نصوص

بورقيبة وبناء الدولة

Normal 0 21 false false false IT X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:8.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:107%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri",sans-serif; mso-ascii-

0
3 أبريل 2016
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

وتونس تحتفل بالذكرى الستين للاستقلال يعود موضوع بورقيبة والبورقيبية للواجهة ويعود معه التسابق الى الانتماء الى هذا الارث ان صح التعبير والافتخار به بل واحتكاره وكأنه طوق نجاة لمدّعي الحداثة والانتماء الى الدولة المعاصرة وربما صك غفران من الانتساب لخليفته وصنيعه الرئيس المخلوع بن علي.

فما هي حقيقة مشروع بورقيبة؟؟

وهل بنى بالفعل الدولة الحديثة؟؟

وهل حرّر المرأة وعمّم التعليم كما يدّعي المدافعون عنه؟؟؟

لا يمكن الاجابة عن هاته الأسئلة بموضوعية دون استحضار حالة الجمهورية الأولى منذ الاستقلال الى أن غادرها بورقيبة مكرها من قصر رئاستها ذات خريف من سنة 1987 وهي فترة امتدت لـ 32 سنة (1987/1956) ومقارنتها بنظيراتها فيما يعبر عنه بالعالم الثالث أو العالم العربي والاسلامي.

أخذت تونس الاستقلال كبقية دول المغرب العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكانت تعتبر أن فرنسا حامية وليس مستعمرة وبدأ بناء الدولة المستقلة الفتية بانفجار الخلافات الداخلية حول مفهوم وحقيقة هذا الاستقلال وهو ما أثر على علاقات القيادة السياسية لتونس الجديدة في العشرية التي عقبت الحصول على هاته الوثيقة -رغم غيابها المادي الى يومنا هذا حسب بعض المؤرخين- وانتقل الصراع بين الاشقاء ليصل حد التصفية الجسدية والملاحقات القضائية بتهم الخيانة ومحاولة الانقلاب وهو ما عرف بالصراع البورقيبي-اليوسفي هذا الصراع سرعان ما أصبح الميزة الثابتة في علاقة بورقيبة بمن يشم فيه رائحة المعارضة كاتحاد الشغل مرورا باليساريين والقوميين وصولا الى الإسلاميين، ولم تعرف تونس في حكم بورقيبة أي لغة للحوارعدى لغة المحاكمات والسجون أو لغة التدجيل والتهميش كما فعل بجامعة الزيتونة والوقف والاتحادات النقابية القطاعية المختلفة من الصحفيين والمحامين والقضاة وصولا الى المنظمات الوطنية اتحاد الأعراف واتحاد الفلاحين وغيرها ...

وعاشت تونس صراعات مريرة حيث لم تمر الذكرى الخامسة للاستقلال الا وقد نصبت المشانق لقيادات عسكرية ويسارية بتهمة محاولة الانقلاب سنة 1962 بعد أن اغتيل الزعيم صالح بن يوسف في ألمانيا في شهر أوت 1961.

وامتازت السبعينات بصراعات حزبية انقلب فيها بورقيبة على أحمد المستيري سنة 1974 واستغل ذلك ليقر خلالها الحكم مدى الحياة قبل أن تشهد البلاد توترات اجتماعية سنة 1978 خلفت عديد القتلى.

أما الثمانينات فقد أطلت على تونس بأحداث قفصة الدامية في جانفي 1980 قبل أن يتجه بورقيبة الى صراعه المرير مع الإسلاميين والذي ملأ بهم السجون حتى أنه طالب برؤوس بعضهم لكن أحداث الخبز الشهيرة سنة 1984 لم تمهله كثيرا ومع تقدمه في السن وتكالب من حوله على وراثته أصبحت تونس كالبيت بدون رب فتسارعت الأحداث الى أن تخلص منه من أتى به ليُخلصه من خصومه السياسيين سنة 1987.

هكذا اختزل بورقيبة تونس كلها في شخصه دون سواه فلا صوت يعلو فوق صوت "المجاهد الأكبر" ولا صوت يعلو فوق صوت "باني الدولة الحديثة"، وأصبحت المعادلة لديه اما أن تعيش تحت جبة البورقيبيّة ولا تخرج عن طوعه أو أن تعيش مطاردا أو منفياّ أو معتقلا بتهمة الخروج عن الاجماع الوطني...

وهو ما أثر ذلك حتى على القرار الوطني الذي بقي مرهون بالأنظمة الخارجية التي تدعم الزعيم وتنفخ فيه وبقيت تونس تابعا لمستعمرها وفية له رهنت اقتصادها باقتصاده لا يحق لها مجرد التفكير في الاستقلال الاقتصادي ناهيك عن قرارها السيادي...

أما فيما يخص الدولة فقد عاشت تونس كل تاريخها بالاعتماد على الدولة المركزية خاصة بعد القضاء على الروابط العشائرية والانتماء القبلي الفطري لدى الانسان وبالتالي اختفاء الروابط العائلية بدعوى أنها السبيل الوحيد للتقدم والازدهار.

في هذا الخضم نسي بورقيبة أو تناسى أن تونس قد ورثت عن الاستعمار الفرنسي بنية تحتية بسيطة وبدائية والواجب أن يعمل على تطويرها ومضاعفتها في بلد صغير ليس له موارد طبيعيّة أو اقتصادية كثيرة غير الفلاحة والصيد البحري وبعض الموارد التي لا تكاد تغطي الحاجيات المحلية.

فتونس التي كانت تسمى بـ "مطمورة روما" لما تصدره لأوروبا من خيرات فلاحية أصبحت تستورد الحبوب والماشية لتغطية حاجياتها ليس الاّ لأن ساستها وأولهم بورقيبة أرادوا أن يقنعوا شعبها أن بلادهم بلاد سياحية بامتياز وليس فلاحية وهي أكبر جريمة ارتكبت في حق الوطن فكيف لهاته الدولة الضعيفة أن تنازع دول سياحية بامتياز كإيطاليا ومالطا وتركيا وغيرها؟؟؟

وعوض أن يرفع شعار العمل والجهد لتحسين الوضع الاقتصادي للشعب الفقير ويبعث فيه روح المثابرة والابتكار ويعيد للبلاد مجدها الفلاحي بما حباها الله من بيئة سهلة وطقس معتدل ترك ذلك جانبا ورفع تحديه تحت معارك وهمية بقيت شعار دون الغوص في حقيقتها كالتعليم وحرية المرأة والاستثمار في العقل التونسي وهو ما يطلق عليه بالاستثمار في "المادة الشخمة". وكان أول خطوات تحرير المرأة بخروجها للعمل ومنع التعدد وهو ما ضمنه في مجلة الأحوال الشخصيّة التي أثارت ولا تزال الجدل وهي شعارات تجلب الاهتمام غير أنها بقيت مجرد شعارات فالاحصائيات الرسميّة تبعث بالخشية من مسألة المرأة بعد مرور نصف قرن من رفع هذا الشعار فنسبة الاعتداء على المرأة هو الأعلى لدى نظيراتها العربية ونسبة الأمية لديها مازالت جد مرتفعة ناهيك عن التفيك الأسري والطلاق والعنوسة االتي أصبحت ميزة الدولة التونسية.

ولا يتصور أحد أن المرأة التونسية قد سبقت أو تجاوزت نظيراتها المغربيات أو الأردنيات أو اللبنانيات أو غيرهن في أي مجال من مجالات التعليم أو الحرية أو الثقافة ....

أما الاستثمار في التعليم فيكفي ان تقارن بين ما وصل اليه حال التعليم في تونس وما وصل اليه في بلدان مشابهة افريقية وعربية على وجه الخصوص بل يكفي أن ترى أن غزة التي تعاني من الحصار لأكثر من 10 سنوات تتقدم جامعاتها على نظيراتها التونسية في جودة التعليم ومستوى تحصيله وقس على ذلك الخدمات الصحية والادارية التي تبعث على الوجل حتى أصبح معدل الانتاج لدى الموظف التونسي لا يتجاوز الساعة الواحدة من 8 ساعات مداومة.

وها اننا نستفيق اليوم وبعد ستة عقود من الاستقلال على واقع مؤلم للمؤسسات التربية سواء على المستوى البنية الآوية للانهيار أو على المستوى الرسالة التربية في حد ذاتها وهي ما كانت لتصل الى ذلك بيه عشية وضحاها لولا لم تكن سياسة التعليم قد بنيت على وهن وما حملات جمع التبرعات لترميم المؤسسات التعليمية والدعوة لمؤتمرات اصلاح التعليم بعد انتشار العنف وانهيار المستوى العلمي الا خير دليل على ما وصل اليه حال البلاد.

ماذا لو قارنا تونس هذا البلد الذي يحسد على موقعه الجغرافي والطبيعي ببلدان تحصلت على الاستقلال في نفس الفترة؟؟؟

ماذا لو قارنا تونس بماليزيا التي استقلت بعدها بعشر سنوات؟؟

قد يقول البعض أن بورقيبة هو أب الدولة التونسية المعاصرة وأنه جاء بإلزامية التعليم وهذا لعمري صحيح ولكنه أمر طبيعي في كل أنظمة المنطقة فكما ارتبط تاريخ مصر بعبد الناصر رغم أنه أضر بمصر أكثر مما نفعها فقد ارتبط تاريخ الجزائر ببومدين وتاريخ المغرب بالملك الحسن الثاني وهكذا ولكن الفلاح والنجاح يُعد عندما يتجاوز التطور الطبيعي للدول ويُحدث الامتياز والنقلة الغير عادية كما فعل مانديلا بجنوب افريقيا ومهاتير محمد بأندونيسيا أما دون ذلك يبقى هُراء ليس من ورائه طائل والا لمجدت اليوم إيطاليا موسيليني الفاشي و لافتخرت ألمانيا بهتلر النازي ...

 رضا المشرقي / ايطاليا

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©