نصوص

تنغيص الحياة

(1): قارب صغير هناك في عرض المحيط قبالة القرن الإفريقي، لا تراه عين أمثالي - المجرّدة - ممّن أنهكهم طول النظر إلى مساوي الحياة، يُحاصر من قبل قوى بحريّة تابعة للعالم المتحضّر، ويُلقى القبض على مَن فيه (خمسة صوماليين) بتهمة القرصنة بعد أن أثبتوا عليهم (والإثبات لا يحتاج إلى إثبات) تهمة مهاجمة سفينة شحن تركيّة... هم الآن يحاكمون أمام محكمة روتردام الهولندية التي بدأت جلساتها يوم 25 مايو 2010... وهنا، في حوض البحر الابيض المتوسّط، على مرمى حجر من أروبا تتحرّك سفنٌ دعتها إنسانية ركّابها ومسيّريها وم

0
30 مايو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

(1): قارب صغير هناك في عرض المحيط قبالة القرن الإفريقي، لا تراه عين أمثالي - المجرّدة - ممّن أنهكهم طول النظر إلى مساوي الحياة، يُحاصر من قبل قوى بحريّة تابعة للعالم المتحضّر، ويُلقى القبض على مَن فيه (خمسة صوماليين) بتهمة القرصنة بعد أن أثبتوا عليهم (والإثبات لا يحتاج إلى إثبات) تهمة مهاجمة سفينة شحن تركيّة... هم الآن يحاكمون أمام محكمة روتردام الهولندية التي بدأت جلساتها يوم 25 مايو 2010... وهنا، في حوض البحر الابيض المتوسّط، على مرمى حجر من أروبا تتحرّك سفنٌ دعتها إنسانية ركّابها ومسيّريها ومن يقف وراءهم من الشعوب إلى نجدة شعب يموت بأسره تحت حصارٍ فرضه عليه محتلّ غاصب صهيوني إمبريالي عنصري... فلا يتفطّن أبطال الدّفاع عن سفينة الشحن التركية المهدّدة من الصوماليين الخمس الجوعى تلك، إلى الخطر الذي يتهدّد السفن التركيّة المتوجّهة إلى غزّة والصادر عن أعتى قوّةٍ قاطعةِ طرقٍ في المنطقة!.. ربّما لأنّ تلك السفينة كانت ترفع علم جزر الأنتل الهولندية، ورفعت هذه السفن رايات تركيا وفلسطين والجزائر وغيرها من المصطلحات التي لا تعني لديهم شيئا (أرأيتم إلى المبادرة التركية البرازلية، وهي لا تحمل راية يمكن الاطمئنان إليها أو السماع لها، كيف قوبلت؟)!...

  (2): تركيا بلد عضو في حلف شمال الأطلسي (NATO)، وفي الأدبيات...، أنّ أيّ بلد عضو يتعرّض إلى التهديد الخارجي يعني تعرّض الحلف بأكمله لهذا التهديد ما يوجب عليه مقاومته بشدّة!... فهل تكون رحلة السفن إلى غزّة، بل هل تكون غزّة في المقام الأوّل دالّة على ثغرات في اتفاقيات وأدبيات الحلف لا بدّ من تجاوزها؟!.. كأن تضاف فقرة تستثني ما يتعارض مع مصلحة الكيان الصهيوني الخارج عن القانون!... إنّه وقت التمحيص!... إنّه وقت الصدق مع النّفس والشجاعة الأدبية والخُلقية!... ولكن قد تكون الأجوبة صنعت قبل صناعة التحالفات التي قد يتسرّب إليها صاحب حسّ إنساني كتُركيا!... فربّما كانت السفن التركيّة هنا عند الحلف لا تمثّل السيادة التركيّة، بل إنّ الذين فيها ليسوا من تلكم التركيبة التركيّة!... وإذن لا بأس من غضّ النّظر عمّا يفعل الصهاينة من أجل تركيز السيادة الفعليّة المهورة بختم العالم المتحضّر!...   (3): أعدّ الكيان الصهيوني اللاشرعي على الهواء مباشرة سجون للقادمين، فهل سيقبل فعلا أهل القادمين إلى غزّة برؤية ذويهم تُنتهك حرماتهم الجسدية والمعنويّة في عرض البحر فيُقتادون لا قدّر الله ويُسجنون دون ردود أفعال ربّما تكون إن حصلت مؤذنة بانتهاء سيادة ترتيبة قديمة سادت طويلا وصالت وجالت في العالم المنافق؟!... ألا يمكننا أن نرى – ولو من قبيل المناورة – تحليق مكثّف لطائرات تركيّة جاءت لحماية أهلها ومنع وقوع جزء من شعبٍ تابع لها بدأ يرفع الإصبع والصوت بـ"لا للظلم"؟!... ألا يمكن أن تتحرّك الغيرة لدى العرب الأشاوس فيهدّدوا مثلا بوقف الإمداد بالوقود الذي أغرق هذه الأيام مَن على الأرض ومَن في أعماق البحر، أو يزيلوا نجاسة أصابت بلدانهم بحُلول قراصنة البحر الفعليون ضيوفا ثقالا عليهم دون رغبة من شعوبهم؟!...   (4): ولا أدري كيف انتظرتُ من قائد في الضفّة الأخرى - عرف باقتراحاته الكونية مرّة بصندوق جباية عالمية ومرّة بحوار عالمي لا يحذقه مع أهل بلده - التدخّل "بإنسانية عالمية" ترشّد أصدقاءه من الصهاينة وقد قبل وفودهم الحاجّة إلى جزيرة جربة دون صدّ إلاّ ما كان من بعض العناد أو ضجّة أو قرصنة إلاّ ما كان من بعض التشهير!... ألا يمكنه أن ينبّه إلى أنّ هذه السفن إنّما جاءت في رحلة سلمية لن تطال "مضارّها" مضارّ حجّاجه النّجسين المتنجّسين بدماء الأطفال والشيوخ!... لعلّه يفعل ذلك أو لعلّه يراجع علاقة هي الآن تأخذ منه ولا تعطيه إلاّ ما يسعّر عليه دار المقامة!...   (5): وماذا نحن (الشعوب في البلدان العربية والإسلامية) فاعلون؟!... أنحزن حتّى نلقي بأنفسنا في البحر أسى لعدم قدرتنا على فعل شيء؟!... أحسب أنّه لا!... ولكنّنا نسيّر المسيرات الصاخبة أمام مراكز الأمم المتّحدة والجمعيات الحقوقية... ولكنّنا نحاصر المكاتب أو القنصليات الصهيونية البغيضة إن وجدت في بلداننا ونتصرّف معها بما يليق بها... ولكنّنا نعلن الغضب فلا نستجيب لتعليمات "الأمن" الحريص على إذلالنا... ولكنّنا نجلس بعد ذلك كلّه وقد اعتصمنا في الساحات، غير آبهين بما يؤخذ من دمائنا، ندعو الله ونستجديه النصر على أعدائنا والتوفيق لإخواننا والخلاص القريب لغزّة وجميع بلداننا!...   عبدالحميد العدّاسي الدّنمارك في 30 مايو 2010
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©