نصوص

انتفاضاتـهم... وانتفاضتنا

كانت التظاهرات الشعبية التونسية في عهود الاستبداد والـخمول، مـجرد تـجمعات بشرية تـجول في الساحات بعقود الياسـمين حول الأعناق، وبوردة الفل خلف الأذن، تـحمل الأعلام الوطنية الزاهية، تنشد الأناشيد الوطنية الـحماسية التي تتغنـى بالكرامة والمـجد، وتقوم بـمراسيم احتفالية تؤمن لمنظميها الرتب والألقاب الـحكومية من "السلطان الـجائر" ومـمن يلوذ حوله بالسلطة من الذين هضموا حقوق المواطن، وابتـزوا أمواله، واستـعبدوه وقد ولدتـه أمّـه حرّاً. أمّا بـعد شرارة لـهب الشهيد مـحمد البوعزيزي، لم تـعد هذه المظاهرات تر

0
15 مارس 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

كانت التظاهرات الشعبية التونسية في عهود الاستبداد والـخمول، مـجرد تـجمعات بشرية تـجول في الساحات بعقود الياسـمين حول الأعناق، وبوردة الفل خلف الأذن، تـحمل الأعلام الوطنية الزاهية، تنشد الأناشيد الوطنية الـحماسية التي تتغنـى بالكرامة والمـجد، وتقوم بـمراسيم احتفالية تؤمن لمنظميها الرتب والألقاب الـحكومية من "السلطان الـجائر" ومـمن يلوذ حوله بالسلطة من الذين هضموا حقوق المواطن، وابتـزوا أمواله، واستـعبدوه وقد ولدتـه أمّـه حرّاً.

أمّا بـعد شرارة لـهب الشهيد مـحمد البوعزيزي، لم تـعد هذه المظاهرات ترفاً، ولا ذكريات للتغنـي، ولا احتساءً للشاي المرّ مع البندق في المقاهي شأن الكسالى المنتفخين غروراً وجهلاً، بل أصبحت بـمثابة نـقاط انطلاق لعودة التونسيين إلى ساحات الجهاد في المدن والقرى لبعث الوعي الوطني في وجدان الشعب، ولكشف منابع قوتـه.

لقد تـحوّلت التظاهرات الشعبية في تونس إلى انتفاضة عامرة تـجسد فعل التاريـخ المضيء، العلمي والعملي، الذي يـحيك لأجيال تونس خيوط المستقبل، وحين نتطلع إلى انطلاقة الانتفاضة نرى لوحات تونسية تتـزاحم بكثافة مذهلة لتملأ ساحات سيدي بو زيد معلنة أن الـحرية، العدالة وحق تقرير المصيـر قضايا حيّة فاعلة... وفود تتقاطر من كل حدب وصوب، لا ينقطع سيل صفوفها تدق الأرض بأقدامها وتـملأ  الفضاء بدوي هتافاتـها: " أرحل، أرحل... لتحيا تونس حرّة".

أي عمق عجيب في ارتباط القلب والشعور والإرادة والعقل، يتفجر في كيان كل واحد من المنتفضين بالفرح والزهو والاعتـزاز وهم ينشدون مقطوعة ملهمهم الشاعر الرائع أبو القاسـم الشابي:

" إذَا مَا  طَمَحْـتُ  إلِـى  غَـايَةٍ رَكِبْتُ   الْمُنَى  وَنَسِيتُ   الحَذَر

وَلَمْ  أَتَجَنَّبْ  وُعُـورَ  الشِّعَـابِ وَلا كُبَّـةَ  اللَّهَـبِ   المُسْتَـعِـر"

 

أمّا الانتفاضات الشعبية التي انـفجرت في جـميع أقطار العالـم، قادتـها فئات شعبية نذرت نفسها لـخدمة شـعبها ووطنها، ولو كان ثـمن هذا النذر التضحية بالـحياة نفسها، ومن يبدي استـعداده للتضحية بـحياته من أجل هدف إنساني، وطني، سام ونبيل، هو إنسان مؤهل ومستـعد لاستـعمال جـميع الوسائل المدنيّة والعسكرية للوصول إلى هدفه بانتـصار الانتفاضة، وقد قرأنا في كتب التاريـخ أن الانتفاضات السلميّة، المدنيّة التي كانت غافلة عن الأخطار الكامنة لـها قد فشلت في تـحقيق هدفها، عكس الانتفاضات اليقظة التي حـملت سلاحها في يدها لتملي إرادتـها، فحققت انتصاراً، وأقامت نظاماً جديداً يضمن  تقدماً لأوطانـها.

وإن كنّا لا نستـطيع أن نقيس أسلوب الانتفاضة الشعبية في تونس بـمقاييس الانتفاضات التي حسـمت أمرها باستـعمال السلاح، إلا أن شروط استـعماله ما تزال قائـمة ما دامت العناصر الأمنية الفاسدة تستـعمل العنف الشديد بـحق المنتفضين في أكثر من منطقة، وبتواريـخ متتالية، أو إلى أن يتم تطهيـر مؤسسات الدولة من الانتهازيين والفاسدين.

حتى الساعة ما تزال الانتفاضة الشعبية التونسية تـحافظ على خصوصيتها المدنيّة السلميّة، صابرة على مسلسل القتل، التـعدّيات والسرقات، مـما يـجعلها في خطر دائـم، حتـى أن البعض أعطاها اسـم " انتفاضة الياسـمين" كدليل على مسالمتها وطيبتها ووداعتها ورقـتها بالرغم من "سقوط مئات الشهداء والـجرحى والمتضررين" على حد تعبيـر الـمجاهد الـحقوقي الأستاذ أيوب الصابر.

وبالتأكيد هناك من يعتبـر أن استـعمال السلاح ليس عبارة عن انـحطاط ثقافي أو دليل شراسة، بل دليل تفوق نفسي راقٍ إذ ما استـعمل بأخلاق وذكاء وبـموضوعية، وبأشراف جيشنا الباسل لأن القوة هي القول الفصل في وقف مسلسل التـعديات والإسراع في تثبيت الأمن وإحلال السلام.

في غياب الرؤية السياسية، الاقتـصادية، الاجـتماعية والعسكرية الواضحة والشفافة لمستقبل انتفاضتنا  المباركة، تبقى الأبواب مفتوحة على مصارعها لأية احـتمالات بعضها يثيـر الريبة والقلق، وينقل الشعب من " دلفة" الاستبداد والفساد والديكتاتورية، إلى " مزاريب" لا تـحمد عقباها.

تيسيـر العبيدي ـ باريس     

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©