نصوص

تـجـفـيـف الـمـنـابـع وبـوادر الـتـصـحـر ...

عرفت بلدان المغرب العربي في العشريتين الأخيرتين من القرن المنصرم بروز ظاهرة الإسلام السياسي بقوة بعدما جربت الجماهير الدولة الوطنية التي وعدت بالرفاه وتجاوز مخلفات الاستعمار البغيض لكنها لم تطلق سوى وعودا سرعان ما تبخرت فحصلت ثورات اجتماعية كاضراب عمال النقابات والطلبة ووصل الاحتقان إلى مستويات مختلفة في هذه الأقطار ونظرا لترهل القيادة كان موت ملك أو تبدل رئيس يعتبر متنفسا يوهم الجماهير بالتغير فتخف وتيرة المطالبات لكنها سرعان ما تعود للغليان من جديد وهذا ما مهد لاعتلاء التيارات الاسلامية لساحة

0
22 فبراير 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة
عرفت بلدان المغرب العربي في العشريتين الأخيرتين من القرن المنصرم بروز ظاهرة الإسلام السياسي بقوة بعدما جربت الجماهير الدولة الوطنية التي وعدت بالرفاه وتجاوز مخلفات الاستعمار البغيض  لكنها لم تطلق سوى وعودا سرعان ما تبخرت فحصلت ثورات اجتماعية كاضراب عمال النقابات والطلبة ووصل الاحتقان إلى مستويات مختلفة في هذه الأقطار ونظرا لترهل القيادة كان موت ملك أو تبدل رئيس يعتبر متنفسا يوهم الجماهير بالتغير فتخف وتيرة المطالبات لكنها سرعان ما تعود للغليان من جديد وهذا ما مهد لاعتلاء التيارات الاسلامية لساحة العمل الشعبي والطلابي  وهذا ما أهلها لأن تلعبا دورا سياسيا هاما خصوصا وأن الزخم الجامعي  مثل دينامو الظهور خصوصا لحركة الاتجاه الاسلامي بتونس  وساهمت عوامل أخرى في بروز جبهة الانقاذ بالجزائر وحزب النهضة كما اكتسب الطيف الاسلامي بالمغرب الأقصى خصوصية ظهوره ولكن هذا الظهور المتزامن  طرح تحديات داخلية وخارجية فسارع الخارج إلى الحسم وغلق باب الحوار أو استمالة هذه الحركات نحو الاعتراف بالكيان الصهيوني وهو يعرف أن هذا هو تابو هذه الحركات ،أما الداخل فابتكر أساليب مختلفة فالمغرب في مرحلة الابن آمنت باستيعاب هذه القاعدة الجماهيرية والجزائر فضلت الحل العسكري الاجتثاثي  ماديا وليبيا اختارت باب السجون والمراجعات الفكرية وموريتانيا اختارت الشق المقابل بفتح صفحة السجال حول التعامل مع الصهاية فطغى هذا السجال وأخفى المسألة نهائيا أما تونس فاختارت الحلول جميعها عدا الاحتواء والاستيعاب والحوار  فبعد امتلاء السجون واستشهاد من استشهد أطلقت شعارها الشهير تجفيف المنابع وقطع الأرزاق فما أهمية هذا الشعار وما استتباعاته؟ ما لبث هذا الشعار يسري ويعلن وجوده حتى تجندت أطراف كثيرة لتلعب أدوارا أكثر مما هو مطلوب منها فمنهم من ابتدع طرقا تقف الشياطين أمامها عاجزة ولعلي هنا أذكر الباحث  المبرز الضارب في بحر العلوم بسهمه أنس الشابي الذي كان قادرا على تحطيم قلوب الكتب حينما استطاع أن يضع قائمة غير مغلقة بأسماء الكتب التي تفسد عقول الناشئة وتعلمهم حسن الأخلاق والصلاة والصوم وتحثهم على حب وطنهم وشعبهم وتبين لهم حرمة الإنسان وعرضه وقداسة العلم والمعرفة إذ وضع الأخير قوائم محرمة لا يمكن تناولها وخضع للمسلءلة من يتهم بامتلاكها أو تضبط بحوزته حتى وإن كان عدوا لدودا للإسلاميين وبهذا قلت الدراسات الموجهة لحسن البنا والهضيبي وسيد قطب والمودودي ومحمد اقبال ليس تورعا من لائكيو تونس بل لقلة ذات يدهم من المراجع بسبب هذا التحجيم الأمني وبفضل هذا الباحث وغيره ممن لا يرون حرمة للفكر والإبداع, قُضي على هذه الأخطار وتحول المقهى والملهى والضياع إلى عناوين أساسية يرتادها اولادنا  وصار الكتاب والدفتر من ألد الأعداء ففي جيب تلاميذنا تجد كاسيت المزود وستار أكاديمي ولا تجد عنده قلما أزرق ولا دفتر الحصة ، لأن الكتاب والمدرسة والمسجد والجامع في عرف من خططوا لهذا المسلك الإجرامي كلها أماكن تفرخ"الظلاميين"وبهذا جعلوا النشأ يعرف أغنية عمي الززار والشيفور ولايعرف الشابي وسالم بوحاجب والثعالبي ومحمد علي الحامي,ولا يولي بالا للبحث والمعرفة وإذا حدثته عن النضال وأبناء الحركة الوطنية والزيتونة يشيح عنك بوجهه ويضحك ضحك  الباهت ويقول بينه وبين نفسه "ما زالت ناس قديمة كيف ما هكة وآش ها العيا " فالقادسية صارت مقهى وغزوة بدر صارت جولات بدرة في الملعب والجغرافيا صارت كلها أماكن عيش راكال ووقائع المسلسلات المكسيكية وصار الشعب المسكين ينام ويستفيق على عشق الأبطال وولادتهم غير الشرعية وتوجهت قنواتنا الموقرة على قلتها لتلعب دورا وللأمانة تعجز عنه آلاف القنوات فللكهول برامجهم وللنساء برامجهن وللشباب الأحد الرياضي وسويعة سبور والإثنين والثلاثاء والإربعا والخميس والجمعة والسبت الرياضي حتى الرضع جاءهم عمي سفيان ب "شوّهِ" ليغنوا لأليسا وهيفاء وهبي  ومادونا فمن سيكون من حرر الوطن ومن صنع للمسلمين أمجادهم ! هذا هو الحال الذي يزداد كل يوم ورغم استفحال الداء ما زال هذا الوهن يسري ويتواصل ففي كل معرض كتاب العيون مفتحة على العناوين الجنيسة حتى . ونرى حضورا مبجلا لمؤلفات الطبخ والماكياج بالخيار وشرائح البطاطا فهل تزحف الصحراء نحو ما تبقى من عقول؟
جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©