جناحا العدالة والأنانيّة والنرجسيّة المفرطة
كثر الحديث على ما استجدّ من خصومات وشتائم بين القضاة والمحامين. أرجع البعض أصل الأزمة إلى مكيدة حاكتها قوى الثورة المضادة للإيقاع بجناحي العدالة نظرا لدورهما في سقوط رأس الاستبداد في حين أن المسألة لا تعدو أن تكون مسائل شخصية تطورت إلى تصفية حسابات بين الفريقين كما صرح بذلك البعض من أهل المهنة من الطرفين. فأين الحقيقة من كل ذلك ؟ انطلقت المعركة حين أمر قاضي التحقيق بإيقاف محامية متهمة بالتحيّل على موكلتها وذلك بعد توفّر مستندات الإدانة. فما كان من المحامين أو من المتحمسّين منهم إلاّ أن ثاروا وها
- 12 مارس 2014
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
كثر الحديث على ما استجدّ من خصومات وشتائم بين القضاة والمحامين. أرجع البعض أصل الأزمة إلى مكيدة حاكتها قوى الثورة المضادة للإيقاع بجناحي العدالة نظرا لدورهما في سقوط رأس الاستبداد في حين أن المسألة لا تعدو أن تكون مسائل شخصية تطورت إلى تصفية حسابات بين الفريقين كما صرح بذلك البعض من أهل المهنة من الطرفين. فأين الحقيقة من كل ذلك ؟
انطلقت المعركة حين أمر قاضي التحقيق بإيقاف محامية متهمة بالتحيّل على موكلتها وذلك بعد توفّر مستندات الإدانة. فما كان من المحامين أو من المتحمسّين منهم إلاّ أن ثاروا وهاجوا وماجوا وغضبوا غضبا شديدا لما لحق من إهانة لزميلتهم ولهم أيضا. حيث لم يخطر على بال أحد منهم أن يتم إيقاف زميلتهم في زمن الثورة خاصة وأنهم باتوا ممثلين في الحكم أو باتوا يحكمون البلاد من خلال تواجدهم في الرباعي الراّعي للحوار /الحاكم بأمره. فتوجه لمكتب قاضي التحقيق العديد من المحامين المستائين من عملية الإيقاف ثمّ عنّفوه وردّدوا قولة معمّر القذّافي : "من أنتم. من أنتم". فاستشاط القضاة غضبا وردّوا عليهم بإضرابات وبإصدار أمر بإيقاف كل محام ثبتت إهانته لقاضي التحقيق. وأجابوهم كذلك بلغة معمّر القذافي: "من أنتم ؟ زنقة زنقة ودار دار."
وهذا السلوك من الجانبين لا يعدو أن يكون سلوكا نرجسيا واستعلائيا وسلوك مراهقين. فعلى مدى سنوات الاستبداد ينوب المحامون موكّليهم في كل القضايا والمظالم التي سلّطت عليهم من طرف نظام الاستبداد. ومع علمهم بمدى فظاعة المظالم التي سلّطت على موكّليهم وكذلك بمدى تحمّل موكّليهم وصبرهم على كلّ الأذى الذي سلّط عليهم طوال سنوات الاستبداد و سنوات الجمر إلاّ أن ذلك لم يهيّأهم للصبر على حادثة عارضة كانوا يستطيعون أن يعالجوها بالحوار والخضوع للقانون في آن معا. ولكن في نظرهم وفي لاوعيهم الطرق والإجراءات القانونية وطول فترة التقاضي هي سبيل المواطنين العاديين والمستضعفين، أمّا هم فيعتبرون أنفسهم فوق القانون وفوق التتبّعات القانونية ويستطيعون أن يأخذوا حقوقهم بأيديهم، بالتعنيف والقوة و "بالبونية".
وكان أن ردّ القضاة عليهم بالمثل وبالتعنيف الفوري والقانوني وذلك بأن أمروا بالسجن الفوري لكلّ من تورّط في تعنيف القاضي وبالدّخول في إضراب لعدّة أيّام. فهل يعقل أن يعنّف القاضي الذي يحكم البلاد ويحكم في كلّ يوم على عشرات المتهمين من زمن الاستبداد إلى زمن الثورة ؟ فمن غير المعقول أن يتّهم القضاة أو يحتج عليهم ! فهم يترائ لهم أنّهم فوق الشّبهات وفوق النّقد ولا يجوز أن يتّهموا بالمرّة. فهم تعودوا فقط على اتهام المواطنين والحكم عليهم. وهم تعودوا فقط أن يتوسّل إليهم المتّهمون بشتّى أنواع التوسّل وطلب الرحمة قبل إصدار الأحكام. فكيف يمكن أن يتقبّلوا بعض التجاوزات أو بعض الإهانات اللّفظية والسلوكيات التي يرونها مرضية ؟ فهذه السلوكيات تعوّد على تقبلها وعلى الصّبر عليها عامّة الشعب في زمن الاستبداد وفي بعض الأحيان بعد الثورة. بل أنه مطلوب كذلك من عامّة الشعب أن يصبر أكثر خاصّة في الفترة الانتقالية. أمّا القضاة فهم من طينة أخرى ولا يستطيعون الصبر بل إنّهم يمتازون بحساسية مفرطة تجاه شيمة الصبر.
انطلقت الثورة من الأحياء الشعبية وأشعل لهيبها المهمّشون والعاطلون عن العمل لفرض حقهم في حياة كريمة وفي الحصول على عمل شريف. وإلى الآن لايزال أغلب العاطلين عن العمل دون شغل. وكل الحكومات المتعاقبة تطالبهم بالصّبر ريثما تتحسّن الأمور. أمّا القضاة فغير متعوّدين على الصّبر لا قبل الثورة ولا بعدها. لذلك فهم ركبوا على الثورة وقاموا باحتجاجات وفرضوا زيادة في أجورهم لسنتي 2012- 2013 تصل إلى 550 دينار للقاضى درجة أولى وإلى 900 دينار للقاضي درجة ثالثة.
فطيلة الفترة الانتقالية شارك العديد من القضاة والمحامين الذين ثاروا واحتجوا على إهانات بعضهم البعض في برامج تلفزية في قنوات العار ووجهوا إهانات لفظية لاذعة إلى كل من رئيس الدولة السيد منصف المرزوقي، ووزراء حكومة الترويكا وإلى كلّ رموز الثورة متعلّلين بحرية التعبير وحرية الإعلام. ولم نر قطاع المحاماة ولا قطاع القضاة يخرج في مظاهرات واحتجاجات ضد السخرية والإهانات المتكرّرة من طرف زملائهم لرموز الحكم ولرموز الثورة. وصبر عليهم رئيس الدولة وصبرت عليهم الترويكا وصبر عليهم الثوّار وتحمّلوهم كلّ هذه الفترة رغم طولها نسبيّا. أمّا جناحا العدالة فلم يستطيعا أن يصبرا على بعضهم البعض في حادثة عابرة مرتبطة بأمور شخصية ولم يستطيعا أن يتحمّلا بعضهما البعض. ولسائل أن يتساءل لماذا ؟
والإجابة ببساطة شديدة هي أنّ الذين شاركوا في الاحتجاجات وأوقدوا نار الفتنة من هذا الطرف أو ذاك لم يتعوّدوا على النضال الحقيقي ولم يمارسوه في سنوات الاستبداد وسنوات الجمر ولم يتعوّدوا على الصبر على الشّدائد والمصائب ولم يتعوّدوا على تحمّل عذاب السجون وإهانات الظلمة وتجاوزها. فأنّى لهم أن يصبروا هذه المرة قبل إنجاز عمليّة تطهير تطال أهم أجنحة القضاء وهما جناح القضاء الجالس وجناح القضاء الواقف بما هما القضاة والمحامون.
منجي المازني.