تعقيبا على تعقيب الدكتور منصف المرزوقي
تعقيبا على تعقيب الدكتور منصف المرزوقي لتعميق النقاش كما قال الدكتور منصف المرزوقي أود أن أعلق على تعليقه فأقول: ـ ما جعلني أذهب إلى معنى التعالي والتبخيس هو الأسلوب الذي ورد به كلامك. فقولك "لكن لنتصوّر أنّ كبار القادة الإسلاميين كلّفوا أكبر مثقف إسلامي...." فيه تشكيك في قدرة "كبار القادة الإسلاميين" على تشخيص أسباب تخلف مجتمعاتهم، وإن كانت مشكلتنا العويصة ليس فقط في تشخيص الأمراض ولكن أيضا في تفعيل الدواء والملول. وإذا عجز "أكبر مثقف إسلامي" مُستقبلا "على أن يشخص لهم أمراض مجتمعاتهم فسيذهبون إ
- 9 فبراير 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تعقيبا على تعقيب الدكتور منصف المرزوقي
لتعميق النقاش كما قال الدكتور منصف المرزوقي أود أن أعلق على تعليقه فأقول:
ـ ما جعلني أذهب إلى معنى التعالي والتبخيس هو الأسلوب الذي ورد به كلامك. فقولك "لكن لنتصوّر أنّ كبار القادة الإسلاميين كلّفوا أكبر مثقف إسلامي...." فيه تشكيك في قدرة "كبار القادة الإسلاميين" على تشخيص أسباب تخلف مجتمعاتهم، وإن كانت مشكلتنا العويصة ليس فقط في تشخيص الأمراض ولكن أيضا في تفعيل الدواء والملول. وإذا عجز "أكبر مثقف إسلامي" مُستقبلا "على أن يشخص لهم أمراض مجتمعاتهم فسيذهبون إلى أكبر مثقف علماني ليقوم بهذه المهمة، وإن لم يكن هذا المثقف العلماني الأكبر هو أنت فقل لهم من هو لكي لا "يضيعوا وقتهم" في البحث عنه.
ـ أنا لا أستطيع أن أنفي صفة الإسلام عن أي شخص نطق بالشهادتين (حتى وإن كان هذا الشخص هو جلادي) لأنني لست من الذين يُكفرون الأشخاص بأعمالهم، ولكنني أستطيع فقط أن أعارض أعمالهم، وأنتقد فهمهم للإسلام. فتكفير من نطق بالشهادتين هو "التوجه الخطير" وليس العكس. فهل ترضى أنت كعلماني أن يُكفرك أحد؟
ـ لا أفهم لماذا يطرح الدكتور سؤاله على النحو التالي "كيف نردم الهوة بيننا وبين الغرب" ثم يجيب عن السؤال بأمثلة "على ما يعلم ليست من الغرب". وإن كانت جرائم اليابان في شرق آسيا ضد جيرانها في الحرب العالمية ودكتاتورية البرولتاريا "ضد البرولتاريا في الصين (تيان آن مان) لا تخفى على أحد، ثم يتهم غيره بعدم الانتباه.
ـ كما أنني أريد أن أسأل الدكتور: أليس العلمانيون المتطرفون هم من حرموك من نعمة العيش بأمان وكرامة في بلدك؟ أليس العلمانيون المتطرفون هم من يحكم أو هم من يُزين ويرسم سياسة من يحكم كل البلدان العربية تقريبا من المحيط إلى الخليج؟ فالعيب في عدم إيجادك لدولة عربية واحدة "تُؤمنك من نظامك"هو عيب إخوانك العلمانيين وليس عيب غيرهم.
ـ أما فيما يتعلق بـ"أكل الغلة وسب الملة" فأنا لم أذق طعم "غلة " الاستقرار والأمان والحصول على اللجوء منذ 2001 إلى يومنا هذا. ولم أسب "ملة" الحضارة الغربية ولكنني نقدت أسسها. فهذه الحضارة لها محاسنها ومكاسبها التي لا يُنكرها إلا "آكل للغلة وسابٌ للملة". فقد أزهرت في هذه الحضارة عديد المكاسب والقيم الإنسانية كالديمقراطية والحرية والعديد من الحقوق الأساسية التي تضمن كرامة الإنسان ومنها حق اللجوء السياسي، وتطورت فيها المناهج العلمية والتقنية وغيرها. أما ما يُخيف في هذه الحضارة فهي نزعتها المادية وكيفية استثمارها لهذه المكاسب وخاصة منها العلمية. فالإنسان يا أخي منصف ليس هو كائن عارف وعالم بالحقائق العلمية فحسب، بل هو كذلك كائن مُستثمر لهذه الحقائق والمكاسب العلمية. فقد يعرف طبيبان حقيقة علمية طبية واحدة فيستعملها واحد منهم لإشفاء المرضى أينما حل دون تفريق بين الناس على أساس لونهم أو عرقهم أو دينهم أو أسمائهم (ولعلك سمعت هذه الأيام بطبيبة الأسنان الالمانية التي رفضت فحص مريض على خلفية اسمه) أو طبقتهم الاجتماعية، وقد يستعمل الطبيب الثاني هذه الحقيقة الطبية في زرع فيروسات قاتلة في جسد أطفال أبرياء مثل ما وقع لمئات الأطفال في ليبيا. إنني مازلت مقتنعا أنّ حل مشاكلنا لا يكون فقط بتعلُم العلوم وتشجيع البحث العلمي ولكن كذلك برسم إطار وسبيل أخلاقي لهذه الحقائق والبحوث العلمية حتى نضمن استثمارها في مصلحتنا ومصلحة الإنسانية قاطبة. فعلوم بدون أخلاق عمياء ـ وهي الحالة التي عليها الحضارة الغربية في تقديري ـ وأخلاق بدون علوم جوفاء.
ـ لنترك مفاهيم التقدم والتخلف للأكاديميين لا للسياسيين الذين حولوها إلى مصطلحات عاهرة يستعملونها لتشويه خصومهم السياسيين فمصطلحي التقدمية والرجعية مثلا هما من أكثر المصطلحات ابتذالا في ساحاتنا السياسية.
ـ لست أدري أين وجد السيد المرزوقي في ردي أنني أُخلط بين الإسلام والإسلام السياسي، وكيف لم ينتبه الى النص الذي ذكرته في ردي والذي يُؤكد هذا الفرق الذي يصر الأخ المرزوقي وغيره من العلمانيين على التمسك بالخلط بينهما من أجل إقصاء أبناء الإسلام السياسي من الساحة السياسية، ويتخذه غيره من العلمانيين المتطرفين ذريعة لتصفيتهم جسديا.
ـ لقد ازدادت اليوم قناعتي أنّ الإسلاميين الوسطيين هم أحرص الناس على مصلحة شعوبهم وذلك بصبرهم الكبير على إيذاء من هب ودب من العلمانيين والقوميين واليساريين لهم، رغم أنني لا أضع كل العلمانيين أو كل القوميين أو كل اليساريين في سلة واحدة، كما لا أترك اختلافي السياسي معهم يُعميني عن بعض محاسنهم مثل ما قدمه السيد عبد الوهاب معطر والسيدة سهام بن سدرين من مؤازرة لإخواني المظلومين من أبناء حركة النهضة وذلك بالدفاع عنهم أمام المحاكم في الداخل أو بإرسال رسائل مساندة لهم في الخارج. فذكر بعض محاسن فرقائي السياسيين ليس مدحا لكل خياراتهم السياسية ـ كما تبادر إلى ذهن السيد المرزوقي ويستعمله في حكمه على خصومه السياسيين ـ وإلا لماذا لا يقوم الدكتور منصف المرزوقي بتغيير اسم حزبه من "المؤتمر من أجل الجمهورية" إلى "الحزب الاشتراكي الدستوري" لأنه قد ذكر في إحدى مقالاته أنّ النظام البرقيبي حقق مكسبين للشعب التونسي هما تعميم التعليم وتحرير المرأة؟ فذكري لبعض محاسن فرقائي السياسيين لا يعني بالضرورة تبني كل أفكارهم أو خياراتهم السياسية.
ولكي تكون السياسة نافعة مثل العلوم لا بد لها من أخلاقيات أساسية في التعامل مع الفرقاء السياسيين وإلا أصبحت تضييعا لـ"وقت الأمة".
ـ عليك أن تُفرق أخي منصف بين اعتماد التجربة في البحث العلمي وهذه هي "الموضوعية العلمية"، وبين اعتماد التجربة العلمية كعقيدة وحيد ة في الحياة، وهذه هي "الوضعية".
ـ لست أدري لماذا سيّست حتى شُكري لك، فما أعرفه عن نفسي وعن أغلب إخواني في حركة النهضة أنه ليس لنا عُقدة أو مشكل مع النقد الذاتي أو مع التفكير الحر، وهذا الأمر تُؤكده عديد النصوص الصادرة عن الحركة.
أخيرا وليس آخرا لا يفوتني أن أشكر كل الدول الغربية التي آوت إخواني من أبناء حركة النهضة لأنني أحسب أنه لا أنا ولا هم من الذين "يأكلون الغلة ويسبون الملة"، ولأنّ نقد المُضيف للمُضيَف لا يعني بالضرورة سبه كما تبادر لذهن السيد المرزوقي.
"إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله"
والسلام مع المحبة
منير السايبي.