برنامج تلفزيوني يحقق ما عجزت عنه منظمات
يسكن بمنطقة نائية تقع في الشمال الغربي لتونس، وينتمي إلى أسرة فقيرة يتولى هو مسؤولية إعالة أفرادها. كان يعمل بمؤسسة خاصة، وعندما نظمت وزارة التكوين المهني والتشغيل مناظرة لانتداب موظفين، شارك هذا الشاب، وأبلغته الإدارة بأنه قد تم قبوله، واشترطت عليه أن يأتيها باستقالة مكتوبة من عمله السابق. وهو ما فعله، لكن الوزارة استثنته مع 12 مرشحا نجحوا بدورهم، وحكمت عليهم بالبطالة منذ عام 2004، غير عابئة بظروفهم الاجتماعية البائسة. وفي حلقة أخيرة من البرنامج التلفزيوني التونسي «الحق معاك»، تم عرض هذه المشكل
- 8 مارس 2010
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
يسكن بمنطقة نائية تقع في الشمال الغربي لتونس، وينتمي إلى أسرة فقيرة يتولى هو مسؤولية إعالة أفرادها. كان يعمل بمؤسسة خاصة، وعندما نظمت وزارة التكوين المهني والتشغيل مناظرة لانتداب موظفين، شارك هذا الشاب، وأبلغته الإدارة بأنه قد تم قبوله، واشترطت عليه أن يأتيها باستقالة مكتوبة من عمله السابق. وهو ما فعله، لكن الوزارة استثنته مع 12 مرشحا نجحوا بدورهم، وحكمت عليهم بالبطالة منذ عام 2004، غير عابئة بظروفهم الاجتماعية البائسة. وفي حلقة أخيرة من البرنامج التلفزيوني التونسي «الحق معاك»، تم عرض هذه المشكلة، ورغم إحجام أحد المسؤولين عن التعليق أو التحدث مع صحافي البرنامج، فإن الجميع قد فوجئوا بتدخل وزير التشغيل، الذي اتخذ قرارا بإعادة النظر في هذا الملف، وتم التوصل إلى حل أرضى هذا الشاب ومن معه.
هذا البرنامج يحتاج إلى وقفة. ليس فقط بسبب النجاح الذي حققه والشعبية التي اكتسبها. ولكن لاعتبارات إضافية عدَّة نستعرض بعضها في النقاط التالية:
* رغم الطابع الاجتماعي لهذا البرنامج، فإنه يوفر للمشاهد ثقافة قانونية مهمة. هذه الثقافة ليست نظرية، بحكم كونها مرتبطة بمشكلات يواجهها المواطن يوميا، وهو ما يجعلها ثقافة حقوقية بامتياز. بمعنى آخر يقوم البرنامج، استنادا إلى المحامين الذين يتولون دراسة الشكاوى والرد على الجوانب ذات الطابع القانوني، بتوفير قدر من المعلومات التي من شأنها أن تقلص من حجم جهل المواطنين بحقوقهم، وتخفف من إحساسهم بالعجز أمام الإدارة وأجهزة الدولة، ما يشجعهم على المطالبة بحقوقهم المهضومة. وإذ يجري الحديث عن مئات الشكاوى التي وصلت إلى البرنامج، وقد يقدرها البعض بالآلاف، فذلك يعكس حجم المشكلات التي وُلدت وتعقدت في غياب احترام القانون وتقاعس الأجهزة الإدارية عن القيام بدورها الطبيعي، وهو خدمة المواطنين.
* كشفت تجربة البرنامج عن حالة الارتباك والخوف التي يمكن أن تصيب الكثير من أصحاب المسؤوليات الإدارية الصغيرة أو حتى الكبيرة عندما يجدون أنفسهم أمام الكاميرا لمساءلتهم عن مسائل تقع في صلب مهامهم الإدارية. ولذلك يرفض الكثير منهم التحدث، ويتعذر باجتماعات فعلية أو وهمية. وهو ما دفع بأصحاب البرنامج إلى اللجوء إلى استعمال كاميرا خفية تخترق الحواجز والأبواب المغلقة، وترفع الغطاء عمَّا هو أعظم. لهذا السبب يخشى عديد المسؤولين الإعلام الحر. وحتى لا يذهب الظن بالبعض فيعتقدون أن المقصود بهذا الكلام هم المسؤولين الكبار؛ إذ تجد أحيانا موظفا صغيرا جدا يتطاول على الصحافيين ويعرقل مهمتهم، ويرفض أن يسمح لهم بحرية التعبير والمبادرة والوصول إلى مصادر الخبر. بل أحيانا قد يغضب رئيس جمعية أو أمين عام حزب معارض عندما تنتقده صحيفة، أو تنشر مقالا يعتبره مناوئا لحزبه. كثير من المسؤولين الإداريين الحكوميين يخشون من أن يؤدي الهامش البسيط من حرية التعبير إلى كشف المستور، من تقصير في الشغل، واستغلال للنفوذ، وابتزاز المواطنين من أجل الحصول على رِشَا، أو تمييز بينهم لأسباب شتى. وقد ازداد خوف بعض المسؤولين عندما تم ربط إقالة رئيس بلدية العاصمة بحلقة سابقة بثها هذا البرنامج. بمعنى آخر، كلما ارتفع سقف حرية التعبير، اتسع نطاق تطهير الإدارة ومختلف مؤسسات الدولة من أمراض شتى، يختفي أصحابها وراء الصمت غير الاختياري لوسائل الإعلام.
* قد يطرح بعض القراء السؤال التالي: هل يفهم من الكلام السابق أن في تونس يوجد قدر من حرية التعبير؟ والدافع إلى مثل هذا التساؤل اتفاق المنظمات الدولية والإقليمية المختصة في الدفاع عن حرية الصحافة والصحافيين حول القول بوجود أزمة تعبير حادة في تونس، خاصة خلال الأشهر الأخيرة. لكن، قد يفاجأ البعض عندما أقول إنه رغم ذلك التوصيف هناك قدر من الحرية يمارَس بأشكال متعددة. ولعل هذه تعتبر خصوصية تونسية. ففي الوقت الذي كان يمنع فيه الناشط الحقوقي التونسي خميس الشماري (قبل أن ينهي إضرابه عن الطعام) من استقبال أكثر من شخص واحد في بيته، كان في مقابل ذلك يسمح لصحافيي هذا البرنامج باستعمال كاميرا خفية لاقتحام مقرات عمل بعض الكوادر الوسطى في المؤسسات التابعة للدولة. وهو أمر لا يمكن حصوله إلا بدعم أو حماية من سلطة عليا. صحيح لم يبلغ الأمر درجة فتح النقاش حول الملفات الحارقة التي تشغل منظمات حقوق الإنسان والمعارضة التونسية، لكن ملفات حساسة عدَّة تناولتها القنوات التلفزيونية أو الإذاعية التونسية، بأسلوب مخفف لكنه لم يخل من جرأة. قد يكون ذلك بغرض امتصاص حالة الشك في مصداقية وسائل الإعلام الرسمية أو غير الرسمية. كما قد يكون الأمر اجتهادا من بعض الصحافيين الذين بادروا، ونجحوا في إقناع رؤسائهم بأنه لا خوف على «الاستقرار» من هامش صغير. فأزمة الإعلام المحلي لا تتحمل مسؤوليتها فقط الجهات الرسمية، وإنما أيضا توجد شريحة من الإعلاميين الذين يخافون من ظلهم، ويتوهمون بأن كل كلمة قد تخرج عن اللغة الخشبية ستؤدي إلى غضب المسؤول، وبالتالي معاقبتهم وحرمانهم من بعض الامتيازات الصغيرة.
الخلاصة أن حرية الصحافة شرط من شروط تحقيق التنمية، وأن برنامجا مثل هذا يخدم السلطة أكثر من ألف خطاب أو كتاب دعائي يؤلفه مرتزق مجهول. وبالتالي من مصلحة النظام أن يفتح نوافذ مقر الإذاعة والتلفزيون ليخرج الهواء الملوث، ويحل محله هواء نقي ينعش الرأي العام، ويعطي صورة مختلفة عن البلاد.