تشريح الانتخابات التونسية.. حول مفاجآت "العريضة"
بالنسبة لكثير من المتابعين، لا يستحق مرشحو "العريضة" المقاعد التي تحصلوا عليها، لأنهم بلغوها "بالنصب والاحتيال". بعض الذين وصلوا إلى التأسيسي وصلوا إليه أيضا باستعمال أساليب مشابهة. وآخرون استعملوا أساليب أكثر نصبا واحتيالا ولكنهم لم يصلوا إلى المقاعد المنتظرة. هناك نوعان من رد الفعل حول هذه المفاجأة، (التي ينبغي مناقشة إن كانت مفاجأة في شكلها أو في مضمونها).
- 30 أكتوبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تونس - الأستاذ عدنان مَنصر
بالنسبة لكثير من المتابعين، لا يستحق مرشحو "العريضة" المقاعد التي تحصلوا عليها، لأنهم بلغوها "بالنصب والاحتيال". بعض الذين وصلوا إلى التأسيسي وصلوا إليه أيضا باستعمال أساليب مشابهة. وآخرون استعملوا أساليب أكثر نصبا واحتيالا ولكنهم لم يصلوا إلى المقاعد المنتظرة. هناك نوعان من رد الفعل حول هذه المفاجأة، (التي ينبغي مناقشة إن كانت مفاجأة في شكلها أو في مضمونها).
ردة الفعل الأولى: هذه المفاجأة الانتخابية تعطي الدليل على أن "الشعب الجاهل" الذي لا يعرف لمن يعطي ثقته مضر بالديمقراطية، وأنه ينبغي ف
رض وصاية ، بل وربما حجر عليه. ينسى كثيرون في خضم ردات الفعل الغاضبة أن الديمقراطية لا تفترض أن الفرد منا يفقد مواطنته لمجرد أننا نصنفه جاهلا أو غبيا. الديمقراطية ليس نظاما ينتخب فيه الأذكياء أفرادا ينوبونهم على أساس أنهم أذكى الأذكياء. الديمقراطية هي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، لا أكثر ولا أقل. يبقى أن تصنيف الناس إلى أذكياء وأغبياء هو أمر نسبي جدا، إضافة إلى أنه لا يدخل في باب شروط الترشح ولا الانتخاب.
ردة الفعل الثانية: "يجب إسقاط هذه القائمات"، ومن ثمة توزيع مقاعدها على "الأذكياء". ما حصل هو أننا اتخذنا القرار داخل أذهاننا ثم بدأنا في البحث له عن مبررات. هنا فإن الأمر مرتبط بالنقطة السابقة، وهي تعني أنك قد تكون متعسفا عندما تفتك من يد ابنك علبة الكبريت، ولكنك إنما تفعل ذلك لمصلحته، ذلك أنه قاصر عن فهمها طالما لم يبلغ الرشد. يبدأ البحث عن تجاوزات وعن إخلالات يعرف القانونيون أنها لا تبرر مطلقا صدور قرار في هذا الاتجاه. هذه لعبة خطيرة جدا، وقد تكون النعش الذي سيحمل تجربتنا الديمقراطية إلى مثواها الأخير، وفي وقت قياسي! أن تفتك علبة الكبريت لا يعني أنك تشعل أعواد الثقاب ثم تلقي بها في فراشك، وتنام. هذا ليس من الذكاء في شيء، وقد تصبح إن فعلت موضع تندر أغبى الأغبياء!
ينبغي أن نوضح أمرا: نعم "زعيم العريضة" استعمل الغش والاحتيال، وممثلوه في الجهات كذلك. وعندما نعرف من هم أولئك الذين تقدموا على قائماته، وما هي ولاءاتهم السابقة والراهنة، نفهم جيدا أن الرجل إنما واصل ممارسات قديمة، واعتمد على الشبكات القديمة، والولاءات القديمة، وأنه في حين كان الجميع مركزا على حزبي "المبادرة" و"الوطن"، وفي أقصى الحالات على أحزاب "التآلف الجمهوري" السبعة والأربعين، كانت الشبكات القديمة قد راهنت على عناوين أخرى. عاد النظام القديم تحت اسم الهاشمي الحامدي الذي كان الجميع يسخر منه ومن وثوقه الشديد في قدراته على الوصول حيث يريد. وفي المقابل فإن الشبكات القديمة وذات التأثير الكبير واصلت العمل في صمت وفعالية.
هل يمكن لأحد أن يعتقد أن ستين عاما من النظام القديم لا تفوز إلا بستة مقاعد في أول انتخابات؟ هل ذهب في ظن الجميع بأن كل التونسيين سيصوتون لأحزاب الثورة والمستقلين. في الوقت نفسه، ركز كثير من الناس على القائمات المستقلة التي تحوم حول أصحابها شبهات الانتماء للتجمع المنحل، ونسوا أن بداية الهزيمة هي السير في ميدان المعركة متفرقين: التجمعيون كانوا يدركون ذلك، وكانوا يعرفون أكثر منا جميعا أنه لا يمكنهم التعويل على مبادرات فردية مشتتة، ولا على أحزاب يراقبها الجميع، مثل "المبادرة" و "الوطن" و "التآلف الجمهوري" و "الاتحاد الوطني الحر" ، بل ويعتبرون أن هذه الأحزاب لا يمكن أن تمثل عناوين مريحة لعودتهم إلى الساحة.
في الوقت نفسه، كان الجميع يعرف وهو يدخل هذه الانتخاب، أنه سيكون هناك تجمعيون في المجلس التأسيسي، بما أنه كان هناك الكثير منهم في الانتخابات، بغض النظر عن العناوين التي ترشحوا تحتها. لتلافي أمر مماثل لم يكن هناك سوى حل واحد: إما إعدام كل الذين تحوم حولهم شبهات، مع كل ما يعنيه ذلك من توجهنا مباشرة إلى حرب أهلية تبين أن لا أحد منا يريدها من حسن الحظ، أو تحديد "الأحزاب الثورية" لقائمة مغلقة من الترشحات، وبذلك نكون قد أسسنا لديكتاتورية ثورية وليس لنظام ديمقراطي. الديمقراطية، عندما تأتي، تفتح الباب للجميع، من سوء حظ البعض وحسن حظ آخرين!
نقلا عن بناء نيوز