نصوص

انتخابات المجلس التأسيسي الامتحان الأول للثورة

انتخابات المجلس التأسيسي الامتحان الأول للثورة بين الحياة و الموت : منذ الاطاحة بالمخلوع و البلاد التونسية تعيش الفوضى : حكومة مؤقتة و غير شرعية في طريقة تعيينها و تم قبولها على مضض، تسير البلاد بدون دستور ،مرجعيتها قوى خفية غير مرئية بالعين المجردة و لكن الجميع يحس بوجودها و تأثيرها على مجريات الأمور ، عدد العاطلين قارب المليون من جملة عشرة مليون تونسي يعاني أغلبهم الفقر ، بوليس ما يزال يمارس القمع و البطش كعادته القديمة ( ولي خلى عادته خلى سعادته) ، حدود مهددة من الاختراقات الأمنية ، أسلحة متن

0
1 يونيو 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

انتخابات المجلس التأسيسي

الامتحان الأول للثورة

 بين الحياة و الموت :  

       منذ الاطاحة بالمخلوع و البلاد التونسية تعيش الفوضى : حكومة مؤقتة و غير شرعية في طريقة تعيينها و تم قبولها على مضض، تسير البلاد بدون دستور ،مرجعيتها قوى خفية غير مرئية بالعين المجردة و لكن الجميع يحس بوجودها و تأثيرها على مجريات الأمور ، عدد العاطلين قارب المليون من جملة عشرة مليون تونسي يعاني أغلبهم الفقر ، بوليس ما يزال يمارس القمع و البطش كعادته القديمة ( ولي خلى عادته خلى سعادته) ، حدود مهددة من الاختراقات الأمنية ، أسلحة متنقلة بشمال البلاد و جنوبها... سياحة معطلة...فنادق خاوية... مصانع مغلقة...مستثمرون محجمون ...خزينة مفلسة بفعل فاعل ... و قائمة تطول بالمصائب و العوائق لا تخفى على أحد و ليس هذا فحسب فرئيسي الحكومة و الدولة على السواء تجاوزا سنهما القانوني و الافتراضي بمراحل لمتابعة تشكيل الحكومة و الاشراف على بناء الدولة ، فكلاهما في العقد الثامن من العمر و من منظور طبي لا يجوز لهما ممارسة مهام شاقة ناهيك عن ادارة حكومة ملغومة و السهر على أمور عشرة مليون تونسي يتعطش لعهد جديد ، فكان حري بهما أن يستعدا للمرحلة القادمة من عمرهما و يتركا اثرا طيبا يشفع لهما في الدنيا و الآخرة قبل ان يدركهما الموت، و لا أدري لماذا يرغبان في تمديد بقائهما في السلطة لزمن أطول من ذلك و ظروف البلاد لا تحتمل التمديد و لا التأخير و لا التأجيل .

 

لعبة تقسيم الأدوار :   

    استفاد السيد قائد السبسي بخبرته الطويلة بشقيها البورقيبي و المافووي فضلا عن فترة الباي التي مر بها فهو يشكل مدرسة سياسية مخضرمة لا يستهان بها على الساحة الوطنية و الاقليمية اذ يحمل في جعبته خبرات أجيال و أجيال و يعتبر بدون منازع شيخ الساسة التونسيين بلا منازع و لكن هذه الصفات الحميدة لا تغفر له  مسألة التآمر على الثورة و الالتفاف عليها و رد الاعتبار لأستاذه الأول و وريثه المخلوع الذي صار على دربه و ذلك عبر تثبيت العلمانية المتطرفة و اللائكية المنبوذة و ينجز ذلك كله و هو في خريف عمره .

    أجاد و باتقان دور المناصفة بينه و بين الهيئة العليا للمجلس الانتخابي في تداول كرة تأجيل الانتخابات و التشويش على الساسة و الشباب و القوى الوطنية فانحرفت البوصلة عن قبلتها الأساسية و تشتت ذهن الباحثين عن الخلاص و فقدوا تركيزهم عن القضية الأم ، فبدلا أن تتوحد الجهود لبناء تونس الجديدة فاذا بها تضيع بين الأرقام و العمليات الحسابية المجردة .

  

  القاسم المشترك بين السبسي و الأسد و علي صالح :  

        ان الذي يجمع بين قائد السبسي و رئيسي سوريا و اليمن هو اطالة أعمارهم للبقاء في السلطة أطول فترة ممكنة و ان اختلفت الوسائل و الطرق فان كان كل من الأسد و علي صالح اختارا سلاح النار و الرصاص لمواجهة شعبيهما فان السبسي  اختار سلاح المراوغة و المكر السياسي و الترويض الاجتماعي مستفيدا من خبرته الطويلة و علاقاته الممتدة داخل البلاد و خارجها و التأييد المبطن له من قبل بقايا النظام المخلوع و جهاز الأمن و اليسار المتطرف و شلة من الانتهازيين النفعيين ، و يتبين لمراقب الأحداث في تونس ان سلاح السيد قائد السبسي أكثر خطورة من رئيس سوريا و رئيس اليمن لأنه يحقق أهدافه دون اراقة دماء أو هدم بيوت و بأقل تكاليف الى درجة أن احتار الساسة و المعارضة كيفية التعامل معه فهو يحسن اللعب و المراوغة و التكتيك و توزيع الأدوار و حسن جدولة الزمن على رزنامة لا تخطئ موعدها  

 

 من حكومة مؤقتة الى حكومة دائمة :  

     اذا ما نجحت الضربة الاولى في تأجيل الانتخابات ستتبعها بالتأكيد عمليات تأجيل أخرى وهمية...ثانية... و ثالثة... ورابعة تحت علات وهمية و متباينة في نفس الوقت و لكن في نهاية المطاف تتطلع لهدف واحد و هو اطالة عمر الحكومة المؤقتة لتصبح حكومة دائمة و قابلة للتجديد اذا استوجبت الحاجة فيتم تمديد عقد مزاولة نشاطها على مرأى و مسمع من الساسة و الثوار و الوطن و الكل في حيرة من أمرهم ما بين القبول بالأمر الواقع و اضاعة مكاسب الثورة جهارا نهارا أو الانتفاضة على ما آلت اليه الأوضاع من انتكاسة و سرقة  للثورة و بذلك تدخل البلاد في دوامة عنف و طريق مسدود و مستقبل مجهول و هذا ما تتمناه العناصر الفاسدة  .

 

  دواعي تأجيل الانتخابات :  

     لم يقتنع أحد من الشعب التونسي  بالأسباب التي سردها المجلس التأسيسي كحجة لتأجيل الانتخابات متعللا بالنواحي الفنية و اللوجستية و كأني به بصدد تجهيز طائرة نفاثة تصعد للسماء لتثبيت قمرا صناعيا بالجو و اذا به في اللحظات الاخيرة تبين للفريق الفني خللا فنيا ما ألزمه تأجيل تحليق الطائرة ريثما يتم تصليح العطل الفني . ففي مثل هذه الحالات فقط او ما يشبهها  كغرف العمليات أو معامل التحليل أو ورشات التصنيع  يمكن القبول بالتأجيل اما غير ذلك فهو هراء و عبث .   

و المواطن البسيط الذي اسقط بفطرته و بساطته أعتى ديكتاتورية بالمنطقة يرى في المسالة التأجيل أمرين لا ثالث لهما :

اما هيئة المجلس التأسيسي تفتقد للخبرة و التجربة و لا تتسم بالكفاءة الادارية و التنظيمية للاشراف على تنظيم الانتخابات ، و في هذه الحالة حري بها أن تحزم أمتعتها و ترحل لأنها و بكل بساطة ليست أهلا للمهمة .

و الأمر الثاني أنها خائفة من شيء ما . و غالب الظن خوفها من الهزيمة أمام زحف الاسلاميين و التفاف الجماهير حول الحركة الاسلامية و التصويت لها قبل موعد الانتخابات و قد ظهر ذلك جليا في مهرجانات الحركة على طول البلاد و عرضها و في هذه الحالة على الهيئة أيضا أن تجمع حقائبها و تستقيل لأنها غير محايدة و منحازة و لا تتسم بالوطنية و تريد أن تنحرف بالثورة عن مسارها الطبيعي .

 

 الوقت : الورقة السحرية في عملية التأجيل :  

       الظاهر في عملية الـــتــأجيل هو ربح الوقت و اللعب على الزمن و لكن ليس هنا الزمن المقصود في ذاته انما الزمن لضمان ترتيب شيئا ما و الزمن في المعارك يعتبر أساسي و فاصل لحسم النتيجة في نهاية المعركة و لكن ماذا هذا الشيء الذي تعد له الحكومة المؤقتة تحت عباءة الهيئة و من لف حولها ؟ :  

     في الوقت الذي تستعجل فيه القوى الوطنية الجادة لحلحلة المشاكل و السير بالثورة نحو بر الأمان و انقاذ ما يمكن انقاذه قبل انفجار الأزمات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية تعمل قوى الظل أو اللوبي التونسي على تقنين الفوضى و البلبلة لأنها اعتادت على العيش في الماء العكر و لا يطيب لها مقام بمياه طاهرة و معقمة و لذلك نشر الفوضى الذكية يسمح لها بالامساك بزمام المبادرة بالتعاون مع القوى الأمنية التي تريد ان تنتقم للاهانة التي حلت بها وتتفشى من كل شاب يامل في الحرية و الحياة الكريمة .

 

اخماد نار الثورة :

     كان الشارع التونسي يغلي تحت نار الثورة الملتهبة و كلما خمدت نارها أشعلها الشباب الثائر و أسقط بحماسه و وعيه مؤامرات الطرابلسية و الغنوشي الوزير و أذيال المخلوع جميعا فلم يقدر أحد من هؤلاء الصمود أمام نار الثورة لانها تحرق كل من يقتربها و لذلك قبل تمرير أي مشروع مسموم يجب اخماد نار الثورة و امتصاص غضب الجماهير الثائرة عبر الوعود الكاذبة و الأخبار المسكنة للألام، كالاعلان عن البدء في اجراءات طلب جلب المخلوع تارة و تارة أخرى الكشف عن كنز جديد بقصور الرئيس ثم خبراعتقال مجموعة ارهابية و مرة تجميد أصول العائلة الحاكمة و هكذا تختلط الأمور على المواطنين و يفقدوا التركيز على المهمة الأم و ينشغلوا بالاخبار اليومية المخطط لها سابقا لتمييع القضية و تغيير وجهة اهتمامات الشعب لمسائل ثانوية لا قيمة لها .

  

   طمس الحقائق و اتلاف الملفات الكبرى :

      لا يختلف اثنان على أنه ما تم ذكره الى حد هذه الساعة من سرقات و خيانة للوطن و معاملات مشبوهة من قبل المخلوع و عائلته غير كافية و غير مكتملة لأنها قد تفتح أبوابا و تكشف أسماء و وثائق قد تأتي على الأخضر و اليابس و تدين كثيرا مما نعرفهم و نشاهدهم على شاشة التلفزيون و وسائل الاعلام الأخرى . و لا يخفى على أحد ان العناصر الادارية الحالية التي ما يزال الكثير منها يحافظ على منصبه كانت هي نفسها الأداة التنفيذية للرئيس المخلوع و العائلة الحاكمة و لذلك مسألة تأجيل الانتخابات مفيدة لهؤلاء و تساهم في توفير الوقت اللازم لاعدام الوثائق و المستندات التي تدين الذين عملوا في دواوين الحكومة السابقة و ما يزالون يمارسون مهامهم في الحكومة المؤقتة و لذلك الالتزام بالمواعيد المتفق عليها لاجراء الانتخابات قد يحرج الكثير و يسقط رؤوسا كثيرة و يكشف عن أسرار كانت مخبأة في ادراج المكاتب المظلمة .

 

  اضعاف الحركة الاسلامية :  

    اعترف الشعب التونسي بمعدنه الأصيل لمجاهدات الحركة الاسلامية و تقديره لها و الاعجاب بتمسكها لمبادئها الثابتة التي لم تتغير بطول الزمن و تغيير المواقف و تعاقب الزعماء ، فكانت الحركة وفية لمنهجها الاصلاحي و سياستها الوطنية و انحيازها للجماهير المستضعفة و الفيئات المظلومة فما كان من هذا التلاحم و الانسجام بين الفئتين الا أن أزعج الكثير من المتربصين و أظهر لهم الوزن الحقيقي للأحزاب الورقية و أحزاب الصالونات و تيقنوا من الهزيمة الحتمية اذا ما مروا بصندوق الانتخابات و التزموا باللعبة الديمقراطية التي كثيرا ما يتشدقون بها و يدعون أنهم أبنائها الشرعيين ولكن مع اندلاع الثورة أصبحوا يشكون في نسبهم و يتبرؤون من الديمقراطية و ما يتبعها و صاروا يبحثون عن مخرج جديد لاستبعاد نجم الحركة الاسلامية الصاعد .

 تأجيل الانتخابات و تأخيرها يعطيهم فرصة للتخطيط على اضعاف الحركة الاسلامية و ان غابت الفرصة قد يأملون في معجزة تأتيهم من حيث لا يحتسبون ...و لكن هيهات...هيهات اسلامي تونس اليوم ليسوا كاسلامي البارحة فلقد علمتهم الأيام و المحن و الصبر على الشدائد و حبهم لوطنهم و اعتزازهم بدينهم يعصمهم من أن ينخدعوا بمتاع دنيا أو بوعد كاذب .   

    حمادي الغربي

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©