نصوص

اليوم الأول بعد 23/10

أكره السباحة ضد التيار، ولا أجيدها ولكنني أحيانا أجبر عليها! ... تيار عريض من شعبنا كان يحرص على تبشير التونسيين بما بعد يوم الانتخاب، المهم عنده أن تأتي محطة الانتخابات بأمان وتمر بسلام، وبعده ستحل كل مشاكل تونس الحاضر منها والمؤجل، البطالة، المحاسبة، إصلاح الأجهزة الفاسدة والإدارة المتردية، حرية الإعلام، الحريات الخاصة والعامة، رفع كل المظالم، ومحاسبة كل الفاسدين وغيرها من المشاكل والقضايا. هذا ما تناقلته كثير من المواقع وشرائط الفيديو في المواقع الإجتماعية، وتصريحات بعض النشطاء السياسيين، أو

0
24 أكتوبر 2011
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

أكره السباحة ضد التيار، ولا أجيدها ولكنني أحيانا أجبر عليها! ... تيار عريض من شعبنا كان يحرص على تبشير التونسيين بما بعد يوم الانتخاب، المهم عنده أن تأتي محطة الانتخابات بأمان وتمر بسلام، وبعده ستحل كل مشاكل تونس الحاضر منها والمؤجل، البطالة، المحاسبة، إصلاح الأجهزة الفاسدة والإدارة المتردية، حرية الإعلام، الحريات الخاصة والعامة، رفع كل المظالم، ومحاسبة كل الفاسدين وغيرها من المشاكل والقضايا. هذا ما تناقلته كثير من المواقع وشرائط الفيديو في المواقع الإجتماعية، وتصريحات بعض النشطاء السياسيين، أو المرشحين الحزبيين والمستقلين ...!

هؤلاء الذين يبشرون بيوم 24 أكتوبر وما بعده على هذه الطريقة هم في نظري صنفان، صنف يعتقد أن أي تشويش على الإنتخابات سيفسد عليه فوزه وربما حصوله على منصب أو مكانة، وصنف آخرـ  وهو الأغلب الأعم في نظري ـ هم  مواطنون طيبون أحبوا تونس وأرادوا لها الخير فاعتقدوا أنه بمجرد غروب شمس يوم الثالث والعشرين وبزوغ فجر الرابع والعشرين سيبدل الله حال البلاد تبديلا كليا  بمجرد تسليم السلطة للحزب أو الأحزاب التي سيفرزها الصندوق ويختارها الشعب.

ولكن السؤال هل يعبّر هذا الطرح عن حقيقة وبعد نظر أم أنه مجرّد تبسيط وأحلام؟
أعتقد أنه على النخبة السياسية أن ترشد المواطنين وتوعيهم بأن الإنتخابات أمر مهمّ جدا وأن تسليم السلطة لجهة يختارها الشعب أمر ضروريّ، وهو أولى الخطوات على درب الديمقراطية والتمثيل الشعبي. كما على النخبة أن تكون واعية بأن يوم "24/10" وما بعده لن يكون بهذه الوردية، وأن الآمال بهذه الطريقة مبالغ فيها، وأن هذه المبالغة قد تكون آثارها عكسية وتصيب الطييبين والحالمين والرومانسيين بالإحباط وتجعل منهم بعد ذلك قوة للهدم لا قوة للبناء.

الأكيد أن التحديات التي ستواجه أي طرف أو مجموعة تستلم السلطة بعد الإنتخابات ستكون تحديات كبيرة وجسيمة، وأن التقدم في حل كثير من المشاكل سيكون صعبا ومحفوفا بالمخاطر، وستجد السلطة القادمة نفسها محتارة بين "الثأر من قتلة عثمان" وبين إعادة الأمن وتركيز دعائم الدولة المدنية ومؤسساتها.

والأكيد أيضا أن كثيرا من النخبة المتظاهرة بالديمقراطية والمدعية بها وصلا لا تفهم من الديمقراطية غير الانتخاب والتكالب على أصوات  الناخبين بأي شكل وأي طريقة*، إذا فازت فذلك ما تبغي، وأما إذا فشلت فستبذل كل ما في وسعها من أجل عرقلة من سيختارهم الشعب! ... ستسعى هذه الأطراف جاهدة "لوضع العصا في العجلة" مقدمة مصلحتها وخصوماتها على مصلحة الوطن، والأغرب من ذلك أنها ستفعل ما تفعل وتدّعي أنها تفعل ذلك نكرانا منها لذواتها وحبا منها للوطن!

أليس من الديمقراطية الحقيقية أن يتنافس المتنافسون عند الانتخابات، فإذا انقضت بدأت مرحلة جديدة من التعاون والتكامل لخدمة البلاد، كل من موقعه، سواء في السلطة أو في المعارضة، إلى أن تعود الانتخابات فتثبت الفائز أو تُغيره؟

هو يوم سعيد أن يختار التونسيون بكل أمان وحرية من يمثلهم، وفخر أن نرى ذوي العقود الخمسة والستة والأكثر من ذلك والأقل وهم يصرون على القيام بواجبهم وأغلبهم يقسم أنها أول مرة في حياته، وبعضهم يعبر عن سعادته بدموع الفرح!
هو يوم يغيض "بن عليّ" وأزلامه والذين كانوا يزوّرون الإنتخابات ونسب المشاركة، ويغيرون الصناديق ولا يتورعون أن يكذبوا علينا بأن أكثر من 90%  من الشعب شاركوا في الانتخابات وأن 99.99% منهم اختاروا "ابن تونس البار" و"سيادة الرئيس المحبوب".

وهو يوم يغيض أحزاب الديكور الذين "زينوا" عهد "بن عليّ" ولعبوا دور شاهد الزور على ديمقراطيته المزيفة!

وهو يوم يغيض "ديمقراطيي" الطريق ذات الاتجاه الواحد الذين قالوا بأن فوز "الحزب الفلاني" سيجعل التونسيين يأسفون على زمن "بن عليّ"! وأن فوز ذلك الحزب سيجعلهم يلبسون اللباس العسكري ويحملون السلاح!

هو يوم يغيض الذين باركوا تلك التصريحات الشاذة أو سكتوا عليها، وشهروا بتصريح من هدد بالنزول للشارع إذا زُوّرت الإنتخابات ولم تحترم إرادة الشعب!

هو يوم يرفع أقواما ويضع آخرين، ولكن بالأكيد هو بداية للعمل والجدّ والحكمة والتواضع والصدق مع الله والناس، والصبر وتحمل الأذي من أجل المصلحة العامة، ولكنه ليس نهاية المشوار، ولا خاتم الأعمال.

قيض الله لتونس من أزاح عنها "الخطب الثقيل" الذي عراها، بعد طول المدى، وتنتظر اليوم أن تريها الليالي "صادق الحب والولاء وسجاحه"*!

وإن غدا لناظره قريب!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أحدهم كان يدعو لحزبه ويقول للناخبين بأن الحزب المنافس قد انسحب!
* استعارة من أبي القاسم الشابي

 

طـه البعزاوي
23 أكتوبر 2011



  (كلمة)

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©