نصوص

بين الجد واللعب : خالد ناصر الدين

" بين الجد واللعب " بقلم : خالد ناصر الدين / تنغير بين الجد واللعب ، تتبعثر الكلمات ، تتناثر العبارات ، تنتفض المفاهيم ، يختلط الحابل بالنابل ، وتُسْتَلُّ السيوف من أغمادها ، لتوضع الحدود الفاصلة بين كوكب الجد ، وكوكب اللعب ... لا غرابة أن يختلط الجد باللعب في زمن عربي رديء بكل المقاييس ، ولا غرابة أن تثير " أوهام اللعب " من الاهتمام والشغف والحماس ، وأن تفجر من الصرخات والآهات وشلالات الدموع ما لم يعد تثيره ولا تفجره " قضايا الجد " ... ◙ هذا عن " اللعب " ... عندما ترتفع نسبة غياب التلاميذ داخل

0
22 نوفمبر 2009
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

" بين الجد واللعب "
بقلم : خالد ناصر الدين / تنغير



بين الجد واللعب ، تتبعثر الكلمات ، تتناثر العبارات ، تنتفض المفاهيم ، يختلط الحابل بالنابل ، وتُسْتَلُّ السيوف من أغمادها ، لتوضع الحدود الفاصلة بين كوكب الجد ، وكوكب اللعب ... لا غرابة أن يختلط الجد باللعب في زمن عربي رديء بكل المقاييس ، ولا غرابة أن تثير " أوهام اللعب " من الاهتمام والشغف والحماس ، وأن تفجر من الصرخات والآهات وشلالات الدموع ما لم يعد تثيره ولا تفجره " قضايا الجد " ...
◙ هذا عن " اللعب " ...
عندما ترتفع نسبة غياب التلاميذ داخل الفصول الدراسية بشكل مفاجئ وغير مسبوق ، وعندما تتقوف حركة المرور في المدينة كلها بحيث تصبح الأزقة والشوارع شبه خالية من المارين ، وعندما تمتلئ المقاهي بعشرات المتحلقين حول شاشات التلفاز ، بحيث تسمع لصرخاتهم صدى ودويا ترتج له الجدران ، وعندما يحتدم النقاش بين كل أصناف المجتمع " علماء " و " متعلمين " و " همج رعاع " ، ويلتهب الحماس ، وتختلف وجهات النظر ... فاعلم أن الأمر يتعلق بمباراة من مباريات كرة القدم ...
الوقائع والأحداث التي سبقت ورافقت وتلت مباراة الجزائر/ مصر ، تطرح أكثر من تساؤل ، وتثير أكثر من علامة تعجب واستفهام ... ؟؟ !! ما معنى أن يصل التعصب بالمصريين والجزائريين حد المواجهة والاعتداء المتبادل ؟ ما معنى أن يحرص الرئيس الجزائري على إرسال مئات المشجعين إلى السودان ، وفي مقابل ذلك يصر الرئيس المصري على بعث مئات المشجعين المصريين ؟ ما معنى هذا التهويل الإعلامي الذي زاد الطين بِلَّة ، وصب الزيت على النار لتزداد اشتعالا ؟ وما معنى هذا الاهتمام الغريب بهذه المباراة كما لو أن الأمر يتعلق بمبارة مصيرية تخوضها الشعوب العربية قاطبة ضد الفقر والجهل والأمراض والظلم والاستبداد ...؟
◙ فماذا عن الجد ... ؟
جراحات الأمة نازفة ، وآلامها ممتدة بلا حدود ، أورام الفرقة والتشرذم تجتاحها ، وعواصف الذلة والهوان والوهن تعصف بها ... وطواغيت الاستبداد تكبل إرادتها ، وتجعلها في مؤخرة الأمم ... وتجعل جماهيرها العريضة تغرد خارج السرب ... تصفق ، وتصرخ ، وتحتج ، وينفجر غضبها في مقام غير المقام ... وسياق غير السياق ...
أين كان الحماس الشعبي الجزائري عندما تدخلت فرنسا بشكل سافر لمنع وصول الإسلاميين إلى السلطة ؟ أين كان الاحتجاج الجماهيري ضد من حولوا الجزائر إلى حمامات من الدماء ؟ أين كان الشعور الوطني عندما تم إغراق الجماهير الجزائرية قسرا في مستنقع الفقر والأمية والتبعية ؟
وأين كان الهيجان الشعبي المصري عندما تآمر النظام المصري ضد الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة ؟ وعندما تم إغلاق الحدود في وجه الفلسطينيين إمعانا في قهرهم وإذلالهم ، ورغبة في تركيعهم وإخضاعهم ؟ أين كان صوت الشعب المصري عندما كُمِّمَتْ أفواه حركت " كفاية " التي طالبت بوضع حد لمهزلة توريث الحكم في نظام يسمي نفسه " جمهوريا " ؟
أين كانت الجماهير العربية عندما تم اجتياح العراق من طرف القوات الأمريكية الغاشمة ؟وما الذي فعلته هذه الجماهير وهي تتابع يوميا عبر كل القنوات الفضائية المجازر والفظاعات والفضائح التي تمارس على نساء وشيوخ وأطفال العراق ؟ ما الذي فعلته وهي تتابع عبر نشرات الأخبار مؤامرات ودسائس تقسيم العراق إلى دويلات لا حول لها ولا قوة ؟
وماذا عن مأساة الفلسطينيين ، ومؤتمرات الاستسلام التي لن تنتهي إلا بطرد كل الفلسطينيين من أراضيهم ، ومسلسل تهويد القدس الشريف ، والجدار العازل ، ومهزلة خريطة الطريق ، والخيانات المتتالية ، وتزوير إرادة الشعب ، وفضائح عباس ودحلان وعريقات ... وباقي المتآمرين ... والبقية سوف تأتي ...
وماذا عن الجرح اللبناني ، لبنان الاغتيالات ، والصراعات الطائفية ، لبنان المواجهة مع العدو الإسرائيلي الذي لم يتردد في استخدام أفتك وأعتى الأسلحة المحرمة دوليا ضد السكان المدنيين بعدما عجز جيشه ( الذي لا يقهر ) عن المواجهة المسلحة ...
◙ الجزائر ومصر : " أش خصك ألعريان " ؟ !
لن أجد أبلغ من هذا المثل الشعبي المغربي للتعبير عن مأساة الشعبين الشقيقين الجزائري والمصري ، وقصة هذا المثل أن أحدهم سأل شخصا عاريا " أش خصك ألعريان ؟ قالوا : خاتم يا مولاي " ، ففي الوقت الذي بلغت فيه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في القطرين معا حدا غير مسبوق ، يتم عبثا تناسي كل الآلام والأحزان ، ويُغَض الطرف عن مكامن الداء ، ويهدر وعي الشباب بإزاحة غضبه وتوجيهه وجهة تلائم الحاكم العربي الذي يسمح بكل شيء ، إلا بأن يُشَكَّكَ في مشروعية حكمه ، أو بأن يجرؤ أحد من الرعية على المس بمقدس من مقدساته ...
◙ كرة القدم وحب الوطن : الوهم والحقيقة
تجد أنظمتنا العربية في مباريات كرة القدم فرصة مناسبة لإفراغ حب الوطن من معناه الحقيقي ، فيتم تقزيم الوطن تاريخا واقتصادا ومجتمعا وهوية وثقافة وفكرا ... في منتخب يتكون من بضعة لاعبين ، يُحَمِّلُهُم الإعلام الرسمي مسؤولية تمثيل الوطن في مختلف المباريات والمحافل واللقاءات ، فيصبح انتصارهم انتصارا للوطن ، وانهزامهم انهزاما للوطن أيضا ، وتنطلي الخدعة على الجماهير العريضة التي تُشْعِلُ ثورات الغضب العارمة لخسارة الفريق الوطني وما يرافقها من عنف وتخريب ، أو تعمد إلى " استقبال مدرب الفريق وأعضائه بعد الفوز وكأنهم أبطال التحرير ، أو أبطال العبور من المهانة إلى الظفر والاعتزاز الذي يطلق نشوة لا مثيل لها في طوفان بشري يحتفل حتى الصباح " وهذا ما يؤكد نجاح الأنظمة في " إزاحة الإحباطات الوجودية من مواقعها الأصلية إلى مواقع الملاعب والمباريات " ، حيث يجد المواطن المقهور ، والمهدور ، والمغلوب على أمره ، فرصة الصراخ والانتفاض والاحتجاج ، غير أنه عوض أن يحتج ضد الظالمين مصَّاصِي الدماء تراه يحتج ضد الفريق الخصم ، وعوض أن يطالب بالعدل في قسمة الأرزاق تراه يطالب بالعدل في تسيير المباراة ... أما في حالة الانتصار فإن الفرحة الوهمية التي تغمره تُنْسِيهِ مرارة ما يعانيه من فقر وحرمان وبؤس وشقاء ، لذلك فإنه لا يتردد في المبالغة في تفجير هذه الفرحة بشكل هستيري يعبر عن حاجة ماسة إلى اقتناص لحظة فرح ولو كاذبة في زمن رمادي يجرعه مرارات الذل والهوان ، ويلبسه براقع الضياع والهدر والاستباحة ...
◙ الحاكم العربي : الرياضي الأول
يحلو للحاكم العربي أن يحتل الرتبة الأولى في كل مجالات الحياة ، فهو : السياسي الأول ، وهو الاقتصادي الأول ، وهو العالم الأول ، وهو القناص الأول ، وهو الفنان الأول ، وهو الرياضي الأول ... وهو بالجملة الحاضر الأول في كل زمان وفي كل مكان ، وهو المطلع على كل ما يقال وعلى كل ما يفعل ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، يعلم ما بين أيدي الرعية وما خلفها ، ولا تحيط بشيء من علمه إلا بما شاء ، وسع ملكه مشارق الوطن ومغاربه ... هكذا يتعالى تماما عن المنافسة ، ولا يرضى بغير الرتبة الأولى بديلا ... وكم يحلو له أن يظهر بمظهر الراعي الأول للفريق الوطني خاصة في حالة انتصاره ، ولا يتردد في التقاط صور تذكارية رفقته تأكيدا لعطفه الأبوي المنقطع النظير ... لأن انتصاره يتحول إلى انتصار في معارك المصير " أو ليس في الارتباط بين إنجاز الفريق الوطني واستقرار النظام السياسي دلالة عميقة على مقدار هذه الإزاحة ؟ أو ليس لافتا للنظر تصوير الانتصار في المباراة وكأنها إنجازات وطنية للنظام السياسي ؟ "
أقول أخيرا لشباب الأمة المهدور وعيا وطاقات وانتماء ، لقد آن الآوان لأن نستيقظ من هذا الوهم الكاسح ، آن الأوان لأن نسمي الأسماء بمسمياتها ، ولأن نضع النقط على الحروف ، ولأن نميز بين مواطن الجد ومواطن اللعب ، ولأن نبدأ معركة تحرير أوطاننا من قبضة المستبدين الذين يريدون إبقاءنا تحت الحجر والوصاية إلى الأبد ، والذين يعملون جاهدين من أجل سلبنا الحق في امتلاك أدوار حاسمة في قضايا الوطن سواء من خلال " التطفيل " أو من خلال الإلهاء بمختلف ألوان التسلية والإثارة ، كي تكال لنا من ثم التهم بالميوعة وعدم الجدية ، وقلة تحمل المسؤولية . وأقول للجلادين المخادعين كفاكم خداعا ، فإن التاريخ لا يرحم ، كما أن " الهوية الوطنية " لا يمكن اختزالها في " النحن الكروية " ، أقول لهم كفاكم ضحكا على الذقون ، وكفاكم لعبا " فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون " الزخرف / 83

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©