نصوص

النّهضة بعد الحكم: هل اكتشفت الحركة سؤال المجتمع متأخّرة؟

الجمعي العليمي

29
26 أكتوبر 2026
مشاركة

ليس أهم ما في المقال الذي نشره الأستاذ رياض الشعيبي، القيادي في حركة النهضة ومستشار الشيخ راشد الغنوشي، أنه يدعو إلى مراجعة تجربة الحكم، بل أنّه يحاول نقل النقاش من سؤال استهلك الحركة وخصومها معًا:

كيف تعود النهضة إلى السلطة؟

إلى سؤال أكثر جذرية: ما الوظيفة التاريخية التي ينبغي أن تؤدّيها حركة نشأت في مواجهة الاستبداد، ثم وجدت نفسها داخل الدولة، قبل أن تنهار القواعد الديمقراطية التي أتاح لها الانتقال إليها؟

إنّنا في تقديريأمام نصّ يستحقّ التفاعل الجادّ، لأنه يلامس مشكلة تتجاوز حركة النهضة إلى أزمة السياسة التونسية برمّتها، بل إلى معضلة الحركات الإصلاحية التي تدخل مؤسسات الدولة قبل أن تحسم علاقتها بالمجتمع، وتنجح في اكتساب الشرعية الانتخابية من دون أن تنجح بالقدر نفسه في تحويلها إلى قدرة على الإصلاح. لكنه، في الوقت ذاته، يفتح أسئلة لا يجوز الاكتفاء بطرحها في صيغة عامة، ولا سيما أن مراجعة التجربة لا تكتمل بتغيير تعريف النجاح، وإنما تقتضي إعادة فحص القرارات والمسؤوليات والخيارات التي صنعت النجاح والإخفاق معًا.

أطروحتي الأساسية هي أنّ رياض الشعيبي يخطو خطوة مهمّة من نقد الأداء السياسي إلى مساءلة وظيفة الحركة، لكنه يظل، في أجزاء من مقاله، أقرب إلى إعادة ترتيب الأولويات منه إلى القطع المعرفي مع بعض المسلّمات التي حكمت التجربة. فهو يدعو إلى الانتقال من مركزية السلطة إلى رحابة المجتمع، ومن شرعية المرجعية إلى كفاءة الممارسة، ومن التنظيم الذي يسعى إلى الحكم إلى الحركة التي تسهم في بناء شروط الديمقراطية. غير أن السؤال الأعمق هو: هل تستطيع النهضة إنجاز هذا التحول من دون مراجعة مفهومها للتنظيم والقيادة والتمثيل والسلطة، ومن دون أن تعيد تعريف علاقتها بالدولة وبقية المجتمع السياسي؟

هنا تبدأ المسألة الحقيقية.

إن التاريخ لا يمنح الحركات السياسية وظيفة ثابتة إلى الأبد. فالحركة التي كانت وظيفتها التاريخية مقاومة الاستبداد قد تصبح، بعد سقوطه، مطالبة ببناء المؤسسات؛ والحركة التي نجحت في تمثيل فئات اجتماعية مستبعدة قد تجد نفسها مطالبة بتوسيع تمثيلها حتى تشمل مواطنين لا يشتركون معها في مرجعيتها؛ والحركة التي بنت شرعيتها على المظلومية قد تضطر، عندما تدخل الحكم، إلى إثبات شرعيتها بالكفاءة والإنجاز والمساءلة. وحين تتغير الشروط التاريخية، فإن التمسك بالأدوات القديمة باسم الوفاء للهوية قد يتحول إلى خيانة للوظيفة التي نشأت الحركة من أجلها.

وهذا، في تقديري، هو المدخل الأنسب لقراءة مقال الشعيبي.

لقد نشأت حركة النهضة في سياق تاريخي مختلف، اتسم بضعف المجال السياسي المستقل، واحتكار الدولة لوسائل التنظيم والتعبير، والتضييق على الحركات ذات المرجعية الإسلامية. وفي مثل هذا السياق، لم يكن التنظيم مجرد أداة للتنافس السياسي، بل كان أيضًا فضاءً لحماية الهوية الجماعية، واستمرار الفكرة، ومقاومة الإقصاء. وقد أسهمت سنوات القمع والسجون والمنفى في إنتاج ذاكرة تنظيمية شديدة التماسك، لكنها أسهمت كذلك في جعل البقاء التنظيمي أولوية قد تتقدم أحيانًا على الأسئلة المتعلقة بطبيعة المجتمع الذي تريد الحركة تغييره.

وتقدم دراسة «آن وولف»، Political Islam in Tunisia: The History of Ennahda، الصادرة عن جامعة أكسفورد سنة 2017، مادة تاريخية مهمة لفهم تطور الحركة وتبدل خياراتها في سياقات سياسية متغيرة، اعتمادًا على بحث ميداني ومقابلات وأرشيفات. ولا ينبغي التعامل مع هذه الخلفية بوصفها إدانة للتنظيم؛ فالتنظيم الذي يتعرض للقمع يحتاج فعلًا إلى حماية نفسه. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول ثقافة البقاء، التي أنتجتها شروط الاستبداد، من استجابة اضطرارية إلى نمط دائم في التفكير السياسي، حتى بعد تغير شروط الفعل.

وهنا نستطيع الاستعانة بعالم الاجتماع «ماكس فيبر»، الذي ميّز بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية. ليست المشكلة أن تتمسّك حركة سياسية بمبادئها، بل أن تتصوّر أنّ سلامة المبادئ المعلنة تُعفيها من مساءلة النتائج التي تترتّب على قراراتها. فالأخلاق السياسية لا تُختبر بالنوايا وحدها، وإنما كذلك بالقدرة على تقدير العواقب وتحمل المسؤولية عنها.

وبالمعيار نفسه، لا يكفي أن تقول النهضة إنها دافعت عن الديمقراطية، أو إنها اختارت التوافق لتجنب الصدام، أو إنها تنازلت عن السلطة التنفيذية لحماية الانتقال. ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا أنتجت هذه الخيارات؟ ما الذي حَمَته؟ وما الذي تركته من دون معالجة؟ وهل كان التوافق وسيلة لتثبيت المؤسسات، أم تحول تدريجيًا إلى غاية في ذاته؟ وهل ساعدت المشاركة في الحكم على بناء الدولة، أم دفعت الحركة إلى الانشغال بتدبير التوازنات السياسية أكثر من انشغالها بإحداث التغيير الذي انتظره التونسيون؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة التجربة، بل تحرّرها من التّقديس الذي يحول دون التعلم منها.

من الشرعية الانتخابية إلى أزمة القدرة على التغيير

لعل أهم ما يلفت الانتباه في مقال الشعيبي هو التمييز بين امتلاك الشرعية السياسية وامتلاك شروط الإصلاح. وهو تمييز بالغ الأهمية في علم الاجتماع السياسي؛ لأن الانتخابات تمنح الفائزين تفويضًا مؤقتًا لإدارة الشأن العام، لكنها لا تمنحهم تلقائيًا معرفة الدولة، ولا كفاءة الإدارة، ولا القدرة على تفكيك شبكات المصالح، ولا الأدوات الضرورية لتحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

لقد كانت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 لحظة تأسيسية حقيقية. وفوز النهضة بـ89 مقعدًا من أصل 217 منحها موقعًا مركزيًا في صياغة المرحلة الانتقالية، لكنه لم يكن تفويضًا مفتوحًا بإعادة تشكيل المجتمع وفق تصور واحد، كما لم يكن ضمانًا بأن الحركة ستنجح في إدارة الدولة. كانت تلك الانتخابات تعبيرًا عن إرادة انتخابية في لحظة تاريخية محددة، وكان المطلوب تحويل هذه الإرادة إلى مؤسسات مستقرة وقواعد ديمقراطية قابلة للاستمرار.

لكن بين الشرعية والقدرة مسافة لا يختصرها الفوز الانتخابي.

لقد أظهرت تجربة الترويكا أن إدارة الدولة تختلف عن إدارة التنظيم، وأن الخطاب الذي ينجح في تعبئة الأنصار قد لا يكفي لإقناع مجتمع متنوع، وأن الخبرة في مقاومة الاستبداد ليست بديلًا عن الخبرة في الاقتصاد والمالية العمومية والسياسات الاجتماعية والإدارة. وهذه ليست مشكلة تخص النهضة وحدها؛ إنها من معضلات الانتقال من المعارضة إلى الحكم في المجتمعات الخارجة من السلطوية.

غير أن الاعتراف بالطابع العام للمشكلة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتخفيف المسؤولية الخاصة. فقد كانت النهضة الحزب الأكبر في الائتلاف الحاكم الأول، وكانت لها مسؤولية سياسية تتناسب مع موقعها ووزنها. ولذلك ينبغي أن تتناول المراجعة مقدار استعدادها للحكم، وطبيعة الكفاءات التي اعتمدتها، وآليات اتخاذ القرار داخلها، وقدرتها على بناء برنامج حكومي متماسك، ومدى استجابتها لمطالب الجهات والفئات الاجتماعية التي قامت الثورة باسمها.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في النقاش التونسي: مسؤولية الحركة عن خياراتها، ومسؤولية شركائها في الحكم، ومسؤولية البنية الاقتصادية والإدارية والمؤسساتية التي ورثتها البلاد عن عقود الاستبداد. لا يستقيم تحميل النهضة وحدها كل إخفاقات العشرية، كما لا يستقيم إعفاؤها من المساءلة بحجة أنها حكمت في ظروف صعبة. فالمسؤولية السياسية ليست مسؤولية مطلقة عن كل ما يحدث، وليست براءة من كل ما لم تستطع الحركة تغييره.

إنها مسؤولية محدّدة بحدود السلطة التي امتلكتها، والقرارات التي شاركت فيها، والبدائل التي كانت متاحة أمامها.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يضاف إلى سؤال الشعيبي هو: هل أخفقت النهضة في الحكم لأنها لم تمتلك الكفاءة الكافية فحسب، أم لأنها لم تحسم أيضًا طبيعة المشروع الذي تريد تنفيذه، ولا حدود التنازل الذي تقبله، ولا العلاقة التي ينبغي أن تربط بين المحافظة على وجودها التنظيمي وتحقيق مطالب الثورة؟

أميل إلى أن المعضلة أوسع من نقص الخبرة. فقد كانت هناك مشكلة في تعريف النجاح نفسه: أهو استكمال بناء المؤسسات، أم تجنب الإقصاء، أم المحافظة على الحركة، أم تحسين شروط عيش المواطنين، أم الجمع بين هذه الأهداف في ترتيب واضح للأولويات؟ وحين تتعدد الغايات من دون تحديد ما يتقدم منها عند التعارض، تصبح السياسة إدارة يومية للأزمات بدل أن تكون فعلًا استراتيجيًا يغير شروطها.

التوافق: فضيلة أنقذت الانتقال أم آلية أضعفت السياسة؟

يحتل التوافق موقعًا مركزيًا في التجربة التونسية، ولا يمكن فهم ما تحقق بعد الثورة من دونه. فقد ساعد الحوار الوطني سنة 2013، وما أفضى إليه من تسوية سياسية واستكمال للمسار التأسيسي، على تجنب انزلاق البلاد إلى صدام واسع. كما أتاح دستور 2014 إطارًا دستوريًا للتنافس والتداول وضمان الحقوق والحريات.

ولذلك فإن اختزال التوافق في صفقة بين النُّخَب، أو اعتباره خطأً منذ البداية، ينطوي على قراءة انتقائية للتاريخ. فالتوافق كان في لحظة معينة استجابة لمخاطر حقيقية، وكان من الممكن أن يكون مدخلًا لتثبيت الديمقراطية.

لكن المشكلة أن الوسيلة التي تنقذ الانتقال في لحظة الخطر ليست بالضرورة الوسيلة المثلى لإدارة الحياة السياسية في كل المراحل. وهذا ما يجعل التمييز بين التوافق التأسيسي والتوافق الدائم ضروريًا.

لقد بيّن الباحث «روري مكارثي»، في دراسته عن سياسة التوافق واستقرار الانتقال التونسي المنشورة سنة 2019، أنّ التّوافق ساعد على إدماج النهضة في التسوية السياسية، لكنه ارتبط أيضًا بمسار انتقالي محافظ لم يحقق إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة. كما تناولت دراسة مشتركة لشـاران غريوال وشادي حميد، منشورة في بروكينغز سنة 2020، الوجه السلبي للتوافق حين تتقدم المحافظة على الائتلافات الواسعة على التنافس البرامجي وتمثيل الاختلافات الاجتماعية الحقيقية.

والدرس هنا ليس أن النهضة أخطأت لأنها اختارت التوافق، بل أن التوافق يحتاج إلى غاية محددة، وحدود زمنية، ومعايير لتقييم نتائجه. فإذا كان هدفه حماية الدستور، وجب أن يقود إلى مؤسسات أقوى. وإذا كان هدفه تجنب الاستقطاب، وجب أن يفتح المجال أمام منافسة سياسية أكثر نضجًا. وإذا كان هدفه الاستقرار الاجتماعي، وجب أن يقترن بإصلاحات تمس التشغيل والتنمية والخدمات العامة.

أما حين يصبح التوافق وسيلة لتأجيل القرارات الصعبة، أو لتجنب خسارة الشركاء، أو لحماية النخب من المحاسبة الانتخابية، فإنه يتحول إلى آلية لإدارة الجمود.

والسياسة التي تدير الجمود طويلًا تفقد قدرتها على إنتاج الأمل.

هنا تبرز مفارقة التجربة التونسية: ربما أسهم التوافق في حماية الانتقال من الانهيار المبكر، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء قاعدة اجتماعية واسعة تدافع عنه عندما دخل في أزمته. فقد بقيت قطاعات من المجتمع ترى أن الديمقراطية تتقدم في مستوى المؤسسات بينما لا يتغير واقعها الاقتصادي والاجتماعي بالسرعة المطلوبة.

وهذا ما يجعل الديمقراطية أكثر من انتخابات ودستور. إنها أيضًا قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب الناس، وقدرة الأحزاب على تمثيل مصالحهم، وقدرة المجال العام على تحويل الاحتجاج إلى سياسات.

فإذا شعر المواطن أن الانتخابات لا تغير حياته، وأن الحكومات تتبدل فيما تبقى مشكلاته، وأن الأحزاب تتفاوض فيما بينها أكثر مما تتنافس على برامج واضحة، فقد يبدأ في الفصل بين الديمقراطية بوصفها قيمة وبين الديمقراطية بوصفها تجربة عاشها. وعندما يحدث هذا الانفصال، يصبح من السهل على الخطاب الشعبوي أن يقدم المؤسسات الوسيطة باعتبارها عبئًا، والأحزاب باعتبارها سببًا في الأزمة، والسلطة الشخصية باعتبارها اختصارًا للحلول.

وهذا بالضبط ما يجعل نقد التوافق واجبًا ديمقراطيًا، لا ذريعة للاستبداد.

حين تبتعد الأحزاب عن المجتمع، يملأ الشعبويون الفراغ.

يتيح لنا مفهوم «أزمة التمثيل» فهم جانب مهم من مأزق تونس. ففي كتابه Ruling the Void، درس «بيتر مير» تراجع الصِّلات بين الأحزاب التقليدية والمواطنين، وما ينشأ عن ذلك من فراغ في التمثيل السياسي. وقد استخدم «كيفن كوهلر» هذا المنظور في دراسة منشورة سنة 2023 لتفسير انهيار التجربة الديمقراطية التونسية، مقترحًا مفهوم «الانهيار بفعل الانسحاب»؛ أي إن تآكل الديمقراطية ارتبط بتراجع انخراط المواطنين في السياسة التقليدية، وبابتعاد النخب عن المجال الاجتماعي في ظل تنافس محمي بتسوياتها.

هذه المقاربة لا تعفي السلطة التي فكّكت الضمانات الديمقراطية من مسؤوليتها، لكنها تساعدنا على فهم لماذا لم تكن الشرعية الدستورية وحدها كافية لحماية النظام.

فالديمقراطية لا تعيش في النصوص وحدها. إنها تحتاج إلى أحزاب يثق بها المواطنون، ونقابات مستقلة، وجمعيات فاعلة، وإعلام قادر على الرقابة، وقضاء مستقل، وشبكات اجتماعية تجعل الناس يشعرون أن النظام السياسي ملك لهم، لا ملك للنخب التي تديره.

وهنا تلتقي أطروحة الشعيبي مع أحد أهم دروس علم الاجتماع السياسي: الحزب لا يصبح فاعلًا اجتماعيًا لمجرد أنه يمتلك قاعدة انتخابية، ولا يصبح ممثلًا للمجتمع لمجرد أنه يتحدث باسمه.

لقد كان من الممكن أن تظل النهضة، بعد انتقالها إلى الحكم، جزءًا من حركة اجتماعية أوسع تتجاوز حدودها التنظيمية، فتدعم المبادرات المحلية، وتستثمر في البحث والتكوين، وتبني علاقات مستدامة مع الفاعلين الاجتماعيين والثقافيين، وتتيح للمواطنين المشاركة في إنتاج الحلول من دون اشتراط الانتماء إليها. لكن هذا المسار يحتاج إلى استقلال المجتمع عن التنظيم، بقدر ما يحتاج إلى استقلال التنظيم عن إغراءات الدولة.

وليس المجتمع هنا مجرد خزّان انتخابي، كما أن المواطن ليس مادة للتعبئة، ولا تابعًا ينتظر التوجيه من قيادة سياسية. إنه فاعل يمتلك مصالحه وتصوراته وحقه في الاعتراض على الحركة التي يصوت لها، أو في مغادرتها، أو في التعاون معها في قضية والاختلاف معها في أخرى.

ومن منظور «أنطونيو غرامشي»، يمكن فهم هذه المسألة من خلال التمييز بين السيطرة السياسية وبناء الهيمنة الاجتماعية والثقافية. فالقوّة التي تريد تغيير المجتمع لا تكتفي بالوصول إلى مؤسسات الدولة، بل تحتاج إلى إنتاج الأفكار والثقة والقدرة على الإقناع داخل المجتمع المدني. لكن هذا المفهوم لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة إلى إخضاع الجمعيات والنقابات والمؤسسات الثقافية لهيمنة الحزب؛ فالمجتمع المدني الديمقراطي يستمد قوته من تعدده واستقلاله، لا من تحوله إلى امتداد للتنظيم السياسي.

وإذا أرادت النهضة أن تعيد تعريف وظيفتها التاريخية، فإن عليها أن تجيب عن سؤال عملي: هل تستطيع أن تسهم في بناء مجتمع حر حتى عندما لا تكون هي صاحبة القرار، وحتى عندما لا يعود المجتمع إلى التصويت لها؟

إن القدرة على الإسهام في الإصلاح خارج السلطة، من دون تحويل كل نشاط اجتماعي إلى استثمار انتخابي مؤجل، هي أحد الاختبارات الحقيقية لأي حركة تدعي أن مشروعها أوسع من الوصول إلى الحكم.

من الجماعة إلى الحزب: هل اكتملت عملية التحوّل؟

هنا نصل إلى النقطة التي أراها أكثر حساسية في مقال الشعيبي: الحديث عن تجديد التنظيم ووظائفه، من دون التوسّع بما يكفي في السؤال المتعلّق بطبيعة التنظيم نفسه.

لقد ناقش الباحث «روري مكارثي»، في دراسة منشورة سنة 2024 حول التغيير الحزبي والتوافق الاستراتيجي في تونس، التوترات الداخلية في النهضة، ومشكلة تحولها من جماعة ذات روابط هوية وانتماء إلى حزب سياسي حديث. وتكشف الدراسة أن الاعتدال الأيديولوجي لا يكفي وحده لتفسير خيارات الحركة؛ إذ تتداخل معه المصالح التنظيمية، والقيادة، والحسابات الاستراتيجية، وطريقة إدارة الخلافات الداخلية.

وهذه ملاحظة أساسية؛ لأن الحركة التي أمضت سنوات طويلة في مواجهة الاستبداد قد تطور نمطًا تنظيميًا يجعل الولاء والتماسك والحفاظ على وحدة الصف قيمًا ضرورية لاستمرارها. لكن هذه القيم، عندما تنتقل إلى سياق ديمقراطي، تحتاج إلى إعادة ضبط. فما يحمي التنظيم في زمن القمع قد يحد من قدرته على التعلم في زمن التنافس المفتوح.

ولا يعني ذلك إنكار أهمية الانضباط أو وحدة المؤسسات، بل التمييز بين الانضباط الذي يخدم قرارًا ديمقراطيًا قابلًا للمراجعة، والانضباط الذي يتحول إلى ضغط على الأفراد كي يتجنبوا النقد أو يسايروا القيادة.

إن الحزب الديمقراطي ليس تنظيمًا بلا قيادة، بل تنظيم لا تحتكر فيه القيادة تعريف المصلحة العامة، ولا تحتكر فيه مجموعة محدودة تفسير المرجعية، ولا تتحول فيه الخبرة التاريخية إلى امتياز دائم في اتخاذ القرار.

وهنا تبرز أهمية «ماكس فيبر» مرة أخرى، من خلال تحليله لتحول الحركات ذات القيادة الكاريزمية إلى مؤسسات مستقرة، وهي العملية التي تعرف في الأدبيات السوسيولوجية بـ«روتنة الكاريزما». فالتحدّي لا يكمن في إنكار دور المؤسسين أو التقليل من تضحياتهم، وإنما في تحويل الإرث الذي تركوه إلى قواعد ومؤسسات قادرة على العمل من دون أن تظل أسيرة الأشخاص أو الرموز.

وفي حالة النهضة، لا يمكن فصل هذا السؤال عن مكانة راشد الغنوشي التاريخية والفكرية والتنظيمية. لكن الوفاء لتجربته لا يقتضي تجميد الحركة عند مرحلة بعينها، كما أن التجديد لا يقتضي تحويل تاريخها إلى عبء ينبغي التخلص منه. المطلوب هو التمييز بين الاعتراف بالتضحيات وبين تحويلها إلى مصدر حصانة من النقد.

إن الحركة التي لا تستطيع مساءلة خيارات قيادتها بسبب رمزية تلك القيادة، مهما بلغت مكانتها، قد تجد نفسها عاجزة عن بناء جيل جديد يمتلك استقلالية التفكير والخبرة العملية. وفي المقابل، فإن تجديد القيادة لمجرد التجديد الشكلي، من دون مراجعة قواعد إنتاج القرار وتوزيع السلطة داخل التنظيم، لا يغير جوهر المشكلة.

لذلك، فإن التجديد الحقيقي لا يبدأ بتغيير الوجوه وحدها، بل بتغيير العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين المعرفة والقرار، وبين الاختلاف والانتماء.

والسؤال الذي ينبغي أن تواجهه النهضة بشجاعة هو:

هل تستطيع أن تصبح حزبًا ديمقراطيًا تكون فيه المرجعية مصدرًا للاجتهاد والنقاش، لا أداة لإغلاقه، وتكون فيه القيادة مسؤولة أمام مؤسساتها، لا صاحبة امتياز تاريخي دائم؟

الإسلام الديمقراطي: من سلامة المرجعية إلى عدالة النتائج.

يستند مقال الشعيبي إلى مفاهيم من الفكر الإسلامي، مثل الاستخلاف والعمران والشورى ومقاصد الشريعة، ليؤسس رؤية تتجاوز اختزال الإصلاح في السيطرة على الدولة. وهذه نقطة قوة في النص، لأنها تتيح مراجعة التجربة من داخل المرجعية التي تستند إليها الحركة، بدل استيراد معايير خارجية ثم التعامل معها باعتبارها أحكامًا جاهزة.

لكن استدعاء التراث لا يكفي في حد ذاته لإنجاز المراجعة. فالمشكلة ليست في قلة المفاهيم الأخلاقية التي يمتلكها الفكر الإسلامي، بل في كيفية تحويلها إلى قواعد مؤسسية وسياسات عامة قابلة للفحص.

فالعدل، مثلًا، لا يُختبر فقط في الخطاب، وإنما في تكافؤ الفرص، واستقلال القضاء، وتوزيع الموارد، ومقاومة المحاباة. والشورى لا تتحقق بمجرد وجود مجلس استشاري أو مؤتمر حزبي، بل تحتاج إلى حق فعلي في المشاركة والاختلاف والمحاسبة. والمصلحة العامة لا تُقاس بسلامة النية، وإنما بآثار السياسات في حياة الناس.

ومن هنا أميز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما يجري الخلط بينها: الإسلام بوصفه مرجعية قيمية وحضارية، والإسلام السياسي بوصفه مجالًا تاريخيًا لتنظيم الفعل السياسي انطلاقًا من تصورات إسلامية، والإسلام الديمقراطي بوصفه اجتهادًا يجعل الالتزام الديني متوافقًا مع المواطنة المتساوية والتعددية وحرية الاعتقاد والتعبير والتداول السلمي على السلطة.

ولا يعني هذا التمييز أن كل تجربة تنتسب إلى الإسلام السياسي تنتهي بالضرورة إلى الإسلام الديمقراطي. فذلك ليس حكمًا تمنحه المرجعية لنفسها، وإنما نتيجة يثبتها السلوك السياسي والمؤسسات والقدرة على قبول استقلال المواطنين عن الحزب.

وقد تناول «فابيو ميروني»، في فصل أكاديمي منشور سنة 2023 عن تطوّر النهضة بعد الثورة، التحول الذي أعلنته الحركة سنة 2016 نحو التخصّص في العمل السياسي والفصل بين النشاط الدعوي والنشاط الحزبي، بوصفه جزءًا من تطوّر أوسع في تصورها للسياسة. لكن هذا التحوّل، مهما كانت أهميته، لا يمكن اختزاله في قرار تنظيمي؛ إذ يبقى السؤال عن مدى تحقق الفصل في الممارسة، وعن طبيعة الروابط التي تستمر بين المجالات الاجتماعية والسياسية.

إن الانتقال من الإسلام السياسي إلى الإسلام الديمقراطي لا يتم بمجرد تغيير الاسم أو الفصل الإداري بين الوظائف، بل باختبار ثلاث مسائل على الأقل.

أولًا، هل تقبل الحركة أن يكون المواطن الذي لا يشاركها مرجعيتها شريكًا كاملًا في الوطن، لا مجرد حليف ظرفي؟

ثانيًا، هل تقبل أن تخسر الانتخابات، وأن تعمل في المعارضة، وأن تعترف بحق منافسيها في الحكم وفق القواعد نفسها التي تطالب باحترامها عندما تكون هي الفائزة؟

ثالثًا، هل تستطيع أن تقبل بأن يُقاس مشروعها بقدرته على تحقيق الحرية والعدل والكرامة، لا بقدرته على إثبات الحضور السياسي للهوية التي ينطلق منها؟

إذا كانت الإجابة العملية عن هذه الأسئلة إيجابية، فإن المرجعية الإسلامية تصبح موردًا أخلاقيًا للاجتهاد والإصلاح. أما إذا ظلت الإجابات مشروطة بموقع الحركة في السلطة، فإن الحديث عن الإسلام الديمقراطي يبقى عرضة للانزلاق إلى مجرد صيغة خطابية.

وليس المقصود هنا التشكيك في تطور النهضة أو إنكار ما راكمته من مراجعات، بل التمييز بين التطور في الخطاب والتغير في البنية والسلوك.

إن قيمة المقاصد لا تكمن في استخدامها لتبرير القرارات بعد اتخاذها، بل في جعلها معايير سابقة ولاحقة للحكم على تلك القرارات. فإذا أدت سياسة ما إلى توسيع الظلم أو تقويض الحقوق، فلا يكفي الدفاع عنها باسم المصلحة العامة؛ بل يجب إعادة النظر في تعريف المصلحة وفي الوسيلة المعتمدة لتحقيقها.

وهذا هو المعنى العميق للانتقال من السياسة بوصفها مجالًا لتأكيد الهوية إلى السياسة بوصفها مسؤولية أخلاقية ومؤسسية تجاه المجتمع كله.

25 جويلية 2021: لا مراجعة جادة من دون التمييز بين الخطأ والانقلاب

يكتسب مقال الشعيبي أهمية إضافية لأنه لا يدعو إلى مراجعة تجربة النهضة في فراغ، بل في سياق أعاد فيه 25 جويلية 2021 تشكيل النظام السياسي التونسي. وهنا ينبغي التشديد على قاعدة منهجية: لا يجوز تحويل نقد أخطاء الانتقال الديمقراطي إلى مساواة بين تلك الأخطاء وبين تفكيك الضمانات الدستورية، كما لا يجوز استخدام الانقلاب على المؤسسات لتبرير جميع اختيارات القوى التي كانت جزءًا من النظام السابق.

إن 25 جويلية لم يكن مجرد تبدل في الحكومة أو نتيجة عادية لتداول السلطة. فقد أدى تعليق البرلمان وإقالة رئيس الحكومة إلى تغيير جوهري في بنية النظام، ثم توالت الإجراءات التي أضعفت الضوابط المؤسسية والتوازن بين السلطات. وقد وثّقت دراسات أكاديمية هذه العملية بوصفها تراجعًا في آليات المساءلة الأفقية، أي قدرة المؤسسات على مراقبة بعضها بعضًا ومنع احتكار السلطة.

لكن فهم ما حدث يقتضي النظر إلى عاملين في الوقت نفسه: قرارات السلطة التي وسعت تركيز السلطة وأضعفت المؤسسات، والأزمة التي أصابت الأحزاب والتمثيل السياسي وثقة المواطنين قبل ذلك. إن تفسير صعود الشعبوية بأزمة الأحزاب لا يعني تبرئة الشعبوية من نتائجها، مثلما أن إدانة تركيز السلطة لا تعفينا من فحص إخفاقات النظام الذي سبقها.

والتمييز هنا حاسم: قد يكون النظام الديمقراطي قد أخفق في الاستجابة لمطالب اجتماعية، لكن معالجة هذا الإخفاق لا تكون بإلغاء الضمانات التي تتيح للمواطنين تغيير الحكام ومحاسبتهم. فالديمقراطية ليست مكافأة تمنح للأحزاب عندما تحسن الأداء، ثم تسحب منها عندما تخفق؛ إنها قواعد تضمن للمجتمع حق الاختيار والمراجعة والتداول.

ومن هذه الزاوية، فإن مراجعة النهضة ليست نقيضًا للدفاع عن ضحايا الاستبداد، بل أحد شروطه. فالحركة التي تريد أن تستعيد دورًا ديمقراطيًا لا تستطيع الاكتفاء بالقول إنها مستهدفة، حتى وإن كانت قد تعرضت فعلًا للإقصاء والملاحقة. عليها أن تثبت، في الوقت ذاته، أن مشروعها يتجاوز استعادة موقعها السابق إلى إعادة بناء شروط الحياة السياسية الحرة للجميع.

وهنا تتجلى المسؤولية الخاصة لحركة النهضة، بحكم تاريخها وحجمها وقاعدة أنصارها: أن تجعل الدفاع عن حقوق السجناء السياسيين، وحرية التنظيم والتعبير، واستقلال القضاء، وعلوية القانون، جزءًا من مشروع وطني لا ينحصر في الدفاع عن قياداتها أو أعضائها.

إنّ الحرية التي نطالب بها لأنفسنا لا تصبح قيمة ديمقراطية مكتملة إلا عندما ندافع عنها لخصومنا أيضًا.

وهذا لا يعني محو الاختلافات أو إنكار المسؤوليات الفردية التي يمكن إثباتها أمام قضاء مستقل وعادل، بل رفض تحويل المحاكمة إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين، والتمسك بضمانات المحاكمة العادلة لجميع المواطنين دون استثناء.

وبالنسبة إلى الإسلام الديمقراطي، فإن هذا المبدأ ليس تنازلًا عن المرجعية، بل اختبار لصدقها الأخلاقي.

هل اكتشفت النهضة المجتمع بعد أن فقدت الدولة؟

لعل السؤال الأكثر إيلامًا في أطروحة الشعيبي هو ما إذا كانت الحركة قد أدركت متأخرة أن المجتمع ليس مجرد طريق إلى الدولة، وأن الدولة ليست مجرد أداة في يد الحزب. لكنني أعتقد أن المسألة تحتاج إلى تدقيق أكبر: هل كانت النهضة غائبة عن المجتمع فعلًا، أم أنها كانت حاضرة فيه بطريقة لم تتحول إلى مشروع مستقل ومستدام لبناء قدراته؟

فالنهضة لم تظهر فجأة سنة 2011. لقد امتلكت تاريخًا من النشاط الاجتماعي والثقافي والتربوي، وشبكات من العلاقات والروابط، وقاعدة بشرية راكمت خبرة طويلة في التنظيم. لذلك لا يصح تصويرها كأنها اكتشفت المجتمع بعد دخولها الحكم. الأدق أن نسأل: لماذا لم تتحول تلك الخبرة الاجتماعية إلى قدرة أوسع على بناء مؤسسات مستقلة، وإنتاج المعرفة، وتطوير السياسات العامة، وتجديد النخب، وتكوين فضاءات للمبادرة لا تتوقف على قوة التنظيم أو موقعه في الدولة؟

إن الفرق كبير بين أن يكون للحركة حضور في المجتمع، وأن تمتلك مشروعًا لتحرير المجتمع من التبعية السياسية، بما فيها التبعية للحركة نفسها.

وهنا يفيدنا مفهوم رأس المال الاجتماعي في علم الاجتماع؛ فالشبكات التي تنتج الثقة والتعاون يمكن أن تكون موردًا للتنمية والديمقراطية، لكنها قد تتحول أيضًا إلى دوائر مغلقة إذا اقتصرت على تقوية الروابط بين المنتمين إلى الجماعة الواحدة. والمجتمع الديمقراطي يحتاج إلى الروابط الداخلية التي تمنح أفراده التضامن، كما يحتاج إلى جسور تعبر الانقسامات وتسمح بالتعاون بين المختلفين.

وعليه، فإن المطلوب ليس أن تبني النهضة مجتمعًا نهضويًا تابعًا لها، وإنما أن تسهم في بناء مجتمع تونسي يستطيع أفراده التعاون، رغم اختلاف مرجعياتهم، حول التعليم والتنمية المحلية والعدالة الاجتماعية ومقاومة الفساد والدفاع عن الحريات.

ولعل هذا هو الفارق بين حركة تريد توسيع قاعدتها الاجتماعية، وحركة تريد توسيع قدرة المجتمع نفسه على الفعل.

في الحالة الأولى، يبقى المجتمع وسيلة لتقوية التنظيم. وفي الثانية، يصبح المجتمع غاية من غايات الإصلاح، حتى عندما ينتج فاعلين مستقلين أو معارضين للحركة.

وهذا التحول لا يتحقق بمجرد إنشاء جمعيات أو إطلاق مبادرات اجتماعية؛ بل يتطلب ثقافة سياسية تقبل استقلال تلك المبادرات، وتسمح لها بانتقاد الحركة، وترفض تحويل التعاون معها إلى اختبار للولاء. كما يتطلب أن تعترف الحركة بأن بعض وظائف الإصلاح يمكن أن تؤديها جهات أخرى بكفاءة أكبر، وأن نجاح المجتمع ليس بالضرورة نجاحًا انتخابيًا لها.

إن الحركة التي تقيس كل نجاح اجتماعي بمقدار ما يضيفه إلى رصيدها السياسي تظل أسيرة مركزية التنظيم، حتى لو أعلنت أنها تجاوزت مركزية السلطة.

من يراجع التجربة؟ وكيف تتحوّل المراجعة إلى تغيير؟

هنا أصل إلى أحد أوجه النقص في مقال الشعيبي. فهو يطرح اتجاهات استراتيجية مهمة، لكنه لا يحدد بما يكفي الآليات التي تجعل المراجعة عملية مؤسسية ملزمة، لا مجرد دعوة فكرية تتكرر في لحظات الأزمة.

فالمراجعة السياسية لا تتحقق بكتابة نصوص جيدة، مهما كانت قيمتها، ولا بإعلان الاستعداد للتجديد. إنها تحتاج إلى مؤسسات وأدوات ومعايير تمكن الحركة من معرفة ما أخفقت فيه، ولماذا أخفقت، وكيف تمنع تكرار الأخطاء.

وأقترح في هذا السياق خمسة مسارات مترابطة.

أولها، إنجاز تقييم تاريخي مستقل نسبيًا لتجربة الحكم بين 2011 و2021، لا يقتصر على مواقف القيادة الرسمية، بل يستمع إلى أعضاء سابقين، وفاعلين اجتماعيين، وخبراء اقتصاديين وإداريين، وشركاء في الحكم، وخصوم سياسيين. وينبغي أن يميز هذا التقييم بين القرارات التي كانت متاحة للحركة، والقرارات التي فرضتها الائتلافات، والقيود البنيوية التي واجهتها الدولة، والنتائج التي ترتبت على كل اختيار.

ثانيها، تحويل المراجعة إلى قواعد داخلية قابلة للقياس: تحديد مدد المسؤوليات، وضمان التداول، ونشر تقارير دورية عن تنفيذ البرامج، وإتاحة مساحة حقيقية للتيارات المختلفة، وتطوير آليات مستقلة لتلقي النقد وتقييم الأداء. فلا معنى للحديث عن الشورى في المجال العام إذا لم تنعكس في الممارسة التنظيمية نفسها.

ثالثها، الفصل الواضح بين التقييم الأخلاقي والتقييم السياسي. فقد يكون القرار حسن النية لكنه سيئ النتائج، وقد يكون التنازل مبررًا في لحظة معينة لكنه يتحول إلى خطأ إذا استمر من دون مراجعة. وينبغي ألا تكون النيات الحسنة وسيلة لإعفاء المسؤولين من المساءلة، كما ينبغي ألا تكون النتائج السلبية وحدها دليلًا على سوء النية.

رابعها، تجديد العلاقة بين الحركة والخبرة الوطنية. فالإصلاح الاقتصادي والإداري لا ينجحان بالشعارات، بل يحتاجان إلى فرق بحث وتخطيط وتقييم، وإلى الاستفادة من الكفاءات التونسية داخل البلاد وخارجها، وإلى تحويل البرامج من وعود عامة إلى إجراءات ذات آجال وموارد ومؤشرات إنجاز.

خامسها، بناء علاقة جديدة مع القوى الديمقراطية والاجتماعية لا تقوم على طلب الاصطفاف وراء النهضة، بل على اتفاقات محددة حول الحريات واستقلال القضاء والتداول السلمي على السلطة، مع الاعتراف بحق كل طرف في الاحتفاظ باستقلاليته الفكرية والتنظيمية.

إن هذه المقترحات لا تعني أن النهضة وحدها مطالبة بالمراجعة. فجميع القوى التي شاركت في إدارة الانتقال، وكذلك القوى التي عارضته أو أسهمت في إضعاف الثقة بالمؤسسات، مطالبة بفحص مسؤولياتها. لكن لكل طرف مسؤوليته التي تتناسب مع موقعه وخياراته، ولا يجوز أن تتحول عمومية الأزمة إلى وسيلة لإلغاء الفوارق بين الفاعلين.

ما الوظيفة التاريخية الجديدة التي يمكن أن تضطلع بها النهضة؟

أعتقد أن الجواب لا ينبغي أن يكون استعادة الدور القديم، ولا الانسحاب من السياسة، ولا التحول إلى جمعية اجتماعية كبرى. فهذه الخيارات الثلاثة تتعامل مع المسألة كما لو أن النهضة مطالبة بالاختيار بين المجتمع والدولة، بينما يكمن التحدي في بناء علاقة ديمقراطية بين المجالين.

الوظيفة التاريخية الجديدة، في تقديري، هي الإسهام في بناء حياة سياسية تونسية لا يستطيع أي حزب احتكارها، ودولة لا تتحول إلى غنيمة انتخابية، ومجتمع لا يُختزل في كونه قاعدة للتصويت، وثقافة سياسية تجعل تداول السلطة قاعدة مستقرة لا تنازلًا استثنائيًا من طرف إلى آخر.

وتقتضي هذه الوظيفة أربعة تحولات أساسية.

التحول الأول هو الانتقال من منطق إثبات الذات إلى منطق إنتاج البدائل. فلا يكفي أن تؤكد الحركة أنها ضحية الإقصاء أو أنها صاحبة تاريخ نضالي؛ بل ينبغي أن تقدم إجابات قابلة للنقاش عن المديونية والتشغيل والتنمية الجهوية والتعليم والصحة والمالية العمومية. فالمظلومية قد تفسر موقع الحركة في التاريخ، لكنها لا تكفي لبناء مستقبل البلاد.

والتحول الثاني هو الانتقال من التوافق باعتباره ضمانة لبقاء الحركة إلى التوافق باعتباره آلية لحماية القواعد الديمقراطية. وهذا يعني أن التعاون مع الخصوم لا يكون مجرد تسوية لتأمين موقع سياسي، وإنما اتفاقًا على حقوق الجميع، بما في ذلك حق الاختلاف والتنافس والخسارة الانتخابية.

والتحول الثالث هو الانتقال من مركزية القيادة إلى مؤسسات تنتج المعرفة والقرار والمحاسبة. فلا يمكن بناء مشروع ديمقراطي متجدد إذا ظلت الحركة تعتمد على رمزية الأشخاص أكثر من اعتمادها على قوة المؤسسات، أو إذا ظل تجديدها مرتبطًا بتوازنات داخلية لا تسمح بتنافس حر بين الأفكار والبرامج.

أما التحول الرابع فهو الانتقال من سؤال «كيف نحكم؟» إلى سؤال أوسع: «كيف نجعل الحكم نفسه خاضعًا للقانون والمساءلة، وكيف نبني مجتمعًا قادرًا على مراقبته وتغييره؟». وهذا هو التحول الذي يمنح المشاركة الانتخابية معناها، ويمنعها من أن تصبح غاية منفصلة عن الحرية والعدل والكرامة.

ولا يعني أي من هذه التحولات أن النهضة مطالبة بالتخلي عن هويتها الإسلامية، بل بأن تختبر قدرتها على تحويل تلك الهوية إلى إسهام ديمقراطي مفتوح على المجتمع، لا إلى معيار لتحديد من يستحق المشاركة ومن لا يستحقها.

وماذا عن بقية المعارضة التونسية؟

لا يمكن أن تكتمل هذه المراجعة إذا ظل الخطاب موجهًا إلى النهضة وحدها. فالأزمة التي كشفتها التجربة التونسية أوسع من حزب واحد، كما أن استعادة الديمقراطية ليست مهمة تنظيم بعينه.

لقد أظهرت السنوات الماضية أن رفض السلطة القائمة لا يكفي لإنتاج بديل ديمقراطي، وأن تجميع القوى المتضررة من الاستبداد لا يضمن قيام مشروع مشترك، وأن الذاكرة المتضاربة للصراعات السابقة يمكن أن تتحول إلى حاجز يمنع الاتفاق على المستقبل.

ومن هنا، فإن على النهضة أن تتحمل مسؤولية مراجعة خياراتها، وعلى خصومها الديمقراطيين أن يتحملوا مسؤولية مراجعة مواقفهم من التعددية ومن حق الإسلاميين في المشاركة السياسية السلمية. فلا يستقيم أن نطالب حركة بمراجعة تجربتها ثم نضع أمامها شرط التخلي عن هويتها أو إقصائها نهائيًا من المجال العام. كما لا يستقيم أن تطالب الحركة بحقها في المشاركة ثم تتعامل مع بقية القوى كما لو كانت مجرد أدوات لتحقيق عودتها إلى السلطة.

المعيار الديمقراطي واحد للجميع: لا امتياز تاريخيًا يمنح حزبًا حق الحكم، ولا خطيئة سياسية أبدية تحرم حزبًا من المنافسة، ولا مرجعية فكرية تبرر احتكار الدولة، ولا خصومة أيديولوجية تبرر إسقاط حقوق المواطنين.

وإذا كان التوافق السابق قد عانى من الإفراط في حماية التوازنات بين النخب، فإن البديل ليس العودة إلى وحدة شكلية تجمع المختلفين من دون برنامج، ولا بناء جبهة هدفها الوحيد إسقاط السلطة. المطلوب هو حد أدنى ديمقراطي واضح، يليه تنافس برامجي حقيقي حول الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسات العامة.

إن الديمقراطية التي لا تسمح بالاختلاف ليست ديمقراطية، والجبهة التي تلغي الاختلافات باسم الوحدة لا تصنع بديلًا مستدامًا.

ولهذا فإن نجاح النهضة في مراجعة تجربتها لن يُقاس فقط بما تنجزه داخل مؤسساتها، بل كذلك بقدرتها على الإسهام في بناء مجال سياسي يتسع لمنافسيها، وبقدرة منافسيها على الدفاع عن حقوقها عندما تتعرض للإقصاء. تلك هي إحدى العلامات الفارقة بين المعارضة التي تريد تغيير الحاكم والمعارضة التي تريد تغيير قواعد الحكم.

خاتمة: لا يكفي أن تعود النهضة إلى المجتمع؛ المطلوب أن تتغير علاقتها بالسلطة والمجتمع معًا

إن مقال رياض الشعيبي مهم لأنه يفتح نافذة على مراجعة تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة، وتعيد الاعتبار إلى المجتمع بوصفه مجالًا أصيلًا للإصلاح. وهو مهم كذلك لأنه يعترف ضمنًا بأن التجربة لا يمكن أن تُختزل في سردية النجاح النضالي أو في سردية الاستهداف السياسي، بل تحتاج إلى تقييم يميز بين ما أنجزته الحركة وما أخفقت فيه، وبين ما فرضته الظروف وما أنتجته خياراتها.

لكن الخطوة التالية ينبغي أن تكون أكثر جرأة: الانتقال من مراجعة الوظيفة إلى مراجعة البنية التي تحدد هذه الوظيفة، ومن نقد مركزية السلطة إلى نقد كل أشكال المركزية التي تجعل المجتمع تابعًا، ومن إعلان الالتزام الديمقراطي إلى بناء مؤسسات داخلية وخارجية تجعله ممارسة يومية قابلة للمحاسبة.

إن النهضة لا تحتاج إلى أن تثبت أنها ما زالت موجودة فحسب؛ بل إلى أن تثبت أن وجودها يمكن أن يضيف إلى الحياة العامة شيئًا لا تختزله المنافسة على الحكم. تحتاج إلى أن تكون قادرة على التعلم من خصومها، والاعتراف بأخطائها، وتجديد قيادتها، وإنتاج المعرفة، وتطوير السياسات، والدفاع عن الحريات من دون انتقائية.

وفي المقابل، تحتاج تونس إلى تجاوز الثنائية التي تجعل النهضة إما مشروعًا يجب أن يستأثر بالحكم، أو خطرًا ينبغي محوه من الحياة السياسية. فكلا المنطقين ينتمي إلى تصور إقصائي للسياسة، حتى وإن اختلفت الشعارات التي يتوسل بها.

إن المطلوب ليس أن تنتصر النهضة على خصومها، ولا أن ينتصر خصومها عليها، بل أن تنتصر تونس على المنطق الذي يجعل كل طرف يرى خلاصه في إلغاء الآخر.

ومن هنا أعود إلى السؤال الذي انطلق منه الشعيبي، ولكن بصيغة أوسع: ما الوظيفة التاريخية التي يمكن أن تضطلع بها النهضة بعد تجربة الحكم؟

جوابي أنها تستطيع أن تؤدي دورًا ديمقراطيًا متجددًا إذا انتقلت من حركة تقيس فاعليتها أساسًا بموقعها في السلطة إلى قوة سياسية واجتماعية تقاس قيمتها بقدر ما تسهم في توسيع الحرية، وبناء المؤسسات، وتطوير السياسات، وتقوية المجتمع، وتثبيت قواعد التداول والمساءلة.

لكن هذا الدور لا يُمنح لها بحكم تاريخها، ولا بحكم مرجعيتها، ولا بحكم ما تعرضت له من مظالم. إنه يُكتسب بالممارسة، ويظل قابلًا للتقييم والمراجعة.

فالتاريخ لا يسأل الحركات عما كانت تريد أن تكون فحسب، بل عما أصبحت عليه، وما الذي أضافته إلى حياة الناس، وما إذا كانت قد جعلت المجتمع أكثر قدرة على الحرية والعدل أم أكثر ارتباطًا بمصير التنظيم.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يظل مفتوحًا أمام النهضة وأمام كل القوى الديمقراطية في تونس هو: هل نريد ديمقراطية تمنحنا فرصة الوصول إلى السلطة، أم نريد ديمقراطية تجعل السلطة نفسها محدودة، والمجتمع حرًا، والمواطن قادرًا على الاختيار والمحاسبة، حتى عندما تكون النتائج على غير ما نشتهي؟

في الإجابة عن هذا السؤال يتحدد الفارق بين حركة تريد استعادة موقعها في التاريخ، وحركة تريد أن تسهم في تغيير شروط التاريخ نفسه.

والبوصلة الحق ليست أن نكون دائمًا في السلطة، ولا أن نكون دائمًا في المعارضة؛ البوصلة الحق أن تكون الحرية فوق الحزب، والقانون فوق الحاكم، والمواطن فوق حسابات التنظيم، والوطن أوسع من جميع أبنائه وأحزابه.

عندها فقط يصبح الحديث عن الوظيفة التاريخية للنهضة أكثر من مراجعة فكرية: يصبح مشروعًا للمساهمة في بناء تونس التي قامت الثورة من أجلها، تونس التي لا يُقصى فيها أحد بسبب هويته، ولا يُعفى فيها أحد من المساءلة بسبب تاريخه، ولا تُختزل فيها الديمقراطية في صناديق الاقتراع، ولا يُختزل فيها الإصلاح في تغيير الأشخاص.

تلك هي المراجعة التي تحتاجها النهضة، وذلك هو الامتحان الذي تحتاجه تونس كلها.

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©