نصوص
الوعي الديمقراطي في الهاوية
عندما كانت الديمقراطية هي سلطة الشعب, وكان للشعب التونسي القرار الفصل في انتزاع حقه للحكم ولإرساء منظومة سياسية عادلة, فقد كان لبعض الأحزاب ولبعض مكونات المجتمع المدني رأي آخر, يذهب في اتجاه غير الذي يرتئيه الشعب. فثورة تونس كان اتونها في الجهات, وهي مناطق معروفة بحرمانها وفقرها المدقع منذ حكم بورقيبة. وكانت أهم الشرائح الثائرة مؤمنة بمقولة الراحل جمال عبد الناصر "ما افتك بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".. أو كما يدعي البعض بأنها نبوءة كارل ماركس ضمن جدلياته المادية والتاريخية بانتصار البروليتاريا عل
- 23 أغسطس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
0
عندما كانت الديمقراطية هي سلطة الشعب, وكان للشعب التونسي القرار الفصل في انتزاع حقه للحكم ولإرساء منظومة سياسية عادلة, فقد كان لبعض الأحزاب ولبعض مكونات المجتمع المدني رأي آخر, يذهب في اتجاه غير الذي يرتئيه الشعب.
فثورة تونس كان اتونها في الجهات, وهي مناطق معروفة بحرمانها وفقرها المدقع منذ حكم بورقيبة. وكانت أهم الشرائح الثائرة مؤمنة بمقولة الراحل جمال عبد الناصر "ما افتك بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".. أو كما يدعي البعض بأنها نبوءة كارل ماركس ضمن جدلياته المادية والتاريخية بانتصار البروليتاريا على البورجوازية الماكرة. ومهما يكن, فان الطبقة الوسطى والفقراء هم من أشعلوا الثورة وافتكوا زمام الأمور بين أيديهم لأهداف كبرى, العدالة الاجتماعية والكرامة والخبز. وكان الشعب في أتم حسه الديمقراطي وهو يتضامن بدون حساسيات ولا تجاذبات سياسية وحسابات ضيقة. وفجأة بعد سقوط المخلوع وهروبه, نبت الفقاع في كل مكان, من حكومة إلى هيئة إلى شخصيات وطنية والى جمعيات مدنية, وكلها كانت تنهب ثورة شعب وأحلام قدّم من اجلها الدماء. الوعي الديمقراطي لدى كل مكونات المجتمع المدني كان يفترض التماهي مع المطالب الشعبية, ولكن جرت الأحلام بما لا تشتهي الآمال. حكومة الغنوشي أرادت سرقة الثورة بأكملها, وعندما تكلم السيد الوزير الأول عن الأغلبية الصامتة التي ستخرج للشارع, كان يقصد بها التجمع الذي آثر الصمت خوفا ورعبا ما بعد الثورة... وحكومة السيد السبسي فتحت الباب لكل التجمعيين للعودة من جديد للمسرح السياسي بأسماء مستعارة وذلك تحت عنوان "هيبة الدولة". الهيئة العاشورية, التي جاءت لتحقيق أهداف الثورة, اغتصبت حق هذا الشعب... فطرحت هوية تونس للنظر والنقاش... ثم بادرت محمومة مسعورة في سن القوانين وكأنها مجلس منتخب وشرعي.. ولا احد يعلم ما الأهداف الحقيقية لهذا الدور الغير شرعي الذي تلعبه هيئة غير شرعية. جمعيات أخرى استبقت الأحداث لطرح موضوع الحرية الجنسية والمثلية, وكأن تونس في هذه المرحلة الانتقالية, صعبة المخاض, لا تمر بسلام إلا بشرعنة المثلية... والأدهى والأمر, بان النقاش البيزنطي سقط إلى حد طلب حذف قراءة الفاتحة في عقود الزواج.. وكأن بقراءة الفاتحة يصبح العقد غير شرعي.. ثم طالبوا بإسقاط المهر وغير ذلك... والمشكل ليس في طرح هذه القضايا وإنما المشكل في طرحها في هذا التوقيت.. ولا تفسير غير إنهم يعملون حسب رؤاهم وثقافتهم الشخصية ويسرقون الشعب الذي لم يختر أحدا لحكمه إلى حد الآن. ولم يسلم الشعب من الابتزاز ومن الغدر, فقد آثرت أحزاب أخرى العبور إلى عمق البلاد, أي إلى الفقراء والمهمشين, لتدفع لهم الأموال على وعود بالتصويت لهم في الانتخابات القادمة أو بوعود عدم التصويت إلى أحزاب أخرى.. وقد قبل الكثير من هؤلاء الفقراء هذه الأموال.. ليس حبا فيهم ولكن احتياجا وفقرا, لأن عجلة التنمية متوقفة تماما وموارد الرزق غائبة. وقد تمكنت أحزاب من السيطرة تماما على جهات بأكملها, وكلها تحت سطوة المال, المال الذي تكون بطريقة مشبوهة في عهد المخلوع. وبرغم وعي الشعب بضرورة انتصار المسار الديمقراطي الذي يشهد مخاضا عسيرا, فان أحزاب كثيرة غاب عنها الوعي بأهمية المرحلة, فقد سقطت في هاوية سحيقة ضد مطالب الشعب... وهي تسرقه إما باغتصاب سلطته أو بتهميش الفقراء أكثر وأكثر. ولعل النقطة الوحيدة المشرقة في خضم هذه الأحداث هي التي يصنعها الإسلاميون, وهي التحامهم مع المناطق المهمشة, بالسعي لإيصال الماء الصالح للشراب عبر القنوات الرسمية, ودراسات ميدانية حول إمكانية استصلاح الطرق, ودراسات أخرى حول ذوي الاحتياجات الخاصة ومحاولة تقديمها للجمعيات الخيرية لتسهيل أعانتهم. وما يهدد المخاض الديمقراطي أمام الاستحقاق الانتخابي القادم, هو سطوة المال المشبوه في غياب وعي ديمقراطي حقيقي.. فالذين احرقوا البلاد لإثارة الفوضى ما بعد الثورة بدفع الأموال قد يحرقون البلاد مرة أخرى بهذه الأموال لإفشال أية شرعية قادمة. د.محجوب احمد قاهري