نصوص

جلال الدين الشابي: أبيات أبي صارت عنوانا للثورات العربية

جلال الدين الشابي: أبيات أبي صارت عنوانا للثورات العربية دلولة حديدان إسلام أون لاين - الجزائر لم يكن يعلم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي أن البيت الأول من "لحن الحياة" سيغيّر وجه تونس إلى الأبد، ولم يعرف أن الأقدار ستجمع يوما ما ابنه الأكبر والرئيس زين العابدين بالمدرسة العسكرية الخاصة بفرنسا، ولا أن طبيبه محمود الماطري هو العم الأصلي لعائلة الماطري، التي سلبت التونسيين خبزهم وكرامتهم، فانقلبوا عليهم وعلى الحكم كلّه، بإرادة بثتها أبياته الأولى من قصيدة ألهمت العالم بأسره، وشهد عليها نجلاه محم

0
2 يونيو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

جلال الدين الشابي: أبيات أبي صارت عنوانا للثورات العربية

 

 

 

 

دلولة حديدان

إسلام أون لاين - الجزائر

 

لم يكن يعلم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي أن البيت الأول من "لحن الحياة" سيغيّر وجه تونس إلى الأبد، ولم يعرف أن الأقدار ستجمع يوما ما ابنه الأكبر والرئيس زين العابدين بالمدرسة العسكرية الخاصة بفرنسا، ولا أن طبيبه محمود الماطري هو العم الأصلي لعائلة الماطري، التي سلبت التونسيين  خبزهم وكرامتهم، فانقلبوا عليهم وعلى الحكم كلّه، بإرادة بثتها أبياته الأولى من قصيدة ألهمت العالم بأسره، وشهد عليها نجلاه محمد الصادق وجلال الدين الذي يطلع في أول خرجة إعلامية له بعد 77 سنة من الوجود، لا يدرك إلا محيط ضيّق فقط في تونس أنهما لا يزالان على قيد الحياة، في حين يجهل أغلب العرب أنه تزوّج وأضاف إلى رصيده الأدبي رصيدا بشريا من خيرة أبناء تونس.

ويحكي جلال الدين في اتصال هاتفي مع "إسلام أون لاين" أنه لم يتجاوز عمره -حينما فقد العالم العربي شاعرا بحجم والده- التسعة أشهر، بينما بلغ شقيقه الأكبر حولين كاملين، وتربى الولدان في بيت العم محمد الأمين الأخ الأكبر لأبي القاسم، أستاذ اللغة العربية، الذي حنا عليهما وكان بمثابة الأب الثاني، إلى أن  وافاه الأجل نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.

ودرس جلال الدين في مجال الهندسة وتخصص في كلية فرنسية، ثم أنشا شركته للفولاذ مطلع الثمانينيات، بينما اختار الشقيق الأكبر محمد الصادق أن يدخل عالم الضباط، كأنما تنبأ أن تونس سيحكمها نظام بوليسي بامتياز، ومن مفارقات الزمن أنه درس مع الرئيس زين العابدين بن علي في مدرسة "سان سير" العسكرية الخاصة، سنة 1952.

وقال الابن الأصغر لأبي القاسم، إنه بحكم السن الحديثة التي تركه فيه أبوه فليست له أية فكرة عنه كأب، إلا أنه من حسن الحظ أن حسّه العالي كشاعر، سمح بأن يترك فرحته الكبيرة بهم في الحياة مطوية بين أسطر القصائد، وأن يشاركه كلّ القراء تلك الفرحة الخالدة.

وكان المرض قد أدرك الوالد مباشرة بعد ميلاد محمد الصادق في 1932، وكان متوعّكا جدا نظرا لإصابته "بالقلاب" الذي شخصه له الأطباء حينها، وكان من بين أطبائه، بل الأول الذي نصح أبا القاسم  بتجنّب الزواج، لما رأى من وجهة نظره كطبيب أن ذلك قد يؤثر عليه صحيا، ليتبيّن أن محمود الماطري ما هو إلا العم الحقيقي لعائلة الماطري التي ألحقت أغلب الأضرار بصحة التونسيين العقلية والمالية، بسبب النهب الذي أحدثته بالبلاد.

وكان أبو القاسم يكفل عائلته الصغيرة إلى جانب العائلة الكبيرة، التي تتكوّن من خمسة أفراد من بينها ثلاث إناث، فضلا عن الأم، وقد بلغ درجة من الأسى لما توفيت واحدة من شقيقاته بعد أن أصابها مرض عضال، وكتب فيها قصيدة رثى فيها شبابها.

واعترف جلال الدين أنه لا يعرف أباه إلا من خلال الكتابات التي دوّنها أبو القاسم محمد كرّور التونسي، وهو كاتب كانت له أعمال كثيرة وكتابات عن والده، وقال "إن كثيرا من التونسيين لا يعرفون بتاتا أن أبانا قد أنجب طفلين، بل إنهم يظنون أنه لم يتزوّج أبدا، ولا يعرف ذلك إلا مجموعة من الأصدقاء المقربين منه ومنا الآن، حيث ينقلون لنا رأي الشارع التونسي البعيد عنّا".

واختار الابن الأصغر أن يتعرّف على أبيه أكثر وأن ينقّب في كتاباته بعد أن ارتاح من تعب الحياة واستكان إلى سنوات التقاعد، "منذ أشهر أضع كتب أبي أمامي لأتعرف عليه عبر سطورها وقلب صفحاتها، فأنا لم أقرأها من قبل، كوني درست الحساب ولم أدرس الأدب، وأريد أن أكوّن فكرة أكبر عن والدي".

ولخّص ما تكوّن لديه من أفكار عنه في هذه الفترة في الحس العالي الذي يتمتع به شاعر الشابية، "بدا لي من خلال كتاباته أنه إنسان حسّاس جدا، وكذا صريح إلى أبعد الحدود، ومندفع يسعى وراء الفكرة حتى يسدّدها للناس ليفهموها، وكان يدافع عن الأدب العربي، وكان هدفه الأسمى أن يخرج الأدب من ركوده وأن يحيي الشعب التونسي من سباته ويبعث روحا جديدة فيه وفي الأدب العربي".

وأكثر ما لفت نظر سليل ملهم الثورة التونسية، هي الأبيات الأولى من قصيدة "لحن الحياة"، وعبّر عليها قائلا "فيها تجلّت رغبة الوالد بأن الشعب يكسر الأغلال ويتحرّر من الاستعمار الغاشم عليه، لقد تضمنت رسالة حب الحرية، حب إرادة الشعب وأن يعيش التونسي حرا طليقا ويأخذ مصيره بيده".

ومن سوء حظ جلال الدين أنه كان خارج تونس أثناء الثورة، في سفر إلى ألمانيا ليجري عملية جراحية على القلب، وتلقى نبأ الثورة غير مصدق لما يحدث في تونس "كانت بالنسبة إلي مفاجأة عظيمة، كنت أتابعها عبر الأخبار في كل لحظة، إلى أن طار الطيّر وتبدّد معه وجود بن علي في تونس".

ورأى الشابي الصغير أنه لا يمكن أبدا المطالبة بالمزيد من عرفان وشكر للشابي، بعد أن صارت أبياته عنوانا للثورات العربية كلّها "أي مزيد نريده، عندما يشيد الشعب العربي بأشعار الشابي، ليس هناك من مزيد، نطلبه خاصة بعد ان اعترف الشعب بما جاء فيه من أدب وشاعرية".

واقتصر مطلب الابن الأصغر على إنشاء  تمثال له بحديقة "بال فودار" أو الروضة الجميلة بتونس، والتي كان يقضي بها وقتا طويلا، وكان يلهمه جمال مناظرها، مضيفا "لا يوجد أي تمثال يخلّد وجود أبي في تونس بخلاف تمثال واحد تم إنشاؤه من قبل أحد المحبين له، اسمه عبد الرزاق شريط نصبه منذ خمسة عشرة سنة مضت، زرته من قبل وتفاجأت أن التمثال لا يشبه أبي!".

 

حسنة بن علي الوحيدة

يعتقد جلال الدين أن الحسنة الوحيدة التي قام بها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، تكم في منحه وسام شرف له ولأخيه، باعتبارهما نجلي أبي القاسم الشابي نهاية الثمانينيات بمناسبة يوم الأدب، وهي خطوة لم يقم بها من قبله. 

 وعبّر عن افتخاره وامتنانه لأن يحمل النشيد الوطني التونسي بيتين من أبيات والده الشعرية في قصيدة لحن الحياة، مذكّرا بأن الرئيس بورقيبة هو الذي أضاف هذين البيتين إلى النشيد الوطني نظرا لقوّتهما وزرعهما للحماسة في نفوس التونسيين.

 وعن حقوق التأليف عن أعمال أبيه في تونس وخارجها، ذكر جلال الدين أن العائلة لم تحصل تقديريا إلا على 10 % من حقوقها في الأعمال التي استغلت لأشعار الشابي عبر العالم، وليس في تونس وحدها، مضيفا "نحن كعائلة تابعنا الأمر منذ زمن، وكنا عجزنا عن ذلك، كون أعمال الشابي منتشرة في الشرق والغرب، وفي كل الميادين، كتب، أشعار دواوين وأغان، وفي كل مرة كنا نحاول الحصول على حقوقنا نتوه مع خصومنا في المحاكم، فصرنا نتنازل عنها مباشرة".

وذكر المتحدث أنه منذ 15 سنة، تمت متابعة دار "العودة" للنشر في لبنان، ومالكها فلسطيني، بسبب استغلالها لأعمال الشاعر، لكن دون فائدة، مع العلم أن كل أعمال الشابي قامت بنشرها أمثال هذه الدور، ولم تكن معارض الكتاب تخلو من كتبه.

ونفى أن تكون دور النشر تجهل وجود العائلة، مضيفا أنه إذا كان العالم كله لا يدري بوجودنا فدور النشر بلى، لأنها تقرأ كثيرا عنه، وتعلم بوجود من يمكن أن تنسب إليهم حقوق التأليف المادية، لأنه بالنهاية إن لم نكن نحن فهناك أعمامنا وبقية من أهل الشابي الموجودين في تونس، ومن ثم فهم ليسوا أبرياء.

وهنا يعترف المتحدث للدار التونسية للنشر لأنها الوحيدة من بين دور النشر العربية التي احترمت العائلة وسدّدت إليها حقوق النشر والتأليف منذ خمسين سنة، لأنها كانت تنشر باتفاق مباشر معنا.

واعتبر جلال الدين أن أباه لم يأخذ حظه من التأريخ له من خلال تسمية الأماكن والهياكل التربوية باسمه، فأغلب الهياكل التي تحمل اسمه هي من المدارس الصغيرة، وتم في عهد الرئيس بورقيبة  إطلاق اسم والده على نهج كان يعرف من قبل باسم "كتريام جواف" وهو اسم عسكري فرنسي من ضمن المعمرين، مما عدّته العائلة إهانة كبرى في حق والده، مطالبين السلطات الآن بعد الثورة أن تتراجع عن هذه التسمية.

وعاد الرجل بالحديث عن طبيب والده السيد محمود الماطري العم الأصلي لعائلة الماطري، قائلا "إن محمود كان رجلا طيبا مناضلاً، شارك في الثورة التونسية الأولى ضدّ فرنسا، وكانت أخلاقه بعيدة بعد السماء عن الأرض مع أخلاق عائلة الماطري الحالية، وهو من نصح أبي بألا يتزوّج لأن قلبه كان مريضا ولا يحتمل أن يمر بمرحلة كهذه".

كما نصحه أصدقاؤه في ذلك العهد أن يرحل إلى مدينة المشروحة الموجودة في الشرق الجزائري في ولاية سوق أهراس، كونها مرتفعة وفيها هواء عليل طيب.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©