ثورة مصر بين العاطفة والعقلانية
بقلم وائل الزرد لا أخفي فرحتي بما حدث للنظام المصري في الأيام السابقة، بل إنني أتمنى أن يصيب الأنظمة العربية مثل ما أصاب نظام مبارك، لتنتهي حالة الذل والتبعية التي يعيشها الكثير من البلاد العربية لبلاد الظلم أمريكا، التي سامت شعوبنا سوء العذاب في السودان، وأفغانستان، والعراق، ولبنان، والصومال، وفلسطين، إلى غير ذلك من البلاد التي أجبرت من قبل مُتَحَكِّمِيهَا أن تسير في فلك التيار الأمريكي الظالم . ولقد تابعنا بشكل كبير –متعِبٍ أحيانًا- الأحداث التي جرت في بلاد مصر، عبر قناة الجزيرة وغيرها، بل وبا
- 19 فبراير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بقلم وائل الزرد
لا أخفي فرحتي بما حدث للنظام المصري في الأيام السابقة، بل إنني أتمنى أن يصيب الأنظمة العربية مثل ما أصاب نظام مبارك، لتنتهي حالة الذل والتبعية التي يعيشها الكثير من البلاد العربية لبلاد الظلم أمريكا، التي سامت شعوبنا سوء العذاب في السودان، وأفغانستان، والعراق، ولبنان، والصومال، وفلسطين، إلى غير ذلك من البلاد التي أجبرت من قبل مُتَحَكِّمِيهَا أن تسير في فلك التيار الأمريكي الظالم .
ولقد تابعنا بشكل كبير –متعِبٍ أحيانًا- الأحداث التي جرت في بلاد مصر، عبر قناة الجزيرة وغيرها، بل وبالغنا في المتابعة لأن الأمر يهمنا بشكل كبير جداً، فنحن ننظر إلى سقوط النظام المصري الظالم على أنه الحلقة الأخيرة في رفع الحصار الظالم على قطاع غزة أولاً، بل سقوطه يمثل -في نظري- سقوط لمحور التبعية المذلة للغرب الظالم الذي نهب خيرات الأمة ولا زال .
وكمتابعٍ لما حدث من ثورة في بلاد مصر الحبيبة، ولأننا نرجو الخير والنفع لهذه الثورة كان لا بد أن نُسْدِيَ النصحَ لأهلها، فالنصيحة واجبةٌ [ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ]، ونصائحي لهذه الثورة على النحو التالي :
كان لا بدَّ من تثويرِ العاطفةِ وتجيشها ليقفَ أصحابُها بكل مشاعرهم أمام الطاغية الكبير والظالم المبير، فلا ثورة بلا عاطفة، ولا ثورة بلا مشاعر وأحاسيس، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يذكي العاطفة الجياشة في قلوب الصحابة متى لزم الأمر لذلك في مواقف عديدة، منها قوله للعباس [ أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ، فَقَالَ عَبَّاسٌ -وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا- فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي : أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ ؟ قَالَ : فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا : يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ] رواه مسلم 1775 ، وفي يوم بدرٍ أيضاً حين دنا المشركون قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ] ، فألقى عميرٌ بن الحمام تمرات كن في يده قائلاً -من فرط عاطفته- [ لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ ] رواه مسلم1901.
يعني هذا أن استخدام العاطفة لتحقيق المقاصد المعتبرة المرعية شرعاً وعرفاً أمر مطلوب ومشروع، ولكن الأمر الذي يجب أن ينتبه إليه أن العاطفة ليست كل شيء، فما لم توزن العواطف بالعقول فإن هذا يعني نصيباً من الهلاك، قَلَّ أو كَثُرَ، ومن هنا كان لزاماً على أبناء الثورة في مصر وغيرها أن يعووا هذا الدرس جيداً، فلا ينجروا وراء عواطفهم، ولا يوقفوا ثورتهم ومطالبهم بدافع عقلي مجرد من العاطفة، بل الأسلم والأحكم التوازن والتوأمة بين العاطفة من جانب وبين العقل من الجانب الآخر، فكلاهما لا بدَّ منه في تحقيق المطالب والوصول إلى الغايات، ومما أوثر عن شيخنا الإمام حسن البنا –رحمه الله- قوله " ألجموا نزواتِ العواطف بنظراتِ العقول، وأنيروا أشعةَ العقولِ بلهيبِ الحماسة".
فالمطلوب من شباب الثورة –بعد أن ثارت عاطفتهم- أن يضبطوا عواطفهم الآن بالعقل، فلا حماسة بلا كياسة، وإلا ضللنا سواء السبيل، وذهب ما كنا نرجوه من وراء كل ما قدمناه في الثورة المباركة، ولذا ما زُرِعَ بالعاطفة لا يُجْنَى إلا بالعقل، وما وصلنا إليه بدماء العواطف لا نحقق مراده إلا بنظرات العقول .
ولقد رأينا لشباب الثورة الكثير من المطالب، التي طالبوا بها المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة، الذي آب إليه أمر إدارة مصر حتى تشكيل حكومة والتحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية، وهذه المطالب الكريمة الكبيرة تدل –حقيقةً- على علو كعب الشباب وعظيم فقههم لما هم قادمون عليه، وإن كان من نصائح فيما طلبوا فإنني أقول وبالله التوفيق :
· هناك مطالب فورية : لا يحقُّ لشباب الثورة التنازل عنها أو الرضا بتأجيلها وتأخير العمل بها، ومنها :
1. إخلاء السجون من المعتقلين السياسيين.
2. إلغاء حالة الطوارئ.
3. كسر الحصار المفروض على غزة، ولو كان بغير إعلام.
4. إخراج المفسدين السابقين من دائرة العمل الحكومي.
5. السماح للناس بالتعبير عن حرياتهم، من خلال تشكيل أحزاب وغيره.
6. التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة، عبر مدة زمنية معقولة.
· وهناك مطالب –يُحْتَمَلُ تأجيلُها- وفق مبدأ العمل بالأهم العاجل، وتأخير العمل بالمهم الآجل، وذلك لأنَّ فساد أكثر من 50 سنة لا يمكن إصلاحه في يوم وليلة، وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم لم يصلح مكة والمدينة إلا في سنوات طوال، وقد بقي فيهما ما بقي من سارقٍ قُطِعَت يدُه، وزانٍ رُجِمَ الحَد، وقاذفٍ جُلِدَ ظهرُه، وشاربِ خمرٍ جُلِدَ الأربعين، وقاطعِ طريقٍ مفسدٍ سُمِّلْت عيناه جزاءَ ما فعل، وكُلُّ هذا قد حدث والنبيُّ صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، والوحي يتنزل عليهم غضاً طرياً، فالإصلاح المجتمعي يحتاج لوقت طويل، يُعَدُّ بالسنوات لا بالشهور والأيام، وبلدٌ كمصر ليست من البلاد الصغيرة، فهي أكثر من 80 مليون شخصٍ، قد مورست عليهم تجارب التجهيل والتدمير على كل المستويات، وهم بحاجة لمن يأخذ بأيديهم ويصبر عليهم سنوات طوال .
ومن هذه المطالب التي يحتمل تأجيلها –وهي مهمة يجب تنفيذُها بعد حينٍ- :
1. إنهاء حالة الفساد المستشري في الدولة على المستوى الأخلاقي، فإنه لا ينتهي بعصا موسى ولا بخاتم سليمان، ولكنه بحاجة لتضافر الجهود .
2. محاسبة المفسدين جميعاً، وملاحقتهم قانونياً وعرفياً، هذا معناه أن يفتح بابٌ لا يُغلقُ على شعب مصر، ولا يعني هذا تركهم البتة، وإنما تأجيل فتح مثل هذا الملف إلى حين.
3. انتشار القمار والمخدرات، لا ينتهي بلمح البصر، ولكنه بحاجة إلى كثير وقت ليوضع له حدٌّ شرعي واقعي، يعتمد التدرج في الحلول والعلاجات.
وختاماً :
أحب أن أقول في النهاية : أهل مصر أدرى بشعابهم وشبعهم، وما دفعني للحديث والكتابة في هذه الموضوع إلا الحرص –والله يشهد- على أن تؤتي ثورة الشباب أكلها، وتنتج ثمارها، فإن كان فيما قلت الحق فالأجران حاصلان، وإن كانت الثانية فلن أُحرم من الأجر الواحد، وفي كل خير، وإن كنت أعتقد أنَّ ما دمرته آلة الظلم عبر سنوات لا يمكن أن يعاد بناؤه في أيامٍ عَجِلَةٍ.
والحمـــــد لله رب العـــالمـــــــــــين.