تونس بين معجزات السياسة و عجز الإقتصاد
سنة بالتمام و الكمال انقضت على انطلاق الشرارة الأولى لثورة تونس الشعبية و السلمية تحققت خلالها إنجازات تاريخية عظيمة بدئت بخلع دكتاتور عاتي ثم بإسقاط حكومته و العديد من رموزه و مراكز القوى المحيطة به و تصدت لقوى مضادة حتى انتصرت عليها وفرضت المجلس التأسيسي لتقطع مع الماضي ثم أنجزته بانتخابات حرة وشفافة منقطعة النظير لتتمكن البلاد من إرساء مؤسساتها الشرعية. هذه الثورة أنجزت الكثير في زمن قايسي مقارنة بكل الثورات الشعبية التي عرفها التاريخ و مقارنة حتى بأخواتها العربية التي سارت على دربها و اتخذته
- 18 ديسمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
سنة بالتمام و الكمال انقضت على انطلاق الشرارة الأولى لثورة تونس الشعبية و السلمية تحققت خلالها إنجازات تاريخية عظيمة بدئت بخلع دكتاتور عاتي ثم بإسقاط حكومته و العديد من رموزه و مراكز القوى المحيطة به و تصدت لقوى مضادة حتى انتصرت عليها وفرضت المجلس التأسيسي لتقطع مع الماضي ثم أنجزته بانتخابات حرة وشفافة منقطعة النظير لتتمكن البلاد من إرساء مؤسساتها الشرعية.
هذه الثورة أنجزت الكثير في زمن قايسي مقارنة بكل الثورات الشعبية التي عرفها التاريخ و مقارنة حتى بأخواتها العربية التي سارت على دربها و اتخذتها نموذجا وهي بذلك مفخرة لكل التونسيين والعرب الوطنيين ولكل الشعوب التواقة إلى الحرية فهل بلغت كما وصفها رئيس تونس الجديد حد المعجزة التونسية؟
نعتقد بأن المعجزة التونسية ستتحقق بقدر ما تحقق الثورة أهدافها التي قامت من أجلها وفي مقدمتها تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال الحد من البطالة والتنمية المتوازية بين الجهات وهي مشاكل عويصة تفاقمت زمن المخلوع واستفحلت بعد الثورة حتى أصبحت البلاد تعاني عجزا اقتصاديا خطيرا حسب وصف محافظ البنك المركزي و العديد من رجالات الاقتصاد.
لا نشك في أن حكام تونس الجدد وعلى رأسهم رئيسها شاعرين بخطورة الوضع الاقتصادي ويعملون جاهدين على انتشاله مما تردى فيه وهو يرسلون في ذلك رسائل طمأنة إلى الشعب مفادها أنهم أعدوا خططا عاجلة و أجلة لمعالجة الملف الاقتصادي.
الرئيس المنصف المروزقي طلب من المطالبين بتحسين أوضاعهم ومن كافة الشعب إمهال السياسيين ستة أشهر ينجزون فيها ما أعدوه ثم محاسبتهم على ما فعلوا و هي مهلة وجيزة جدا لرفع تحديات البطالة و غلاء المعيشة و الفقر المنتشر في البلاد يصعب تصديقها خارج إطار المعجزة التونسية التي يتحدث عنها.
يبدو أن السياسيين الجدد يراهنون في معالجتهم للملف الاقتصادي على بعض الدول الشقيقة
والصديقة وقد ألمح رئيس الدولة إلى ذلك في إحدى مقابلته التلفزية وهي حلول قد تبدو غير دقيقة وفضفاضة تنتابنا إزائها بعض الشكوك و المخاوف فالتعويل على الدول الصديقة و الشقيقة في ماذا ، هل ستمنحنا أموالا صدقة أو هبة نعطيها للمعطلين و المعوزين أو نستثمرها في توفير موارد الشغل أم بمقابل و مقابل ماذا؟ أم ستمنحنا قروضا بفوائض تفاقم المديونية التي أغرقنا فيها نظام المخلوع؟ ثم من هي الدول الشقيقة و الصديقة؟
الدول التي يصنفها السياسيون في تونس بالصديقة هي الدول الغربية والأوروبية بالأساس وهي تعاني حاليا من أزمة مالية خانقة تجبرها على فرض سياسات التقشف على شعوبها و حتى في الأوضاع الاقتصادية الطبيعية لم تساعد تونس ولا نتصور أن تساعدها في المستقبل دون أن تفرض عليها سياسة الهيمنة و التبعية التي طالبت الثورة بإنهائها فهذه الدول تحدد علاقاتها طبق مصالحها السياسية و هي تختلف في جوهرها مع مصالحنا،أما إذا كان المقصود بالدول الصديقة دول شرق أسيا و بعض الدول أمريكا اللاتينية الصاعدة اقتصاديا فإن صداقتنا معها تحتاج إلى مزيد من العمل و الجهد قد لا يتحقق خلال الستة أشهر التي حددها رئيس الدولة.
الدول التي تصنف عادة بالشقيقة هي أساسا الدول العربية و بعض الدول الإسلامية وهي حسب رأينا فعلا امتداد طبيعي لتونس في عديد المجالات ، رئيس الدولة خص بالذكر جيرتي تونس وذكر أنه سيبدأ قريبا بزيارة ليبيا للغرض وهو في اعتقادنا خيار صحيح لا بد من تفعيله في المستقبل ولكن نخشى أن الظروف في ليبيا لم تجهز بعد وقد تستغرق مدة طويلة للاستقرار و تحديد خيارات المستقبل كما ألمح الرئيس إلى بعض الدول الخليجية دون أن يسميها أو يبين كيف ستساعد تونس ولا شك أن المقصود منها هي تلك الدول الغنية بالنفط و الغاز وقد تردد اسم أحدها كثيرا على ألسنة المتابعين لثورة تونس و بقية الثورات العربية، الدول الخليجية أيضا و منها تلك الدولة وبرغم ما يجمعنا بها من روابط لا نعتقد أنها ستغدق علينا المال بدون مقابل وإلا لكانت أغدقنه قبل ذلك على أخوتنا الفلسطينيين المحاصرين في غزة و خارجها وخاصة في المخيمات الفلسطينية البائسة و الموجود بعضها في الخليج.
خلاصة القول أننا نخشى على مستقبلنا من الوعود التي قد لا تتحقق و من المراهنة على المستقبل بعقيلة الماضي ونطلب من السياسيين الجدد مجابهة مشاكل الواقع بحلول واقعية و البدء بإصلاح الداخل من خلال إتباع سياسة ربط الأحزمة و التقشف في المال العام واسترداد ما نهب منه و تشجيع الاستثمار الوطني والحذر من التدخل الخارجي فالمعجزة لا تتحقق إلا بالتعويل على الذات أولا ثم بتحديد العلاقات الخارجية حسب المصلحة الوطنية كما رسمتها أهداف الثورة ثانيا وهي مهمة قد تبدو صعبة و لكنها ليست مستحيلة ولو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لنالت بالعمل و ليس بالمعجزات ولا نشك في أن رئيس تونس الجديد خير مدرك لهذه العبرة.
د.محمد عبد الحكيم كرشيد