميع المناطق.
وأيضاً، ضرورة الإقرار بالفصل التام بين القضاء والسياسة والـحكم، وإيـجاد نظام خاص للمـحاماة يزيل مفاسدها، ويصون حقوق أصحاب الدعاوى، وضـمان نزاهة القضاء واستـقلاله.
وأخيـراً ضرورة إيـجاد قانون في الإصلاح السياسي يضمن حرية الرأي والقول والاجتماع، ويـمنع المواطنين التونسيين من التـعاطي الغيـر مسؤول مع السفارات الأجنبية التي تتدخل في سياسة البلاد الداخلية.
كما نرجو من المـختصين الابتعاد قدر الإمكان عن أي تـعديل لبعض الاتفاقات والقوانين الإدارية التي لا يترتب عليها فائدة كبيـرة، وأن يكونوا من الشفافية بـمكان يستـطيع به الشعب التونسي تولي أموره الإصلاحية بنـفسه، يراقب الأحوال، ويدرس الأمور التي لـها علاقة بـحياته اليومية بدقة.
إن انتفاضاتنا الناعمة يـجب أن تستمر، لأنـها تؤمن لنا الأرض وخيـراتـها، وتؤمن لنا العدل الاجـتماعي بإعطائنا حقوقنا في العمل دون منّة من أحد، بل نريدها استـحقاقاً بعملنا، وأيضاً، لأنـها تؤمن لنا حقوقنا الوطنية كاملةً، وبـما أن قوة الإنسان التونسي المنتفض تكمن في عقله، وقلبه وساعده، فهلمّوا أيـها المتخصصون في العلوم العصرية، على اختلاف عقائدكم وتوجهاتكم السياسية، إلى القيام بانتفاضاتكم العلميّة الناعمة من أجل تـحسين أوضاع الوطن والمواطن، فأنتم الأمل في الإصلاح والتغييـر.
تيسيـر العبيدي ـ باريس