جدل بين الحكومة وحلفائها بسبب ضرب الحريات بقلم رشيد خشانة
ما أن يرفع الموظفون الحكوميون أيديهم بعد الإنتهاء من تحبير رد على منظمة دولية انتقدت أوضاع حقوق الإنسان في بلادنا، حتى تأتي الوكالات الأنباء بتقرير جديد ألذع من الذي سبقه. تسير البلاد على هذه الوتيرة خاصة منذ الإنتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، وهو ما جعل اسم بلادنا الأكثر ترددا في أدبيات المنظمات الدولية الكبيرة من أمثال هيومان رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود ومنظمة العفو الدولية والمعهد الدولي للصحافة والإتحاد الدولي للصحافيين … طبعا كان مثل تلك التقارير يصدر في فترات سابقة وبالأخص بالتزامن م
- 21 يوليو 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
ما أن يرفع الموظفون الحكوميون أيديهم بعد الإنتهاء من تحبير رد على منظمة دولية انتقدت أوضاع حقوق الإنسان في بلادنا، حتى تأتي الوكالات الأنباء بتقرير جديد ألذع من الذي سبقه. تسير البلاد على هذه الوتيرة خاصة منذ الإنتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، وهو ما جعل اسم بلادنا الأكثر ترددا في أدبيات المنظمات الدولية الكبيرة من أمثال هيومان رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود ومنظمة العفو الدولية والمعهد الدولي للصحافة والإتحاد الدولي للصحافيين … طبعا كان مثل تلك التقارير يصدر في فترات سابقة وبالأخص بالتزامن مع قمة مجتمع المعلومات في 2005 واندلاع أحداث الحوض المنجمي في 2008 . لكن خاصية الفترة الأخيرة هي كثافة التقارير النقدية، التي تتضافر أحيانا عدة منظمات في إطار شبكة "أيفاكس" أوغيرها لإصدارها جماعيا.
ليس أقسى على المرء من تداول اسم بلاده بهذه الصورة القاتمة في أدبيات منظمات تحظى بالمصداقية لدى الرأي العام الدولي، خاصة وهي منظمات معروفة بمواقفها الواضحة ضد الإحتلال في فلسطين والعراق. لا أحد يتمنى أن يكون بلده في تلك المنزلة. لكن توالي بل تدفق تلك التقارير يُعد مؤشرا على اتساع نطاق الإنتهاكات التي باتت الحكومة عاجزة عن الرد عليها. ويجوز القول إن هذه الإنتقادات اتخذت منعرجا جديدا مع دخول حليفين رئيسيين للحكومة حلبة النقد وهما فرنسا والولايات المتحدة. لامت وزارة الخارجية الفرنسية الحكومة التونسية على تقرير الحكم بالسجن على السيد الفاهم بوكدوس، وكانت انتقدت سجن السيدين زهير مخلوف وتوفيق بن بريك في أكتوبر الماضي. وعبرت الخارجية الأمريكية أيضا عن قلقها من "تراجع الحريات السياسية، وخصوصاً القيود الشديدة على حرية التعبير في تونس".
ولوحظ أن الحكومة غضت الطرف على الإعلان الفرنسي، لكنها أصدرت ردا رسميا ومطولا على موقف الخارجية الأمريكية. وبُعيد الإنتخابات الأخيرة كان الموقف الرسمي التونسي معكوسا إذ ردت الحكومة بشدة على الوزير برنار كوشنار وبعبارات خالية من الديبلوماسية، بينما صمتت على الموقف الأمريكي الذي اعتبر الإنتخابات التونسية غير مطابفة للمعايير الدولية للإنتخابات. ويمكن القول إن ما أثار غضب الحكومة هذه المرة هو عدم اقتصار البيان الذي قرأه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مارك تونر على مجرد نقد الحكم القضائي الصادر على بوكدوس، للتعبير عن القلق من "تراجع الحريات السياسية" في البلاد حسب العبارة المستخدمة في البيان. ورفضت الحكومة تلك الإنتقادات وحاولت الرد عليها باللجوء للغة الخشبية المعهودة وتعداد "المكاسب الديمقراطية" التي لا وجود لها سوى في خيال المسؤولين الحكوميين. واعتمد الرد بشكل أساسي على وصف جوانب مفصلة من الديكور التعددي في غرفتي البرلمان والفضاء الإعلامي للبرهنة على أن الحريات بخير، لكن من مازال يُصدق أن الإمتيازات الممنوحة لهؤلاء إنجاز ديمقراطي؟ لم ترد الحكومة على منتقديها في الداخل والخارج بالإعلان عن سلسلة إصلاحات سياسية وتحسين مناخ الحريات، لكي تستجيب لمطلب ملح من النخب التونسية على اختلاف أطيافها، وتتجاوب في الوقت نفسه مع المعايير التي يطالبها حلفاؤها في الإتحاد الأوروبي بتوفيرها كي تحصل على "المنزلة المتقدمة من الشراكة" التي تسعى إليها.
بهذا المعنى وضعت الحكومة نفسها في موقع حرج وظهرها إلى الجدار، فالجعجعة اللفظية عن الإنجازات الديمقراطية لا تُقنع حتى من يُؤلفون الردود. والأهم من ذلك أنها ارتضت لنفسها بموجب الإلتزامات التي أخذتها على عاتقها، خصوصا إزاء الإتحاد الأوروبي، أن تجتاز اختبارا غير هين في مجال الإصلاحات السياسية للفوز بـ"المرتبة المتقدمة". ومن هذه الزاوية لن تُجدي نفعا المكابرة والهروب إلى الأمام، فسبيل الإصلاح هو أقصر الطرق للإستجابة إلى مطالب الداخل وتحسين العلاقات مع الخارج.
نقلا عن موقع الحزب الديمقراطي التقدمي التونسي