جلسة في حلقة الشيخ الدكتور محمّد راتب النّابلسي
جلسة في حلقة الشيخ الدكتور محمّد راتب النّابلسي من وفّقه الله تعالى جلس للشيخ الدكتور محمّد راتب النّابلسي وأمثاله... ومجالس الشيخ مُقامة هنا وهناك في أماكن يرتادها الملائكة الكرام... وقد جلست إليه أخيرا أمام شاشة قناة فضائيّة، فغنمت ما لم أرد الاستئثار به لنفسي، فسعيت إلى نقله هنا عسى أن ينفع الله به، وينزلني به منزلة المبلّغ... وقد شدّني - وما من قول له إلّا شدّني - قول الشيخ: [المؤمن هو الذي يتحرّك بشهوته في المساحة المسموح بها]، فنفهم - والقول لي - أنّ الإسلام لم يأت حارما آسرا كما يريد المد
- 23 يناير 2016
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
جلسة في حلقة الشيخ الدكتور محمّد راتب النّابلسي
من وفّقه الله تعالى جلس للشيخ الدكتور محمّد راتب النّابلسي وأمثاله... ومجالس الشيخ مُقامة هنا وهناك في أماكن يرتادها الملائكة الكرام... وقد جلست إليه أخيرا أمام شاشة قناة فضائيّة، فغنمت ما لم أرد الاستئثار به لنفسي، فسعيت إلى نقله هنا عسى أن ينفع الله به، وينزلني به منزلة المبلّغ...
وقد شدّني - وما من قول له إلّا شدّني - قول الشيخ: [المؤمن هو الذي يتحرّك بشهوته في المساحة المسموح بها]، فنفهم - والقول لي - أنّ الإسلام لم يأت حارما آسرا كما يريد المدلّسون إبلاغ ذلك، وإنّما جاء منظّما لغرائز يعلم وجودها ولا ينفيها!... فمن استهوته المرأة وأراد التمتّع بها سعى إلى تحقيق شهوته فيها عن طريق الزواج الحلال الطاهر. إن لم يفعل نزل في مراتع الضلالة وجنى الأدواء وحُرِم الرّاحة واعتدى على الفضيلة وهتك الأعراض وأشاع الفاحشة وشرّع لاختلاط الأنساب!...
تحرّك بشهوته في المساحة المسموح بها، موقنا أنّه إنّما - كما قال الشيخ - قد خُلِق للآخرة (وإنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون)، فإن هو نسي ذلك (بوصلته) فقدْ فقدَ القدرة على التوجّه السليم وحاد كذلك عن الطريق المستقيم الذي سوف يوصله إلى الجنّة!... عليه أن يذكر دائما - كما أكّد الشيخ - أنّ الله تعالى قد جعل هذه الدنيا ممرّا وأنّه قد جعل الآخرة مقرّا... فأمّا الممرّ ففيه من الأمور الزّائلة ما لا يجعل البطولة كامنة في تحصيلها، وأمّا المقرّ (الجنّة إن شاء الله) ففيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!... واسمعوا جمال ما نثر الشيخ الكريم بارك الله في عمره وعلمه (المرئيات محدودة والمسموعات أوسع والخواطر أكثر وأكثر وأكثر، ومع ذلك فإنّ الذي فيها (أي الجنّة) لم يخطر على قلب بشر!...)... تعبير يزيد من الأشواق إلى الجنّة مزهّدا فيما دونها من المغريات!... ومن هنا فقد كان الشيخ يؤكّد على (أنّ البطولة هي أن تعيش المستقبل... أن تؤثّث بيتا سوف تقصده، بدل أن يكون همّك في تأثيث بيت ستغادره)... كلام راقٍ قد يكون صعب التحقيق في مجتمع كمجتمعاتنا انحسر قطاع النّظر فيه حتّى انحصر في الأمور الدنياويّة الزّائلة، ولكنّه قد يتحوّل سلوكا يُحرص على اقترافه إذا ما استحضرنا ساعة الامتحان وجعلناها باستمرار في المخيّلة والذّهن لا تغادرهما... وإنّما يكون استحضار ذلك بالإكثار من ذكر الموت هاذم اللذّات ومفرّق الجماعات، وبذكر عدل الله تعالى والطمع في فضله. وإنّ النّار - كما قال الشيخ حفظه الله - محض عدله والجنّة محض فضله... قال الشيخ - أحسن الله تعالى إليه - (عندما تعلم أنّ قوّة ما قد تطولك بعلمها وبقدرتها عليك، فإنّك لن تتجاوزها)، وعليه فالعقدة أو المربط هنا: أن نعلم وجود هذه القوّة القادرة ذات الطول، وجود الله العدل الكريم الغفور الرّحيم شديد العقاب ذي الطول، فنبيتَ مؤمنين صالحين مكتفين بالحلال راغبين فيما عند الله تعالى زاهدين فيما عند خلقه، ذاكرين أنّنا قد خُلقنا للآخرة وأنّنا قد خُلقنا للتمتّع بعبادة الله تعالى كما بيّن الشيخ بلمسة بديعة معنى الآية الكريمة [وما خلقت الجنّ والإنس إلّا ليعبدون]، قال: قمّة المُتعة واللذّة في عبادة الله تعالى، فإنّ الله غنيّ عن صلواتنا وزكواتنا وجميع عباداتنا ولكنّه تعالى أراد أن يرانا متنعّمين بعبادتنا له!...
نسأل الله تعالى أن نكون من عباد الله الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه... ولا تنسوني من صالح دعائكم...
عبدالحميد العدّاسي، الدنمارك في 23 جانفي / يناير 2016