نصوص
انما الفقه الرخصة من ثقة أما التشديد فيحسنه كل أحد
تناقلت وسائل اعلام وطنية عديدة نبأ قيام مجموعة نسبتهم تلك وسائل إلى "السلفية" بهجوم على حفل بدار الثقافة بالمكناسي كانت تحييه فرقة أولاد المناجم حيث قاموا بالإعتداء على أعضاء الفرقة والمنظمين للحفل و الحاضرين. وعلى رغم أن وسائل الإعلام المذكورة لم توضح أكثر أسباب قيام هذه المجموعة بهذه الأعمال ولا ما يمكن أن يكون قد صدر عن المتواجدين بدار الثقافة من ممارسات يمكن أن تكون قد استفزت هذه المجموعة، ولكن القيام بمثل هكذا أعمال ومهما كان الباعث عليها فإنها يجب أن تكون مدانة من الجميع ومنبوذة من كل وطني
- 21 ديسمبر 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
تناقلت وسائل اعلام وطنية عديدة نبأ قيام مجموعة نسبتهم تلك وسائل إلى "السلفية" بهجوم على حفل بدار الثقافة بالمكناسي كانت تحييه فرقة أولاد المناجم حيث قاموا بالإعتداء على أعضاء الفرقة والمنظمين للحفل و الحاضرين. وعلى رغم أن وسائل الإعلام المذكورة لم توضح أكثر أسباب قيام هذه المجموعة بهذه الأعمال ولا ما يمكن أن يكون قد صدر عن المتواجدين بدار الثقافة من ممارسات يمكن أن تكون قد استفزت هذه المجموعة، ولكن القيام بمثل هكذا أعمال ومهما كان الباعث عليها فإنها يجب أن تكون مدانة من الجميع ومنبوذة من كل وطني يخاف على وطنه ومن كل مسلم يغار على اسلامه هذا من حيث الشكل أي من حيث أسلوب التعامل مع المخالفين مهما كان هذا الإختلاف. ولا يمكن لعاقل فضلا عن وطني فضلا عن اسلامي أن يلازم الصمت ويدس رأسه في التراب تجاه ممارسات يمكن لا قدر الله أن تكون سوابق تؤسس لنهج مقيت من التعامل مع المخالف ولفوضى منفلتة من كل ضابط ولتصحر في الثقافة المدنية التي تسع المتفقين والمختلفين.
أما من حيث المضمون فإن المرء ليعجب ممن يقتحم الساحة بعد الثورة لا ليقدم ما عنده مما كان ربما قد حرم هو من فرصة تقديمه في مناخ الإستبداد، وحرم الشعب من الإستفادة منه, والإنتظارات في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدا، ولكنه اقتحمها فقط ليبين للناس ما يجب أن لا يقولوه وما يجب أن لا يفعلوه. وعوض أن يصارع الأقوال بأقوال أحسن والأفكار بأفكار أقوم والأعمال بأعمال أثمر "ولو كان كل ذلك من وجهة نظره الخاصة" تسحب البساط من تحت أقدام من يراهم يمثلون خطرا على الوطن وقيمه، ولأن جعبته فارغة من كل عطاء وعقله جامد عقيم عن كل ابداع للحلول ولو من وجهة نظره لما يمور به المجتمع من مشكلات تكاثرت وتراكبت وتعقدت بحكم طول فترة الإستبداد وبفعل التخريب الممنهج لكل قيم المجتمع التي هي بمثابة الجهاز المناعي له، فإنه يلجأ إلى الحلول السهلة ويختار أقصر الطرق وهي الرقابة على أقوال الناس وأعمالهم لاصدار الأحكام الصارمة والقطعية, ومن ثم الإنتقال الى تفيذها بالطرق التي يراها, غير مبال بالواقع من حوله وبمآلات تلك الأعمال. فليس لديه من آلية للتعامل مع الواقع الذي تعيشه المجموعة والظروف التي تحف حياتها سوى آلية واحدة وهي أن واقع الناس وظروف حياتهم يجب أن تخضع لرؤاه وأحكامه. أليست رؤى صادرة عن الشرع الحنيف؟ أليست لحمتها وسداها قال الله قال رسوله (ص)؟ أليس ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يجب أن يقوم به كل فرد على حسب وسعه و التعاون فيه من باب التعاون على البر والتقوى؟
وطبعا من يختار الحلول السهلة في أي ميدان، ومفهوم الحل السهل يختلف كليا عن مفهوم الحل الأيسر، لن تنتظر منه تفكيرا عميقا يشخص المشكلات تشخيصا يأخذ في حسبانه تعقيدات الواقع الداخلي والخارجي و ويقترح حلولا واقعية تحترم سنن التدرج التي أرساها الإسلام وتستفيد من التجارب البشرية وتستثمر منتجات العصر الحديث في ميدان مناهج الإصلاح والتغيير، وذلك لامر بسيط وهو أنه غير معني بواقع حياة الناس اليوم وابتلاءاته بقدر ما هو معني بصورة في ذهنه مبسطة يريد أن يحشر فيها المجتمع حشرا ولو اضطره ذلك لتحجيم جسد المجتمع وبتر أطرافه حتى يمكن رصه داخل قالب تلك الصورة. ومن هنا فإن أغلب المسائل لديه فيها قول واحد يجب أن نسير إليه أو وفقه, ولا عبرة بما استجد في حياة الناس وارتبطت به ولا بما عمت به البلوى فكل ذلك دخيل ومبتدع وهو ليس الا ثمرة انهزام أمام أعداء الأمة و أعراض لمرض الإعراض عن الله لا يجب أن تأخذنا بازالته رأفة ولا أن نتردد في المبادرة للتخلص منه. يستوي في ذلك ما صار واقعا يعم المجتمع بأكمله ويعسر ويشق التخلص منه وما هو خاص بحياة الأفراد مما يمكن لبعضهم أن يطرحه إن شاء ويدخل ضمن الإختيارات والحقوق الفردية.
وطبعا من كانت تلك طبيعة رؤيته للأمور لن تطالبه ببديل يملأ الفراغ أو يخلق التنافس كسبيل أنجع للتدافع وتصعيد الأفضل لأنه أصلا معني فقط بالشطب والإزالة والتطهير والهدم أما الإبداع أو تقديم البدائل فذلك لا يدخل في حيز اهتمامه.
وهذا الأمر ليس فقط لا يستقيم مع ارادة الحياة بل لا يستقيم مع اقامة الدين وقديما قال علماؤنا: انما الفقه الرخصة من ثقة أما التشديد فيحسنه كل أحد. وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها متحدثة عن تدرج القرآن في تنزل الأحكام وبالتالي تغيير المجتمع:« إنما نزل أول ما نزل منه سور من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد وإني لجارية ألعب: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}. وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده،»
هذا طبعا اذا اعتبرنا أن معضلات المجتمع تتمثل في بعض السلوكات. أما اذا كنا أمام انهيار شامل يخلق لدينا فراغا في كل شيء هو أشبه بثقب أسود يجذب إليه كل ما وجد حوله من منتجات العالم ما رضينا منها وما لم نرض وفي كل مناح الحياة وتفاصيلها. وعند ذلك لن تنفعنا أمثال هذه التصرفات المتشنجة بل سترسخ لدى الأمة أنه ليس ليديها أي بديل عما غزاها من منتجات غيرها في كل الميادين إلا الصوم عن كل ذلك. وعندما نكون في هذا الدرك فلا نضحك على أنفسنا ونطالب صاحب هذه العقلية بالتدرب على احتمال الإختلاف والتنوع.