نصوص

تكميم الأفواه ووسائله

تكميم الأفواه ووسائله تعريف الكِمام: رجعت إلى المعجم، أعرف منه دون اجتهاد منّي معنى الكِمام أو الكِمامة، فوجدت أنّه ما يُجعل على أنف الحمار أو البعير لئلّا يؤذيه الذباب، أو هو ما يُشَدُّ به فمُ الدابّة عموما لئلاّ تعضّ أو تأكل، وحتى لا يؤذيها الذّباب، ومنه ما يُوضع على الفم والأنف اتّقاء الغازات السّامّة ونحوها... توقّفت عند الاستعمال، فهو أساسا للحيوان غير العاقل، أو هو للإنسان الذي يوجد في الأوضاع غير الطبيعيّة كوجوده مثلا في أماكن ملوّثة بالغازات السامّة!... فالكِمام إذًا ليس من وسائل الحياة

0
25 يناير 2016
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

 تكميم الأفواه ووسائله

 

تعريف الكِمام:

رجعت إلى المعجم، أعرف منه دون اجتهاد منّي معنى الكِمام أو الكِمامة، فوجدت أنّه ما يُجعل على أنف الحمار أو البعير لئلّا يؤذيه الذباب، أو هو ما يُشَدُّ به فمُ الدابّة عموما لئلاّ تعضّ أو تأكل، وحتى لا يؤذيها الذّباب، ومنه ما يُوضع على الفم والأنف اتّقاء الغازات السّامّة ونحوها...

توقّفت عند الاستعمال، فهو أساسا للحيوان غير العاقل، أو هو للإنسان الذي يوجد في الأوضاع غير الطبيعيّة كوجوده مثلا في أماكن ملوّثة بالغازات السامّة!... فالكِمام إذًا ليس من وسائل الحياة الطبيعيّة وليس مجعولا أساسا للبشر العاقل... ومع ذلك فقد انحصر دور الدكتاتوريّة أو الظلمة أو الذين يعيشون في محيطات غير طبيعيّة في تكميم أفواه النّاس، لضمان استمرارهم في مواقعهم وذلك باجتناب الكلام الذي يعرّيهم ويعرّي جرائهم... وقد اتّخذت للتكميم وسائلُ كثيرة أذكر منها البعض فيما يلي:

 

وسائل التكميم:

1 - العنف واستعمال الترهيب: ويساعد على استعمال هذه الوسيلة ثلاثة أمور. قوّة المستعمل مع المفاجأة في الاستعمال، وضعف الشعب أو المرؤوسين المستهدفين بالاستعمال، وانقسام الشعب أو المجتمع كبيرا كان أو صغيرا وغياب الثقة بين أفراده... وهي الوسيلة التي لم يقصّر أيّ حاكم عربيّ أو من العالم الثالث في استعمالها!...

2 - الترغيب والاستمالة: ويساعد على هذه الوسيلة عدم تحرّي الحلال وانحسار المروءة، فيكون الفرد عرضة للإغراءات التي سوف تجعل منه ملمّعا لسيرة المتكرّم عليه بالمال والوظيفة والمكانة الاجتماعيّة، ولن يغامر أبدا بملاحظة ما يظنّه من الفساد أو تقويم ما يراه من الاعوجاج، علما منه أنّ ذلك قد يقطع أفضالا سارية هو في أشدّ الحاجة إليها... فينقلب بذلك مجرّد مستلذٍّ لما لا تكون اللذّة به أو فيه...

3 - القرابة والأخوّة: ويساعد على استعمال هذه الوسيلة الوقوف الطويل عند النّسب أو الخوف من كشف الغسيل الدّاخلي... فهي وسيلة شبه ذاتيّة يستلذّها الفاسد أو المستبدّ فيجعل من أقاربه أو إخوانه جدارا مانعا لا يظهر انحرافه الشخصي الذي قد يعود على العائلة أو الإخوة... فيصبح الأقارب أو الإخوة أشباه أسرى لدى هذا الفرد الأناني الذي نجح في تكميم أفواههم بخوفهم عليه من الفضيحة ومراعاة النّسب والحسب!...

4 - الكِمام نفسه: وهي الوسيلة الأكثر استعمالا في هذا الزمن الأعور... فقد تعوّد أهل الفساد على الاستعانة في تسيير دولهم أو وزاراتهم أو مؤسّساتهم بالفسّاد... يتخيّرونهم بكمائهم (وكمائمهم هي فسادهم)، فيُنزلونهم المراكز العليا في منطقة نفوذهم مكمَّمين لا يحسنون إلّا الاستجابة لسيّدهم أو كبيرهم الذي ارتضاهم هكذا بكمائهم، تماما كما هم أهل الكمائم في التعريف، دوابّ قد مُنع أكلُهم معه وعضُّهم!... لا يأكلون معه ولا يعضّون، غير أنّهم إذا أكل سمنوا وإذا عضّ استلذوّا عضّه!... إنّها الوسيلة الأخطر على الإطلاق من حيث قدرتها على التخفّي. حيث يكون هذا المكمَّم من أكثر المتحدّثين بسيّده يُثني عليه كرمه وجوده وإنسانيته، يُخفي بذلك انحرافه وفساده وإساءته لمجتمعه!...

 

تلك بعض وسائل التكميم الذي ما وُجد في مجتمع كبير أو صغير إلّا خرّبه، فرفع الوضيع ووضع الشريف وأجاز الفاسد وضرب على أيادي الصالحين!... وعلينا جميعا رفض الكمائم ووضعها على أفواه مستحقّيها ممّن شابهوا بسلوكهم الدوابّ التي جعلت لها الكمائم!... والله من وراء القصد          

 

 

 

عبدالحميد العدّاسي، الدّنمارك يوم 25 جانفي / يناير 2016

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©