تونس: كيف سيكون المشهد بعد الانتخابات؟
صلاح الجورشي 2009-11-01 انتهت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في تونس بتجديد العهدة للرئيس بن علي وسيطرة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم على أغلبية مقاعد البرلمان، وبقطع النظر عن الجدل الذي واكب هذه الانتخابات، والذي بلغ أقصى درجات حدته بعد الإعلان عن نتائجها، فإن المهم حالياً في تونس هو الحديث عن المستقبل، وليس الاستمرار في مناقشة حدث أصبح جزءاً من الماضي. بالنسبة للمستقبل، فهو ينقسم إلى قسمين. يتعلق الجزء الأول بالحكم، وذلك بمحاولة استقراء ما الذي يمكن أن تفعله السلطة خلال السنوات الخمس ا
- 2 نوفمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
صلاح الجورشي
2009-11-01
انتهت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في تونس بتجديد العهدة للرئيس بن علي وسيطرة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم على أغلبية مقاعد البرلمان، وبقطع النظر عن الجدل الذي واكب هذه الانتخابات، والذي بلغ أقصى درجات حدته بعد الإعلان عن نتائجها، فإن المهم حالياً في تونس هو الحديث عن المستقبل، وليس الاستمرار في مناقشة حدث أصبح جزءاً من الماضي.
بالنسبة للمستقبل، فهو ينقسم إلى قسمين. يتعلق الجزء الأول بالحكم، وذلك بمحاولة استقراء ما الذي يمكن أن تفعله السلطة خلال السنوات الخمس القادمة: هل ستستمر الحياة السياسية كما هي عليه منذ فترة طويلة، أم أن هناك احتمالا لإدخال تغيير على أسلوب إدارة الشأن العام، وبالتالي محاولة تغيير المشهد السياسي؟
أما القسم الثاني، فيخص المعارضة التي وجدت نفسها مرة أخرى ضعيفة ومهمشة، لا تملك خطة مشتركة، ولا تقدر على بناء جبهة سياسية فاعلة، هل أن هذه المعارضة ستكون قادرة خلال السنوات القادمة على الاستفادة من تجارب فشلها المتكررة، أم أنها ستبقى تلعن الظلام إلى أبد الآبدين؟ وهو ما قد نعود إليه في مقال مستقل.
بالنسبة للحزب الحاكم، فهو لا يزال معبأ للدفاع عن انتصاره الساحق على خصومه ومنافسيه، يدافع عن شرعية النتائج، ويرفض بشدة كل من يطعن في صحتها أو يشكك في ديمقراطيتها، لكنه -بعد أن تستعيد الأوضاع نسقها الطبيعي- سيجد نفسه مطالبا بتصحيح أو لنقل ترميم ما أفسدته الأجواء الانتخابية، خاصة في وسائل الإعلام الأجنبية وفي مقدمتها الفرنسية.
يفترض أن تتميز الولاية الخامسة الجديدة للرئيس بن علي عن الولايات السابقة بقرارات سياسية مهمة على الصعيد السياسي، هذا على الأقل ما تأمله أطراف عديدة داخلية وخارجية، فالمرحلة السابقة خلّفت وراءها ملفات معلقة لا تزال تنتظر الضوء الأخضر من قصر قرطاج لتتم تسويتها في أقرب الآجال، ومن هذه الملفات التي طال أجلها ملف (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) التي تنتظر قرارا سياسيا بالسماح لها بعقد مؤتمرها السادس في أجواء تسمح لها بحماية استقلاليتها، وبإعادة تفعيل علاقاتها بالسلطة حتى تتمكن من القيام بدورها، وقد تلقت قيادة الرابطة قبل انطلاق الحملة الانتخابية إشارة مشجعة، تفاعلت معها الهيئة المديرة بشكل إيجابي، حيث بدأ حوار مع بعض الأعضاء الرابطيين الذين سبق لهم أن استصدروا أحكاما قضائية لمنع الجمعية العمومية للرابطة من الانعقاد. ويحدو الرابطيين أمل في أن تشهد الأيام والأسابيع القادمة محادثات مباشرة مع جهات مسؤولة لرفع مختلف العراقيل الأمنية والإدارية والقضائية المكبلة لنشاط الرابطة.
يتعلق الملف الثاني بنقابة الصحافيين التونسيين، التي تعرضت في الخامس عشر من شهر أغسطس إلى هزة عنيفة بسبب المؤتمر الاستثنائي الذي أنجزه شق من الصحافيين القريبين من السلطة، وهو المؤتمر الذي لم تعترف بنتائجه القيادة الشرعية للنقابة، إلى جانب عدد واسع من الجمعيات والأحزاب التونسية، وكذلك مختلف المنظمات الدولية ذات المصداقية في مجال الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير. لقد أعاد هذا المؤتمر طرح ملف حرية الصحافة في تونس على طاولة البحث من جديد داخل تونس وخارجها. والمطلوب في هذا الشأن إعطاء الضوء الأخضر لعقد مؤتمر تصالحي، يعيد للجسم الإعلامي وحدته، ويفتح المجال أمام مراجعة جدية للسياسة الإعلامية في اتجاه رفع سقف حرية التعبير.
أما الملف الثالث، فيخص كيفية التعامل مع أحزاب المعارضة، وهو ملف معقد في تونس، والمقصود في هذا السياق الأحزاب التي بقيت خارج قبة البرلمان، فبعض هذه الأحزاب لا يزال ممنوعا من تأشيرة الاعتراف القانوني، وبعضها الآخر لا يزال محروما من الدعم المالي الرسمي، ويواجهه العديد من الصعوبات الهيكلية، ولا يعرف إلى حد الآن ما إن كانت السلطة تنوي تسوية أوضاع هذه الأحزاب أو جزء منها على الأقل، أم أنها تعتبر أن نادي الأحزاب القانونية قد اكتمل فيه النصاب، ولم يعد يحتمل المزيد من الأعضاء، لكن من جهة أخرى، فإن الاستمرار في تهميش بقية هذه الأطراف السياسية لم يكن في صالح نظام الحكم، صحيح أنها غير مؤثرة في مجرى الأحداث، لكنها على الصعيد الرمزي بقيت قادرة على إحراج السلطة داخليا وخارجيا.
هذه ثلاثة ملفات في حاجة لقرارات سريعة، ولعل الذكرى القادمة لتسلُّم الرئيس بن علي الحكم في البلاد، ستعطي المؤشر الفعلي لمستقبل التوجهات السياسية للنظام خلال المرحلة القادمة، وهو مؤشر لن يخرج عن احتمالين: إما التشدد تجاه المعارضين الذين اتهمتهم مؤخرا العديد من الصحف المحلية بـ خيانة الوطن، وإما التأشير على انفتاح قد يكون محدودا، لكن من شأنه أن يسمح بقدر من الحراك السياسي الذي تحتاجه تونس، خاصة خلال السنوات الحاسمة القادمة.