ثورة سوريا تخلق فزّاعة جديدة اسمها.. "الهلال الإخواني"؟!
تدخُـل الثورة السورية يوماً بيوم بصورة أكبر على خط المشهد الأردني، لتبدو وكأنّها مسألة داخلية وليست خارجية، بين بيان يوقِّـعه عشرات القوميين واليساريين من أنصار النظام السوري في عمّـان، يُـعلِـنون فيه وقُـوفهم معه "ضدّ المؤامرة" الدولية لتفكيك سوريا.. .. وفي مقابله اعتصامات لآلاف الأشخاص، وعشرات المقالات والبيانات وقِـوى إسلامية وليبرالية، تقف مع الشعب السوري
- 11 أغسطس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تدخُـل الثورة السورية يوماً بيوم بصورة أكبر على خط المشهد الأردني، لتبدو وكأنّها مسألة داخلية وليست خارجية، بين بيان يوقِّـعه عشرات القوميين واليساريين من أنصار النظام السوري في عمّـان، يُـعلِـنون فيه وقُـوفهم معه "ضدّ المؤامرة" الدولية لتفكيك سوريا..
.. وفي مقابله اعتصامات لآلاف الأشخاص، وعشرات المقالات والبيانات وقِـوى إسلامية وليبرالية، تقف مع الشعب السوري ضدّ النظام هناك وما يرتكِـبه من أعمال ضدّ المدنيين والمتظاهرين.
بالرّغم من الصّـوت المُـرتفع والبيانات المُـتتالية التي يطرّزها أنصار النِّـظام السوري من البعثيين والقوميين وبعض الكتّـاب والصحفيين لدعمه، إلاّ أنّ انحياز الأغلبية الشعبية في الأردن للثورة، لا تحتاج إلى نِـقاش واسع.
ففي مقابل العشرات، المحسوبين تقليدياً على النظام السوري، خرج آلاف الأردنيين في اعتِـصام أمام السفارة السورية في عمّـان، احتجاجاً على المجازر والحِـصار ضد مدينة حماه وبعدها المئات في مدينة إربد وقبلها في مدينة السلط، فيما يُـبرِز الإعلام عموماً مزاجاً شعبياً مُـتعاطفاً مع الثورة وساخِـطاً على النظام هناك، وهو ما انعكَـس حتى على حُـلفائه الإقليميين، إيران وحزب الله والداخليين من أنصار التيار القومي وبعض اليساريين.
فيما أشارت بعض المواقِـع الإعلامية الإلكترونية إلى انتشار "الدّعاء في المساجد" في شهر رمضان وأيام الجمْـع للثورة السورية ضدّ النظام هناك، ما يعكِـس حجم التعاطف الشعبي مع ما يحدُث للمدنيين هناك.
قراءات مُـتضاربة: مؤامرة أم ثورة سِـلمية!
سُـخونة الحدَث السوري في عمّـان لا تقف عند حدود التّـعاطف مع الشعب أو الوقوف مع النظام هناك، وإنْ كان المحرّك لأغلب العواطف الشعبية، هي المشاهد الدَّموية للقمْـع هناك. فهنالك أيضاً رِهانات مُـتضاربة على الثورة وتداعياتها الداخلية والإقليمية.
أنصار حزب البعْـث السوري ومؤيِّـدوه يتحدّثون عن مخطَّـط لصفْـقة جديدة بين الإخوان المسلمين والولايات المتحدة الأمريكية، بوساطة حزب رجب طيب أردوغان في تركيا، يُـراد لهذه الصفقة أن ترسّـم النظام العربي الجديد على أنقاض الحالي، وهو ما سيؤدِّي إلى تفكيك المنطقة.
في بياناتهم، يُـصرّ أنصار النظام السوري في عمّـان، على أنّ ما يحدُث هو "مؤامرة" ضدّ الوحدة السورية لتفكيك الدولة، التي تمثّـل الخَـندق العربي الأخير في "ممانعة المشروع الصهيو- أمريكي"، ويروْن أنّ مِـن حقّ الدولة أن تُـدافع عن نفسها ضد العِـصابات المسلّحة التي تختبِـئ وراء الجماهير وتحرِّكها باستغلال "إعلام أمريكي" (المقصود هنا فضائية الجزيرة) ومصطلحات رنّـانة، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، على حدِّ تعبير بيان هؤلاء.
في المقابل، فإنّ الكتّـاب والسياسيين والحقوقيين والإسلاميين والليبراليين، يروْن فيما يحدُث في سوريا إرادة التحرّر والحرية والثورة لدى الشعب أمام نظام يستخدِم كل أدوات ووسائل التعذيب والقتْـل والإضْـطهاد، لقمْـع هذه المطالب.
ووِفقا لبيان "الحملة الشعبية الأردنية لنُـصرة الثورة السورية"، وهي حملة تضُـم مئات المثقَّـفين والفنّـانين والإعلاميين، فإنّ الثورة السورية لا تختلِـف عن الثورتيْـن، المصرية والتونسية، ولا يجوزُ الإختباء وراء "الدِّعايات السياسية" لتأييد نظامٍ "أيْـدِيه ملطَّـخة بدماء الأطفال والنساء والمدنيِّـين".
تغطس وراء هذه الحجج المعلنة والخطابات الإعلامية، رهانات أخرى. فالقوميون يروْن في سقوط النظام السوري خسارة كبيرة لهم. فهو آخر الأنظمة القومية و"الإشتراكية" في العالم العربي، ما يُـمثِّـل مؤشِّـراً كبيراً على أُفُـول هذا التيار وصعود التيارات الإسلامية، التي تحظى بالحضور الطَّـاغي في الشارع.
أمّا التيار الإسلامي والإصلاحيون في الأردن، فيروْن في نجاح الثورة السورية نُـقطة انطلاق جديدة لاستئناف الثورات الديمقراطية العربية، بعدما تسمّـرت قليلاً عند أبواب طرابلس وصنعاء، بسبب مُـمانعة وإصرار هذين النظامين على عدم الوصول إلى السِّـيناريو المصري والتونسي.
ففي حال نجَـحت الثورة السورية، فإنّ دمشق تُـمثِّـل تقليدياً إحدى العواصم العربية المهمّـة والمؤثرة، فسيكون النظام الرسمي العربي الحالي أمام مطرقة جديدة للقضاء عليه، وولادة أنظمة جديدة مختلفة عن الحالية، سيكون للإسلاميين فيها دورٌ أكبر، بعدما عانَـوْا كثيراً من الأنظمة الحالية.
الرِّهانات الخفية والغموض الرسمي
عمّـان ستكون في مقدِّمة العواصم العربية التي تتأثر بتداعيات الحدَث السوري، إمّا إيجاباً أو سلباً. فالإسلاميون والإصلاحيون يروْن في نجاح الثورة عامِـلاً معزّزاً لمطالبهم بـ "رفع سقْـف الإصلاح السياسي"، بل والمُـضي في مطالبَ أكثر تحت وطْـأة التأثير الكبير لسوريا الجديدة، التي سيكون للإخوان دورٌ كبير فيها.
على الطّـرف المقابل تماماً، يقف جزء كبير من "التيار المحافِـظ". فبالرغم من مشاعِـره المُـعادية للنظام السوري وسياساته الإقليمية وعلاقته بالأردن، فإنّ هذا التيار يرى أنّ نجاح الثورة السورية سيخلق "الهلال الإخواني" في المنطقة، بين مصر والأردن وسوريا، بالإضافة إلى حركة حماس، وسيكون حجَـر الرّحى بانتصار المشروع الإسلامي الحركي الجديد، وهو ما سيُـضعف "النظام" في مواجهة "الجماعة".
ويُـشير أنصار هذا التيار، الذين لا يتحدَّثون علَـناً في الإعلام، لكنهم مؤثِّـرون في بناء المَـزاج الرّسمي، إلى موقف إخوان الأردن ومصر، الذين اضطَـروا إلى "التَّـضحية" بمصالح حركة حماس واحتضان النظام السوري لها، لصالح "الجائزة الكُـبرى" السورية، التي تُـعيد هيْـكلة موازين القوى والحسابات السياسية في المنطقة العربية بصورة كبيرة.
في مقابل القِـراءات المُـعلنة والرِّهانات الخفِـية والسِّـجالات الساخنة، يبدو الموقِـف الرسمي غامضاً تماماً تُـجاه الأوضاع في دمشق، إذ لم يصدُر أي تصريح رسمي أو إيحاء وتلميح لِـما يحدث في سوريا.
باسم الطويسي، أستاذ الإعلام والإتصال بجامعة الحسين قراءة "مطبخ القرار": خيار تجاوزته الأحداث
في البداية، شعر "مطبخ القَـرار" في عمَّـان بالقلق من تسريبات وتلميحات سورية تتَّـهم الأردن بدعم وتدريب الثوار السوريين وبتهريب السلاح لهم عبْـر الحدود الشمالية للبلاد، في ظل وجود علاقات قَـرابة وتواصُـل بين سكّـان درعا (الحدود الجنوبية السورية) ومُـدن الشمال الأردنية.
هذه التَّـلميحات تحوّلت إلى تصريحات في الجلسات المُـغلقة، وِفق ما رَواه مسؤول أردني بارِز لـ swissinfo.ch زار دمشق في بداية الأزمة وسمع من مسؤولين سوريين اتِّـهامات صريحة للأردن بدعْـم الثوار، مُـستذكرين (المسؤولين السوريين) إيواء الأردن للفارِّين من مذبحة حماه السورية من جماعة الإخوان المسلمين عام 1982.
الإشارات الأولى للموقِـف الرسمي الأردني، تمثّلت في إرسال الملِـك برسائل للرّئيس الأسد عبْـر كبار المسؤولين، تنصحه بالقيام بإصلاحات تسبق اتِّـساع حجْـم الاحتجاجات الشعبية، تحتوي الضغوط المختلفة، كما هو الحال في الأردن، وهو ما يرى مراقبون أن الأسد قد استجاب لها عبْـر تشكيل لجنة الحِـوار الوطني وهيئة مكافحة الفساد واللقاء مع المواطنين، في استِـنساخ للخطوات الأردنية في المسار الإصلاحي.
الدبلوماسية الأردنية تحرّكت أيضاً في محاولة لتخفيف الضغط على النظام وطرح سيناريو الإصلاح، بدلاً من السقوط، حتى لا نجد أنفسنا أمام "ليبيا 2"، على حدِّ تعبير مسؤول أردني لـ swissinfo.ch، رفض ذِكر اسمه، وهو ما منحه الملِـك الأردني أولوية في لقائه الأخير مع الرئيس الأمريكي أوباما. إلاّ أنّ مسؤولين أردنيين يؤكِّـدون، لـ swissinfo.ch، أنّ مواقِـف البيت الأبيض الحادّة من سوريا، لا تشعر بالثقة تُـجاه النظام الحالي.
ربما تكون هذه الخُـطوات الوحيدة التي تستبطِـن موقِـفاً رسمياً أردنياً، ملمحه الرئيس "دفع الرئيس بشار للإصلاح السياسي وتغيير سياساته، خوفاً من سقوط النظام والفوضى أو الحرب الأهلية".
هذا الرِّهان الرسمي (على أعلى المستويات)، تجاوزه الوقت اليوم ولم يعُـد ممكناً مع وصول المعركة داخل سوريا إلى مرحلة الحسْـم وكسْـر العظم وارتفاع منسوب الضغوط الخارجية تُـجاه النظام، وهو ما دفع بالخطاب الرسمي، على الأقل إعلامياً، إلى مجاراة الشارع في نقْـد مبطّـن للمجازر، عبْـر التغطية الإعلامية، التي "تسميّ الأمور بمُـسمّـياتها"، كما يلاحظ د. باسم الطويسي، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة الحسين بتصريحاته لـ swissinfo.ch..
ويلخِّـص الطويسي حالة الغموض، فيما يسميه بالإدْراك الرسمي، بالقول "الإدراك الرسمي للأزمة السورية، ينمو ببُـطء وحذر. ورغم الدبلوماسية الرسمية التي سلكت طريق تطمين النظام السوري، نلاحظ كيف تحوّلت بعض مُـفردات الخطاب الإعلامي الرسمي في تغطِـية أحداث الأسابيع الأخيرة مع ازدياد القمْـع الرسمي وبُـلوغه درجة من الإفراط في استخدام القوّة، نحو وصْـف الوقائع بمُـسمّـياتها، التي تبدو قاسِـية على مسامِـع النظام في دمشق".
وبصورة مغايِـرة لحديث التيار المحافظ من مخاوف "دومينو الديمقراطية"، فإنّ الطويسي يرى أنّ إقامة نظام ديمقراطي مستقِـر على حدود الأردن الشمالية، يخدم المصالح الأردنية بصورة أفضَـل، وتحديداً المسار الديمقراطي الأردني على قاعدة "إنّ صفاً من الديمقراطيات المتلاصِـقة، أكثر ضمانة للإستقرار والتنمية".
في المقابل، لا ينكر الطويسي وجود سيناريوهات أخرى مُـقلقة لمطبخ القرار ولما يُـسميه بـ "الكتلة الصامتة الكبيرة"، مع ازدياد نُـذر "التدخُّـل الخارجي واحتمال موجات من اللاجئين ووصمة شبح النموذج الليبي".