نصوص
بين حجابنا و صليبهم أو بين علمانّيهم و علمانيّينا
منذ ما يناهز السنتين و النيف كتبت مقالا حول الدين عند الغرب و الدين عندنا، حاولت أن أبين فيه قيمة الدين عند الغرب و أهميته، و قد استدليت بقضية رفعها مسلم ضد تواجد الصليب على جدران المستشفى الذي ترقد فيه أمه حيث اعتبر ذلك استفزازا لأمه، و قد جاءه حكم المحكمة بأن الصليب عامل و حدة و هوية و ليس مجرد رمز فهاجمني أنذاك المدعو أشرف عبد القادر على موقع ايلاف الالكتروني و اتهمني بالمغالطات و نعت خيالي بالمريض و لم تأتي الفرصة للردّ عليه غير أن حكم محكمة حقوق الانسان الأوروبية الأخير حول تعليق الصلبان في
- 7 نوفمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
منذ ما يناهز السنتين و النيف كتبت مقالا حول الدين عند الغرب و الدين عندنا، حاولت أن أبين فيه قيمة الدين عند الغرب و أهميته، و قد استدليت بقضية رفعها مسلم ضد تواجد الصليب على جدران المستشفى الذي ترقد فيه أمه حيث اعتبر ذلك استفزازا لأمه، و قد جاءه حكم المحكمة بأن الصليب عامل و حدة و هوية و ليس مجرد رمز فهاجمني أنذاك المدعو أشرف عبد القادر على موقع ايلاف الالكتروني و اتهمني بالمغالطات و نعت خيالي بالمريض و لم تأتي الفرصة للردّ عليه غير أن حكم محكمة حقوق الانسان الأوروبية الأخير حول تعليق الصلبان في المدارس الايطالية دفعني الى الحديث مرة أخرى حول هذا الموضوع. فقد أحدث هذا الحكم زلزالا في ايطاليا قبل أن ينتقل الى بقية الدول الأوروبية و لأول مرة نرى اليمين و اليسار في خندق واحد يدفاعون عن "وحدة الأمة" و "رمز عزتها" بل ذهب وزيـر الاصلاحات الدستوريـة الايطالي، و الذي ينتمي الى رابطة الشمال، "كالديرولو" الى قوله بأن الصليب لن يمس، في حين اعتبر رئيس الوزراء الايطالي "برلسكوني" أن الحكم "غير ملزم وليس هناك ما يمنعنا من الاحتفاظ بالصلبان في الصفوف المدرسية" و كلنا نعرف مدى تشبث الغربيين بمبادئ العدالة و حقوق الانسان و بعلمانية الدولة عندهم و لكن عندما يصبح الأمر يمس مبادئهم و معتقداتهم المسيحية فانهم يتحد علمانيّهم بمتديّنهم بل ينزع علمانيّهم رداء العلمانيّة ليلبس الصليب لأن الغرب فصل دستوريا علاقة الدولة بالدين و لكن عمليا بقيت هذه العلاقة قائمة بين المد و الجزر فترى هذه العلاقة تغيب اذا كان النقد داخليا و لكن سرعان ما تطفو على السطح اذا كان الناقد خارجيا أو شعر أهل البلد أن المسيحية محل تشكيك او تهديد، فأين ذلك من العلمانيون العرب الذين يسبحـون صباحا و مساءا بمبادئ الوطنيـة و حقوق الانسان و الهوية الوطنية و لكنهم في أول اختبار تراهم يتساقطون كأوراق الشجر في الخريف و قد اختبرناهم في أول معركة تعرض لها مواطينهم و هي ما تمس بحرية الللباس أو ما عرف بـ "معركة الحجاب" هنا و هناك فلم يتعاطفوا و لم يدافعوا هؤلاء العلمانيون عن الحرية التي كانوا يبشروا بها و الهوية التي ادعوها بل رأينا أن الرئيس الفرنسي السابق "شيراك" قبل أن يمنع الحجاب بفرنسا استشار أحد العلمانيين العرب المتنيرين كمثل "محمد أركون" و قد قدم له بحثا وصل الى مفاده "أن الحجاب رمز ديني عنصري"، و لم نجد تعاطفا أو نصرة من مدّعي "العلمانية المستنيرة" و خاصة من أبناء جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا بل حتى النساء اللبراليات لم نسمع لهن همسـا فقد تركن المحجبات يواجهنا مصيرهن بوحدهـن و يدافعن على حريتهن بمفردهن و حالهن يقول "اذا كان هذا اختياركن فتحملن مسوليتكن" و لذلك لم نسمع كلمة من الجمعيات الديمقراطية النسوية التي تملئ العالم العربي و الاسلامي باسم الحداثة. و بالرغم من أن الفرق شاسع بين "تعليق الصليب في المدارس" و "لبس الحجاب عند المرأة المسلمة" فان كان الأول مجرد رمز للمسيحية فان الثاني واجب شرعي ملزمة به كل مسلمة الاّ أن الأول جنّد اليمين و اليسار، المتدين و العلماني، السياسي و رجل الشارع في بلاد الغرب في حين أن الآخر وجد نفسه يواجه مصيره بتعاطف الاسلاميين فحسب فتلاشت حقوق المواطنة و غابت حرية اللباس ما دام الأمر فيه ضحية من المسلمين و رأيت أغلب علماني و متنوري العالم العربي قد دخل جحره و آثر السكوت و السلامة على الدفاع عن مبادئ المواطنة. فأن يعتبر الصليب "عامل وحدة و رمز الوطنية" عند العلمانيون الغربيون و أن يعتبر "الحجاب لباس طائفي نشاز" عند علمانيينا فلعمري انه منطق العدالة العرجاء. و انني كمسلم، بقدر اعجابي بالساسة و العلمانيين الغربيين من هذا الموقف الذي ظهروا فيه مدافعين عن هوية أمتهم، فنسوا خلافاتهم السابقة و نسوا الهوة بينهم، و لم يشذ منهم الا الشيوعيون الراديكاليون، بقدر ما استائني موقف علمانيينا و متنورين الذين أصبحوا ملكين أكثر من الملك، فالحداثة عندهم لا تكون الا بالدوس عن الهوية الاسلامية و التنوير لا يكون الا بدق نعش الحضارة الاسلامية و لسان حالهم يقول نحن و الزمن عليكم... رضا المشرقي/ايطاليا