نصوص وبالرغم من أن سقوط الرئيس وهروبه من البلاد دفع أركان النظام إلى محاولة احتواء الثورة الشعبية وإبقاء الأوضاع على ما هي عليها، فإن الشارع التونسي لم يزل يقظاً ونشطاً في سعيه إلى تحقيق التحول الديمقراطي. في أصل الثورة الشعبية التونسية ثمة انكشاف غير مسبوق لأنظمة غير مسبوقة في العالم العربي، أنظمة اقتصاد السوق المعززة بالقمع الأمني، وسيطرة الحزب الواحد، الذي لا يحمل من الحزب السياسي سوى اسمه، وشبكات فساد النخب الحاكمة ذات الامتداد الغربي.
ولكن حتى نهاية السبعينات، لم يكن الليبراليون الجدد قد نجحوا في احتلال أي من المواقع النافذة في دوائر صنع القرار السياسي والاقتصادي في الدول الغربية، ولا حتى في جذب عدد كاف من السياسيين الغربيين النافذين إلى معسكرهم. لأكثر من عقدين، ظلت الإطروحة الليبرالية الجديدة محصورة في منتديات الفكر الغربية، في مراكز أبحاث السياسة والاقتصاد الليبرالية، وفي بعض الدوائر الأكاديمية. بالنسبة للتيار السياسي والاقتصادي الغربي العام، سواء في دوائر التعليم الجامعي أو في حقل العمل السياسي، نظر إلى الليبراليين الجدد باعتبارهم تجلياً راديكالياً، وخطراً، لليمين.
خلال عقد الثمانينات، وفر الاقتصاديون وعلماء السياسية الليبراليون الجدد التسويغ الأيديولوجي للحرب الشعواء ضد سيطرة النقابات العمالية في بريطانيا والولايات المتحدة والأرجنتين، ولسياسات الخصخصة واسعة النطاق، التي أصبحت المحرك الرئيسي، ومركز برامج، عدد متزايد من الحكومات الأوروبية. ولأن الثمانينات انتهت بانهيار الكتلة الشيوعية، ومن ثم انفجار الاتحاد السوفياتي من الداخل، ولد ارتباط وهمي وخادع بين الانحسار الشيوعي وبين الأطروحة الليبرالية الجديدة. إن كان النموذج الاشتراكي قد فشل، فلا بد أن تكون الليبرالية الجديدة على حق. وبذلك تحولت الليبرالية الجديدة إلى عقيدة جديدة، ليس للغرب المنتصر وحسب، ولكن لأصدقائه وحلفائه المتزايدين عبر العالم كذلك، عقيدة صماء، لا تقبل النقد ولا التعامل مع الواقع، حتى بعد أن بدأت شعوب الدول الشيوعية السابقة تعاني من الجوع والفاقة، بينما مقدراتها الصناعية والخدماتية تسيطر عليها حفنة من رجال الأعمال الجدد المتحالفة مع القوى الرأسمالية الغربية النافذة.
لم يعد خافياً، على سبيل المثال، أن أسرتين تسيطران سيطرة شبه كاملة على الاقتصاد التونسي، أسرة الرئيس، وأسرة زوجة الرئيس. في الجزائر، وزعت المصالح الاقتصادية والمالية حصصاً على جنرالات الجيش وبعض كبار رجال الدولة، حتى أن بعضاً من أبرز حوادث الحرب الأهلية الدامية لم تكن في جوهرها سوى حوادث مدبرة لتقرير مصير قطعة أرض ما، أو مصير مشروع استثماري ما. ولأن الاقتصاد المصري أكبر في شكل ملموس من اقتصاد دول مثل تونس والجزائر، فقد ولدت طبقة جديدة من رجال الأعمال الذين بنوا، وما يزالون ينمون ثرواتهم، بفعل علاقاتهم الطفيلية بنظام الحكم، وليس بفعل إبداع وكدح ومثابرة الطبقة الوسطى. ولا تكاد دولة عربية واحدة أن تفلت من ظاهرة تحكم الأقلية بالثروة ومصادرها، سواء المصادر الداخلية الأصلية التي خضعت لسياسات الخصخصة واقتصاد السوق، أو تلك التي ولدتها وكالات الشركات الأجنبية التي فتحت أمامها الأسواق الوطنية بعد رفع قيود الحماية. وما أن أطل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حتى كان التلازم بين الثروة والنظام الاقتصادي الجديد يتكرس في تطور غير مسبوق، لتتحول الأقلية الصاعدة من رجال المال والأعمال إلى شريك فعلي في نظام الحكم، ولتجتمع الثروة وأداة الدولة في يد فئة اجتماعية صغير ومحدودة للمرة الأولى في التاريخ العربي الحديث.
ولكن بن علي في الآن نفسه فتح تونس لحركة السوق العالمية، وطبق برنامجاً من التنمية المستندة إلى القروض الهائلة، مقارنة بحجم الدخل القومي، التي وفرتها له المنظمات المالية العالمية والبنوك الغربية. وأصبح من الشائع سماع الإشادة الغربية الصارخة بنموذج التنمية التونسي، وبحجم دخل الفرد في تونس، مقارنة بدول العالم الثالث الأخرى. الحقيقة، بالطبع، أن البلاد كانت تئن تحت ثقل الدين الخارجي، وأن النمو الاقتصادي التونسي لم يفد سوى الحفنة الصغيرة من كبار المفسدين من عائلة الرئيس والملتفين حوله.
لم تقل أرقام البنك الدولي وصندوق النقد، والكتاب العرب الذين ابتلعوا هذه الأرقام بلا تبصر، أن الدخل الوحيد الذين أخذ في النمو، وفي النمو بمعدلات غير قابلة للحساب، كان دخل القلة الفاسدة من النخبة الحاكمة.
' كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث
تونس: سقوط الاقتصاد النيوليبرالي المعزز بالقمع:د. بشير موسى نافع
لأربعة أسابيع على التوالي، خرج الشعب التونسي متحدياً أحد أعتى أنظمة القمع والاستبداد في البلاد العربية. ويقدم العدد المتزايد يومياً لقتلى الثورة الشعبية التونسية دليلاً واضحاً على عزم الشعب التونسي على خوض النزال إلى نهايته، على انكسار جدار الخوف الذي أقامه نظام الحكم منذ انقلاب القصر الذي جاء بالرئيس بن علي إلى السلطة في 1987، وعلى عجز النظام عن تقدير حجم الأزمة التي تمر بها البلاد. وبالرغم من أن سقوط الرئيس وهروبه من البلاد دفع أركان النظام إلى محاولة احتواء الثورة الشعبية وإبقاء الأوضاع على م
- 20 يناير 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0