نصوص

الهجرة السريّة أمام السّياسة و القانون و الضّمير

Normal 0 21 false false false MicrosoftInternetExplorer4 /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman"; mso-ansi-language:#0400; mso-fareast-language:#0400; mso-bidi-language:#0400;} بقلم :د.أحمد القديد

0
15 مايو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

بقلم :د.أحمد القديدي*

مرّت البشرية بعصور إنسان الكهوف و إنسان القبائل و إنسان المدن و يقول علماء الجنس البشري أننا نمرّ منذ نشأة الحداثة بعصر الهجرات ( باللاتيني: هومو دياسبوريس ) وهو عصر تميز بالمرور من هجرات الأفراد إلى هجرات العائلات إلى هجرات القبائل إلى أن وصلنا اليوم إلى هجرات الشعوب. و تبقى معضلة العلاقات الدولية في عصرنا الحاضر هي الهجرة السرية أو الهجرة غير القانونية أي تلك التي تفرضها الطبيعة بقسوة المناخ وإنحباس المطر و إنتشار المجاعة أو تلك التي تصنعها الحروب أو الأخرى التي تشجعها العولمة بنشر الصور النمطية عن المجتمعات الغنية عبر الفضائيات لتقدم للشباب المحروم أمل الوصول إلى الفردوس قاطعا البر و البحر و مجازفا بحياته من أجل حلم مستحيل.    

كان هذا هو محور مؤتمر عربي- أوروبي نظمته في مدينة لاهاي الهولندية يومي 1 و 2 ماي الجاري مؤسسة المنتدى العربي في هولندة التي يرأسها بنجاح و فاعلية المثقف العربي د. خالد شوكات. و شاركت في هذا المؤتمر مع نخبة متميزة من الخبراء والناشطين الحقوقيين و رؤساء الجمعيات الأوروبية المهتمة بهذا الشأن. و كانت محاور البحث والنقاش كالتالي: السياسة الأوروبية إزاء الهجرة السرية بين المعالجتين الأمنية و التنموية و أسباب الهجرة السرية من الضفة الجنوبية إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط و عمل منظمات حقوق الإنسان في هذا المجال و دور منظمات المهاجرين في مقاومة هذه الظاهرة و كيف تتعامل وسائل الإعلام الأوروبية و العربية مع الهجرة السرية ثم الحلول المقترحة لمعالجة هذه المعضلة.

 و تناقشنا لمدة يومين حول البحوث الجيدة المقدمة لننتهي تقريبا إلى تشخيص موضوعي أمين لهذه المشكلة يمكن إيجازه في العناصر و الأفكار التالية :                              

إفلاس مبدإ و مسيرة التعاون الدولي شمال- جنوب الذي تحول من فكرة تنمية البلدان الفقيرة إلى فكرة مواصلة إستغلالها و نهب ثرواتها و تهجير سواعدها و عقولها أي مرت مسيرة التعاون من مرحلة إستعمار إداري و عسكري مباشر إلى مرحلة إستعمار إقتصادي و ثقافي خفي. و مع تفقير الشعوب الفقيرة وإثراء الشعوب الثرية تحول طموح جزء من شباب الجنوب من إرادة الحياة في أوطانهم إلى هوس الهروب منها إلى الشمال. و لا حل لملف الهجرة السرية إلا من نفس طينة السبب أي إبتكار مناهج تنموية عادلة لتوفير الأمل في الشغل للشباب خريج المدارس و الجامعات لإيقاف سيل قوارب الموت.                      

إستفحلت ظاهرة تجريم الهجرة غير القانونية في القوانين الأوروبية لا كحل للمعضلة بل كطريقة سهلة و شعبوية لجلب أصوات الناخبين مما جعل الأحزاب اليمينية المتطرفة تبلغ في الدول الأوروبية معدل 16% من مجموع الجماهير الناخبة و تسن قوانين تكرس المعالجة الأمنية فقط و تساهم في خلق مناخات من كراهية العربي و المسلم و العمل على ملاحقته و طرده بكل الوسائل القمعية بتشييد الجدران و كهربة الأسلاك الشائكة و تحويل أوروبا إلى قلعة حصينة و تكثيف آليات الإعتقال الإداري الخارج عن القضاء.             

وسائل الإعلام الأورو- متوسطية مدعوة إلى إتباع طرق أخلاقية و واقعية لنقل حقيقة الهجرة الصعبة لأن تغطية مظاهر العيش في الغرب مغشوشة و تقود إلى تغذية الأوهام عن الجنة الموعودة.                                                                               

إن الدول الغربية مطالبة بإحترام المواثيق و المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والتعاطي بوعي أخلاقي و ترفع حضاري مع ملف الهجرة لضمان كرامة المهاجر بتوفير السكن و التعليم و العلاج والتأهيل المهني له و لأولاده. كما إنها مدعوة بالتنسيق مع دول الجنوب إلى مقاومة عصابات التهجير والتهريب و عدم الخلط بينها و بين المهاجرين لأن هؤلاء هم الضحايا و أولئك المتاجرون هم المجرمون.                                         

هذه بعض الخلاصات التي إنتهى إليها بيان (لاهاي) الصادر عن المؤتمر و بقي أن تعي الحكومات و المنظمات المدنية شمالا و جنوبا و المؤسسات الأممية و الدولية إلى هذا الخطر المحدق لا فقط بشباب الجنوب المهاجرين بل بأمن البحر الأبيض المتوسط و بالثقة الضرورية بين الشمال و الجنوب و بالتعاون الشامل بين ضفتي البحر.                      

*رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس                                        

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©