باراك أوباما: الجبهات المشتعلة
تطالعنا عمليات سبر الآراء كل أسبوع، بآخر النسب في ارتفاع أو انخفاض شعبية بعض الرؤساء ورؤساء الحكومات وزعماء المعارضة، فبين موعد انتخابي وموعد آخر يكون المؤشر الوحيد لشعبية الحكام ومعارضيهم هو استطلاعات الرأي، وهو تقليد ليس بدارج ولا هو راسخ في عاداتنا السياسية ولكنه في البلدان الديمقراطية والغربية بالتحديد مقياس لا تقاس به شعبية النجوم فقط بل سلامة القرارات والتوجهات والإصلاحات خاصة ما له صلة مباشرة بحياة الناس كالتشغيل أو التعليم أو التأمين الصحي.. وما له صلة بسياسة الدولة ومستقبل النظام مثل قر
- 9 نوفمبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
تطالعنا عمليات سبر الآراء كل أسبوع، بآخر النسب في ارتفاع أو انخفاض شعبية بعض الرؤساء ورؤساء الحكومات وزعماء المعارضة، فبين موعد انتخابي وموعد آخر يكون المؤشر الوحيد لشعبية الحكام ومعارضيهم هو استطلاعات الرأي، وهو تقليد ليس بدارج ولا هو راسخ في عاداتنا السياسية ولكنه في البلدان الديمقراطية والغربية بالتحديد مقياس لا تقاس به شعبية النجوم فقط بل سلامة القرارات والتوجهات والإصلاحات خاصة ما له صلة مباشرة بحياة الناس كالتشغيل أو التعليم أو التأمين الصحي.. وما له صلة بسياسة الدولة ومستقبل النظام مثل قرار الحرب أو اتفاقيات الوحدة أو المفاجآت الانقلابية في البلدان التي يعاجلها الفراغ السياسي أو التي لم تتضح فيها ولم تقنن أو لم تحترم قواعد وآليات وترتيبات تأمين الانتقال السلمي للحكم. ومن هذا حالها فغالبا ما تكون فيها السلطات متداخلة والعلاقات متشابكة والمصالح معقدة. وما معضلة التوريث إلا المظهر الخارجي لتلك التعقيدات.
في البلدان الديمقراطية وأياً كانت حدة الأزمة السياسية فإن الانتخابات لا يمكن أن تأتي إلا بمن حاز ثقة أغلبية الناخبين لحظة الانتخاب ذاتها، فاتجاهات الرأي العام يمكن أن يؤثر فيها أو يعدل منها حادث عرضي أو خطاب في ختام الحملة الانتخابية أو مناظرة بين المتنافسين.
إن الانتخابات تحتفظ بمفاجآتها وقد تأتي مخالفة لاستطلاعات الرأي ولكنها غالبا ما تكون مطابقة لها أو قريبة منها إذا ما أنجزت بدقة وصرامة ومهنية. وخلال العقود الأخيرة لم يحظ زعيم سياسي من الاهتمام الإعلامي العالمي ومن الحماسة والاستبشار بما حظي به الرئيس الأميركي من أصل إفريقي المرشح الديمقراطي باراك أوباما، فهو على التحقيق ظاهرة لافتة «ملأت الدنيا وشغلت الناس» ولعل ذلك ما جعل هيئة جائزة نوبل تمنحه جائزتها للسلام على الحساب قبل أن يشرع في تنفيذ برنامجه ووعوده. فهي جائزة بحجم الانتظارات من الرئيس الشاب وبحسب ما أظهره من أسلوب جديد أشاع التفاؤل والأمل.
إن أوباما نظريا كما يصفه الإعلام الغربي هو الرجل الأقوى في العالم، ولا يتعلق الأمر بشخصه وإنما بموقعه على رأس أقوى دولة من الناحية العسكرية والاقتصادية والعلمية والتقنية.. بما يعني أن نجاحه في إدارة أزمات العالم العويصة أو فشله سينعكس على كامل البشرية أو على أقسام منها غير هينة لما يوجد من ترابط وتأثير متبادل بين قضايا شعوب الأرض قاطبة ويبدو أن من بين العوامل التي أعطت أوباما تلك الشعبية في الغرب وحتى في بعض بلدان العالم الثالث التقاطع بين بعض أولوياته وأولوياتهم وهو ما لا يبدو أنه حاصل بيننا وبينه رغم الخطابات التي توجه بها إلى العرب والمسلمين معلنا فيها رغبته في التعاون وفتح صفحة جديدة في العلاقات الأميركية مع العالم الإسلامي مبديا تفهما لهموم أمتنا.
ولكن هل حقاً تتكلم شعوبنا وأوباما نفس اللغة وعلى نفس الموجة أم أن الكلمات في خطابنا وخطابه ليس لها نفس المدلول بما يجعل آمالنا في محو آثار مرحلة بوش الكارثية وهماً يحسن بنا أن نتخلص منه حتى وإن تسلحنا بالإيمان والتفاؤل وحسن النية والتزمنا بالواقعية والبراغماتية ومراعاة المصالح المشتركة؟
لقد استقبل المثقفون العرب وأبرز الأقلام الصحافية والكتاب عهد أوباما ووعوده بكثير من الشك والحذر ومنهم من هو مختص في السياسة الدولية وله معرفة بتفاصيل أوضاع المنطقة وبتاريخ العلاقات الأميركية العربية الإسلامية وبطبيعة المؤسسات الأميركية والسياسة الخارجية للولايات المتحدة رغم أن أي مواطن عربي وأي مسلم يمكن أن يعطيك رأيه في الإدارة الأميركية وكيفية تعاطيها مع القضايا العربية ومع الصراع العربي الإسرائيلي. والملاحظ أن حالة الشك والحذر لم تخفت ولم تتبدد حتى بعد أن استقر ساكن البيت الأبيض في منصبه وأخذ من الوقت ما يكفي للإمساك بالملفات العاجلة والعالقة كالملف الأفغاني والعراقي والفلسطيني والإيراني. حتى إن المفكر والباحث الفلسطيني منير شفيق الذي سبق أن كتب مقالات عديدة عن أوباما يذكر في مقال بداية هذا الشهر أن مشروع أوباما-ميتشل للتسوية هو «مشروع تصفوي للقضية الفلسطينية بكل ما تحمله الكلمة من معنى» كما أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران قد شكك في صدق نوايا الإدارة الأميركية من وراء دعوتها إلى الحوار المباشر مع إيران إذ ذكر هو الآخر في خطاب بمناسبة الذكرى الـ 30 لاحتجاز الطلبة الإيرانيين لموظفي السفارة الأميركية في طهران أن إيران ترفض أية مفاوضات تكون مفروضة النتائج سلفا معتبرا أن حوارا كهذا يشبه علاقة قوة بين الذئب والحمل.
أما الملف الذي أثار حفيظة المسلمين من خطاب أوباما حتى قبل فوزه بالرئاسة فهو وعده بزيادة القوات الأميركية في أفغانستان بما يدل على أنه أخذ مسافة من سياسة سلفه في العراق ولو إلى حين وأمعن فيها في أفغانستان إلى أجل غير معلوم وبكلفة غير مقدرة.
إن الدبلوماسية الأميركية جد نشطة وهي تتحرك بكامل ثقلها على كل المحاور والجبهات ولكنها لا تحقق تقدما يذكر وهي كما قال عنها وزير الخارجية السوري وليد المعلم تعود بعد كل جولة في المنطقة بمعطيات منقوصة أي لا تكفي للمساعدة في إيجاد الحلول لأنها لا تستمع إلى كل الأطراف ولا تقف من كل منها على نفس المسافة.
إن ميتشل الديناميكي البشوش الذي يوزع الابتسامات بلا حساب لا يختلف كثيرا عن ديفيد وولش الهادئ المتكتم ذي النظرة الماكرة، فكل منهما متحيز إلى إسرائيل يضغط باتجاه التطبيع ويحشد المعارضة ضد حماس وينصت أو يملي تعليماته على معسكر الاعتدال العربي ويتجاهل أو يلوح بالتهديد لمحور الممانعة.
منذ أسابيع كتبت شخصية أمنية مرموقة في دولة إقليمية ذات ثقل في المنطقة مقالا بإحدى الصحف الأميركية دعت فيه إلى تجاوز الخلافات وتنسيق الجهود في محاربة الإرهاب، وقد بدا للوهلة الأولى وكأنها تعبر عن أمنية في حين أنها على الأرجح تلمح إلى طور جديد من الفوضى الخلاقة على عهد باراك أوباما يمتد مسرحها من الصحراء الكبرى إلى آسيا الوسطى توزع فيها الأدوار بإحكام وتنشط فيها الدبلوماسية السرية لحلحلة الأوضاع، ولم لا تصفية القضايا، إذ سرعان ما دوت الانفجارات في بغداد وكابل وبيشاور وغيرها وأعلن الجيش الباكستاني خطة الهجوم الشامل على منطقة وزيرستان.
وعد أوباما بإغلاق معسكر غوانتانامو والتحقيق في جرائم التعذيب وكشف الغطاء عن السجون السرية والدفع بالعملية السياسية في العراق إلى أقصى مداها وجلب الإسرائيليين والفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات.. ولكن يبدو أنه نسي أن ما تورطت فيه أميركا وجعل سمعتها في الحضيض وغذى مشاعر الكراهية تجاهها كان منطلقه غزو أفغانستان والانحياز اللامشروط لإسرائيل وعلى صعيد هذين الملفين لا تزال الإدارة الأميركية بعيدة عن تحقيق معادلة العدالة والسلام والمصلحة المشتركة.
إن شعبية أوباما يمكن أن تتراجع داخل أميركا بسبب إصلاح النظام الصحي ولكن صورته وكامل مصداقيته يمكن أن تذهب بها الجبهات المشتعلة والمظالم المستمرة. إن ظاهرة أوباما قد يكون لها حظ في البقاء لكنها بكل تأكيد في سباق مع الزمن وفي حاجة إلى تعديل الاتجاه بعد أن تميزت بجدة الأسلوب.