تلفزة الواقع والمراهق التّونسي مزاد علني بين الرّفض والتّفتّح
من «ستار أكاديمي» إلى «قسمة ونصيب»، مسافة سنوات من التعوّد على برامج تلفزيون الواقع التي اجتاحت الفضائيات العربية واستقرت في واقع العادات الفرجوية التي يحرص المواطن التونسي، المستهلك للبرامج التلفزية، على الوفاء لها. ولعل أهم الفئات «المتأثرة» بما تقدمه هذه البرامج هم الشباب والمراهقون تحديدا... فهؤلاء يعتقدون أنّ تلفزة الواقع هي «الأقدر» على نقل «الواقع»
- 23 يناير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
من «ستار أكاديمي» إلى «قسمة ونصيب»، مسافة سنوات من التعوّد على برامج تلفزيون الواقع التي اجتاحت الفضائيات العربية واستقرت في واقع العادات الفرجوية التي يحرص المواطن التونسي، المستهلك للبرامج التلفزية، على الوفاء لها. ولعل أهم الفئات «المتأثرة» بما تقدمه هذه البرامج هم الشباب والمراهقون تحديدا... فهؤلاء يعتقدون أنّ تلفزة الواقع هي «الأقدر» على نقل «الواقع» بحذافيره عبر عدسات «الكاميرا» المركزة هنا وهناك حول المشتركين الذين يقبلون بقواعد اللعبة: وتفيد الإحصائيات التي قدمتها مؤسسة «سيقما» للإحصاء لسنة 2009، أنّ 55 فاصل 4 بالمائة من الشباب الذين تنحصر أعمارهم بين 15 و25 سنة يتابعون برامج تلفزيون الواقع في وقت الذروة. وقد تنامى الرقم بصورة ملحوظة مقارنة بسنة 2008 حيث سجل نسبة 48 فاصل 4 بالمائة.
ولكن بلغ هذا الرقم المقيّم لسلوك المشاهد التونسي الشاب إزاء هذه النوعية من البرامج، بلغ ذروته سنة 2005 (وهي السنة الثانية لانطلاق هذه البرامج بالوطن العربي) وبلغ نسبة 56 فاصل 4 بالمائة.
والملاحظ عموما أن هذه النسبة لم تغادر منطقة الوسط في سنوات 2005 و2006 و2007، إذ أن ما يزيد عن الـ50 في المائة من الشباب يتابع في أوقات الذروة برامج تلفزيون الواقع وبرنامج «ستار أكاديمي» أساسا.
ولأننا على يقين من أن هذه النوعية من البرامج تحمل في طيات ما تعرضه من مادة تلفزية، رغم الحرص على الإبهار المشهدي والتقني، تحمل كمّا من المعاني التي قد تتماشى مع ما نربّي عليه النشء من قيم ومبادئ. ففي هذه البرامج، تكتشف أن البعض قد يكذب وقد ينافق الآخر أو قد «يكمبن» كي يصل لغايات هي في الحقيقة نفعية خاصة وأن هذه البرامج تعد بجوائز قيّمة منها الرحلات والأموال والسيارات ومواد التجميل والملابس الفاخرة وما إلى ذلك من علامات البذخ الاستهلاكي، كل هذه «المصنفات» هي في الأصل من أولويات ما يحلم به عدد هام من الشباب العربي عموما والتونسي خاصة... وأثناء جولتنا بين شباب ومراهقي المعاهد الثانوية لالتقاط أبرز ما يتعلق بمواقف هؤلاء من برامج «تلفزة الواقع»، لاحظنا أن شقّا هاما يتابعها، ولكنه ينتقد ما يراه أحيانا، لأنه غير مقبول أو معقول لديه...
محمد رامي (18 سنة) وسيف (17 سنة) هما من فئة الرافضين لما تعرضه الـ«آل.بي.سي» حاليا من مشاهد يبدو كمّ «التصنع» فيها كبيرا لدى المشتركات في برنامج «الركض وراد زوج مناسب».
فحسب تعبير سيف «ملاك ورابعة لا يجيدان التصرف بعفوية أمام «الكاميرا» ويصطنعان الطيبة، وهما في الأصل منافقتان وقد فضحت بعض التفاصيل المسجلة ذلك في «قسمة ونصيب».
حكاية فارغة
وقد أبرزت أميرة (17 سنة) أن فكرة ضمّ عدد من الشبان والشابات في بيت مشترك للبحث عن شريكهم والزواج منه هي فكرة ساذجة. فالبحث عن زوج أو زوجة تحت عدسات الكاميرا التي تراقب هؤلاء كامل اليوم يدعو إلى الاستغراب. فكيف سيتصرف هؤلاء بعفوية؟ وكيف سيتأكدون من مشاعرهم تجاه الآخر في ظرف أسبوع أو شهر؟ وأضافت أميرة «قسمة ونصيب، حكايتو فارغة، لكن «ستار أكاديمي» يقدم المواهب على الأقل».
ولا يختلف رأي رامي (19 سنة) كثيرا عن رأي أميرة. ولكن يعترف هذا الشاب بأنه يتابع هذه البرامج ويحرص على التفاعل مع جل تفاصيلها، ولكنه لا يستفيد من ذاك الفعل ولا تمثل له هذه الفئة من المشاهد فرصة للإضافة المعرفية. بل هي، حسب تقديره، «غارقة في السطحية»...
«عركة على راجل»
ولاحظت نادية (18 سنة) أن «العركة» بين ملاك ورابعة في برنامج «قسمة ونصيب» سببها الرئيسي: رجل. وهذا غير معقول على فضائية يشاهدها الملايين وتضطر فيها تونسيتان إلى التراشق بالعبارات المخجلة بسبب رجل. فهل اندثر الرجال في تونس؟
وتضيف مريم (19 سنة) «أنا أتابع هذه البرامج لأتسلى وأضحك. ولكني لا أصدق ما يعرض فيها وأراه تمثيلا في تمثيل»...
علم الاجتماع يفسّر
كانت جل الآراء المستقاة في الـ«روبرتاج» سلبية وعارضت فكرة التعلق ببرامج الواقع، ولكنها كشفت في الآن نفسه حرص المعارضين على المشاهدة وهم يستعيدون كل التفاصيل المتعلقة بيوميات هذه البرامج التي يتواصل بثها منذ سنوات طويلة (2004 انطلاق النسخة الأولى من «ستار أكاديمي» العرب).
ويفيد السيد محمود الذوادي (مختص في علم الاجتماع) في شأن هذه الازدواجية في التعامل مع هذه الظاهرة التلفزية، أن مراهقينا أو شبابنا ينقسمون عادة إلى صنفين: المحافظ والمتفتح.
لذلك تصدر عن الفئتين أحكام متباينة حول مضمون هذه النوعية من البرامج. ولكن عموما، يمكن ارجاع سبب عدم تصديق الفئة المحافظة لما يشاهدونه عبر هذه البرامج إلى فعل انعدام الثقة في وسائل الإعلام عموما. فهؤلاء يؤمنون أن في الأمر مبالغة أو مغالطة أو تمويه...
وفيما يخص الفئة المتفتحة التي تتفاعل مع كل ما تتلقاه من معلومات أو أفكار أو مادة مقترحة دون التنصيص على السلبيات أو التعبير عن رفضها لها. والمنبهرون لا يحكّمون العقل لتجلي السلبي من الإيجابي، ولأن التناقض القيمي لديهم في أوجه، فإنهم يعجزون عن إبداء رأي فيه نقد... بل هم من المنبهرين، وان كانت بعض الآراء والاحصائيات قد أعلنت منذ سنتين تقريبا عن تراجع شعبية برامج «تلفزة الواقع» لدى المتقبل العربي عموما والتونسي حاليا، فإن بعض المؤشرات التلقائية والميدانية قد تفند ذلك.
فمازال التواصل قائما والمتقبّل العربي منبهرا ببعض هذه البرامج التي تحكم قبضتها على القلوب والعقول بتأمين بهارات الإغراء الضرورية للصيد الوفير من المشاهدين... ومن وراء نسب المشاهدة الكمّ الهائل من فضاءات الاستشهار... وهي الغرض الرئيسي من هذه البرامج والممولة لها...