تسريح مساجين الحوض المنجمي في تونس أو لعبة القط والفأر
Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} تسريح مساجين الحوض
- 9 نوفمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تسريح مساجين الحوض المنجمي في تونس
أو لعبة القط والفأر
يطيب لأسرة الحوار.نت بداية بأن تزف أحر التهاني إلى كافة مساجين الحوض المنجمي بمناسبة إطلاق سراحهم بعد رحلة عذاب طويلة دامت عامين إلا قليلا كما نغتنم هذه الفرصة لنهنئهم على صمودهم.
خطوة في الاتجاه الصحيح وخطوتان في الاتجاه الخاطئ
معياران لا ينفك الناس عن نصبهما في مثل هذه المناسبات: معيار سياسي يراعي الظروف المحيطة سيما قوة السلطة المدججة بما هو غني عن الوصف من جانب وضعف دفاعات المجتمع من جانب آخر.. خطاب هذا المعيار لا يخرج عن دائرة تثمين مثل هذه الخطوة (إطلاق سراح مساجين الحوض المنجمي) فهي دوما خطوة إيجابية حتى لو كانت محدودة أو هي في الاتجاه الصحيح.. خطاب لا يملك غير ذلك بسبب ضيق الدائرة التي حشد فيها نفسه منذ البداية أو منذ بداية المراجعة على الأقل.. المعيار الثاني هو معيار الرؤية الشمولية من الخارج.. معيار يتمنع عن قربان المنطومة السائدة خوفا من فقدان بعض من رساميله المعنوية وأرصدته الشعبية أو خشية تطبيع أو تزكية لأوضاع ذات تركات ثقيلة وديون أثقل..
هل تسير البلاد في ظل الحكومة الحالية في الاتجاه الصحيح فعلا
الاتجاه الصحيح المقصود هنا من لدن كل الأطراف هو اتجاه الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية ودعم الهوية الثقافية الوطنية للبلاد وما يقتضيه ذلك المشهد المتقدم من استحقاقات. ليس المطلوب بلوغ غايات الاتجاه وأهدافه البعيدة ولكن المطلوب هو مجرد السير في ذلك الاتجاه الصحيح ولو بوتيرة متأنية متراخية ولكن دون تراجعات وردات. هل تختلف إجابات الناس عن هذا السؤال: هل تسير البلاد ـ حتى في السنوات الأخيرة فحسب إذا أحكمنا بقوسين مطبقين على سنوات الجمر الحامية الطويلة ـ حقا في اتجاه دعم المناخ الديمقراطي: حرية سياسية وإعلامية وعدالة اجتماعية ووحدة وطنية وهوية عربية إسلامية؟
لا نظن أنّ التفاؤل يذهب بأهله أبعد من كون السنوات القليلة الأخيرة شهدت تراخيا للقبضة الأمنية الصارمة جدا أو قل بعبارة أحرى بالعدل: إعادة انتشار تلك القبضة الأمنية الصارمة انتشارا يفك الحصار الإعلامي عن السلطة على خلفية وجود مساجين سياسيين سلميين على امتداد ما يناهز عقدين كاملين.. الملف الإسلامي مثلا الذي بسببه تحولت البلاد إلى ثكنة عسكرية في حالة طوارئ منذ بداية التسعينات تحول تحولا كبيرا ومفاجئا نوعا ما بسبب نشوء صحوة إسلامية جديدة.. أما أعمدة المجتمع الأهلي من مثل رابطة حقوق الإنسان واتحاد الشغل وغيرهما فإن آلة القمع الشديد جدا كانت كفيلة بخنق تلك وابتلاع هذه ..
هي لعبة القط والفأر إذن
انتخابات بالكاد تزحزت نتائجها عن سخافات حزب البرافدا الشيوعي وذلك بعد 22 عاما كاملة من الهيمنة المطلقة على دواليب الدولة والمجتمع.. نتائج لم تكد تغادر منطقة التسعات الأربعة (؟؟,89).. الأنكى من ذلك: حملة ضارية ضد حرية الصحافة مباشرة بعد الفراغ من مغادرة منطقة التسعات الأربعة.. زهير مخلوف وتوفيق بن بريك وغيرهما.. في يم تلك الحملة الضارية يتنزل تسريح مساجين الحوض المنجمي ليعطي إشارة الانطلاق لموسم عنوانه: خطوة إيجابية عملاقة في الاتجاه الصحيح وبأعلى صوت.. أما ما تخفيه الأصوات فهو: ولكنها غير كافية وجبال من الأماني لاكتمال الخطوة.. فهل تكتمل الخطوة أم تتعثر أم تسير في الاتجاه المعاكس أصلا.. هي لعبة القط والفأر إذن.. ما يوهب باليمنى يسترد باليسرى..
بعيدا عن عواطف التفاؤل والتشاؤم .. سؤال لا بد من حسن طرحه وحسن الإجابة عليه: هل أنّ المشهد الديمقراطي في البلاد يتحسن أم يترنح أم يزداد سوءا حتى بحساب السنوات الأخيرة القليلة.. سؤال يتطلب نصب ميزان عادل للمشهد الديمقراطي بعيدا عن التشاؤم والتفاؤل وكذلك بعيدا عن تفصيل ديمقراطية تونسية خاصة على مقاس هذا أو ذاك لا تحتاج لدروس من أحد.. فيم العولمة التي يطوف حول أوثانها الناس إذن؟
ذلك سؤال ابتدائي لا بد منه... يليه سؤال آخر هو: كيف يتعاون الناس لتوسيع دائرة الحريات والديمقراطية في البلاد وما هو المتاح لذلك وما هي آلياته وخطابه ومؤسساته وكيف يتعاونون لتضييق دائرة القمع وضحاياه وخاصة في المجال الإعلامي والسياسي والفكري والنقابي والحقوقي والاجتماعي؟..
السؤال الأكبر والأهمّ من كل ما سبق هو: ما هي العلاقة الواجبة باللاعب الأكبر لكي تتم خطوات على ذلك الدرب وترسى لبنات.. أم أن تلك اللبنات معرضة دوما إلى عبث الرياح كمن يخط فوق رمال الصحراء رسومه.. أي: أيّ الحقول أولى بإرساء تلك اللبنات فيها حماية لها من عبث الرياح.. السياسة؟ المجتمع؟ التعليم والتربية؟ البناء الداخلي؟
بقيت كلمتان في هذا الميزان
الكلمة الأولى
ها قد أفرج عن مساجين الحوض المنجمي بعد رحلة عذاب طويلة ولكنها إذا قيست برحلة العذاب المخصصة للملف الإسلامي (حركة النهضة) فإنها تكون عشرها بالضبط ولكنها في الحقيقة رحلة عذاب واحدة: لا هوية وطنية دون عدالة اجتماعية ولا عدالة اجتماعية دون هوية وطنية.. ها قد أفرج عن مساجين العدالة الاجتماعية دفاعا عن الجوعى في الرديف وأم العرايس.. ولكن أين العدالة الاجتماعية التي من أجلها سجنوا ومات شاب واحد على الأقل وشردت عائلات ونكبت أخرى.. هل أغلق ملف العدالة الاجتماعية أم أنّ القضية كلها: شغب نقابي قال فيه القضاء كلمته ثم جاءت رحمة الرئيس حانية وكان السراح الشرطي.. وانتهت القضية فلا جوعى ولا محسوبيات ولا حركة ارتشاء كبيرة طالت وزراء وولاة ومسؤولين كبار في شركات قومية كبرى.. من مات فهو "جيفة قذرة" أو قضاء وقدر .. ومن سجن فقد تأدب والعصا لمن عصى..
تلك كلمة أولى يتحاشاها الخطاب الذي حشر نفسه في دائرة ضيقة مراعاة لظروف معروفة من انخرام الموازين بشكل غير مسبوق بين المجتمع والدولة.. سياسة رعاية الظروف المحيطة حكمة دون شك وحنكة ولكن الأكثر حنكة والأحكم هو مَن وضع تلك السياسة ذاتها ضمن المشهد التونسي بأسره.. ثم لتكن الحركة بحسب نتائج تلك العملية..
الكلمة الثانية
بعيدا عن تثمين تسريح مساجين الحوض المنجمي على أساس أنها خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح أو منقوصة أو غير ذلك.. بعيدا عن ذلك كله فإنّ الأولى هو تركيز التفكير من لدن الجميع في نقطة كبيرة مهمة هي أن مؤشرات مهمة ـ في الحقل الوطني ذاته وليس بالضرورة في الحقل الإقليمي أو الدولي ـ على درب تفعيل الحراك من أجل المطامنة من غلواء السياسة الأمنية الصارمة جدا التي بسطت أرديتها المخيفة على البلاد على امتداد عقدين كاملين .. مؤشرات داخلية مهمة بدأت تنهض.. أو قل إنّ زمن إنهاضها قد حان وحانت شروطه.. ليس أملا بعيدا لا في توبة نصوح ولا في زلزال شعبي ولكنه أمل جيل يتأهب لتسلم أمانة الإصلاح وقاطرته المتواصلة من جيل يتأهب لتدوين تجربته في قمطر لن يطويه التاريخ..
إنه زمن النقاط وليس زمن الضربة القاضية..
النقاط التي تفنى أجيال إثر أجيال على درب تحصيلها.. ورب جيل يصنع النقاط فيعقبه جيل يفرط فيها..
إنه زمن تخفيض سقف الطموحات عمليا لا شعوريا..
إنه زمن السلطة حقا وزمن الثروة حقا وزمن القوة حقا.. فمن شاء فليكرع من ذلك ليحيا ومن شاء فليزهد في ذلك ليموت..
إنه زمن جديد يتطلب رجالا جددا ومعالجات جديدة..
الحوار.نت