نصوص

تونس:الجامعيّون:العقل المفكر .. لكن بالغياب.. بقلم : صالح عطيّة

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} الجامعيّون:"العقل ا

0
18 أبريل 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

الجامعيّون:"العقل المفكر" .. لكن بالغياب..

 

بقلم : صالح عطيّة

قد لا نبالغ إذا ما قلنا أن العشريّة الماضية كانت عشريّة الجامعيين بكل معنى الكلمة..

خلال السنوات العشر الماضية اختلف الجامعيون فيما بينهم ، تفرقوا إلى "حزبيات نقابية" ، بعضها ركب صهوة السياسة وائتمر بأوامر وزارة الإشراف ، والبعض الآخر اختار أن يبقى في ظل المنظمة النقابية ..وبين النضال النقابي والتحرك "السياسوي"، هوة عميقة لم يكن بالإمكان ردمها إلا عبر المرور إلى القضاء ..وهكذا انتهت الخلافات بين الطرفين إلى باب بنات.

ومن صدف الأمور – ربما – أن وزير العدل الذي شهد وصول الملف إلى أروقة المحاكم، هو ذاته الذي يشهد نهاية الملف عندما انتقل إلى وزارة التعليم العالي ، ونعني هنا السيد البشير التكاري، الذي استعاد ملف الجامعيين معه، وبسرعة عجيبة ، موقعه الطبيعي كملف نقابي ، يديره ممثل واحد للجامعيين يحمل رؤية وتصورا بل حتى منهجية عمل واضحة وذات أهداف محددة.

ظل الجامعيون خلال هذه السنوات "العجاف" في تجاذب فيما بينهم وفي علاقة بالوزارة حول قضايا هامشية ضيّعت عليهم البوصلة...خسروا الكثير في مفاوضات عديدة وتاهت ملفاتهم الشائكة والمصيرية بين أروقة الإدارة وآليات التسويف المعقّد.

لكن الأهم من هذه الصفحة "المسودة" أن وضع الجامعيين ومكانتهم، تراجعا بشكل ملحوظ، قياسا بما كان عليه الأمر في مرحلة الثمانينات والتسعينات من القرن المنقضي.

سيعلّق البعض شمّاعة هذا التراجع على العولمة "المسكينة" وسيقولون أن "السقوط الرقمي" للحدود الجغرافية فيما بين الدول والقارات، والشرق والغرب، والشمال والجنوب، أدت إلى هذا التآكل في قيمة الجامعي ومكانته و"الكاريزما" التي كان يتمتع بها خلال العقود الماضية.

وهذا غير صحيح...بل مردود على أصحابه...

فالجامعيون هم اليوم الحلقة المنتجة على المستوى المعرفي والثقافي والفكري، في أكثر من عاصمة أوروبية أو غربية...هم "المخزن" الذي تصدر عنه الأفكار والتصورات والمواقف والمقاربات و"القيم" المختلفة في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع...وهم الذين يصنعون الرأي العام، مثلما يساهمون في صنع القرار السياسي في بلدانهم.

لقد خسرت بلادنا من خلافات الجامعيين، بعد أن كانت تغتني باختلافاتهم وتبايناتهم...كانت لدينا نخبة نشطة ومنتجة ومؤثرة في المشهد الثقافي والفكري والسياسي، تحرّك الشأن الثقافي، وتقتات منه وسائل الإعلام، سيما المكتوبة منها، قبل أن تذوب هذه الشمعة تدريجيا، بفعل المناكفات النقابوية والمماحكات الحزبوية، وقدر من "الزبونية السياسية"، والنتيجة لكل ذلك، "تصحّر" وضعنا الثقافي، وتراجع الإنتاج الفكري لنخبنا، وهيمنة اللامبالاة والخشية من السياسة والفعل السياسي...والسؤال الأكثر أهمية وإلحاحا، إذا ما شئنا أن يستأنف جامعيونا دورهم، ويستعيدوا مكانتهم هو: من يقف وراء هذا الإنكفاء، أو لنقل "العطل" الذي أصاب أحد الأعصاب المهمة في مشهدنا الفكري والثقافي والسياسي؟

كنت في زيارة قبل بضع سنوات إلى مدينة (بوسطن) الأمريكية ، وفوجئت بأن أحد التسميات التي تطلق هذه الولاية هي كونها "العقل المفكر" للولايات المتحدة !! أتدرون لماذا ؟ لأنها تحتضن أكثر من مائتي جامعة وبها عشرات المكتبات ، ومئات الجامعيين ، شغلهم الشاغل الإنتاج المعرفي بشتى تلويناته.

لذلك فغياب جامعيينا لا ينبغي أن يطول أكثر وهذه مسؤولية الجميع

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©