النهضة والسلطة، حتمية المراجعة
النهضة والسلطة، حتمية المراجعة ان كلا من حركة النهضة والسلطة يشعران في تقديري بصعوبة ترتيب العلاقة بينهما في ما يمكن أن نسميه مرحلة ما بعد السجن. ويبدو أن الإسلاميين بعد سنوات القطيعة والمواجهة مع النظام وبعد ان يفترض فيهم أن يكونوا قد قاموا بتقييم تجربتهم السياسية وطبيعة علاقتهم بالسلطة وبقوى المجتمع وأطراف المعارضة واستحضارهم للتحديات الداخلية والتحولات الاقليمية والدولية ساعدهم على ذلك الاستقرار والاقامة لسنوات في بلدان اوروبية وغربية ديمقراطية متقدمة، صارو أكثر تفهما لحاجة البلاد الى الاستقر
- 25 أكتوبر 2009
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
النهضة والسلطة، حتمية المراجعة
ان كلا من حركة النهضة والسلطة يشعران في تقديري بصعوبة ترتيب العلاقة بينهما في ما يمكن أن نسميه مرحلة ما بعد السجن. ويبدو أن الإسلاميين بعد سنوات القطيعة والمواجهة مع النظام وبعد ان يفترض فيهم أن يكونوا قد قاموا بتقييم تجربتهم السياسية وطبيعة علاقتهم بالسلطة وبقوى المجتمع وأطراف المعارضة واستحضارهم للتحديات الداخلية والتحولات الاقليمية والدولية ساعدهم على ذلك الاستقرار والاقامة لسنوات في بلدان اوروبية وغربية ديمقراطية متقدمة، صارو أكثر تفهما لحاجة البلاد الى الاستقرار والمصالحة وحاجة الدولة الى تطوير نفسها واثراء هويتها الوطنية دون فقدان مميزاتها الحداثية أو الذوبان في عولمة تكنس الهويات كنسا ولا تقيم اعتبارا لسيادة الدول. وان تحصين الجبهة الداخلية من مستلزمات الحفاظ على الوجود الوطني دون أن يكون ذلك على حساب حرية تمتعوا بمزاياها في بلدان الاقامة وحرم منها اخوانهم في وطنهم. لذلك اتسم الخطاب السائد لرموز النهضة في الداخل والخارج خلال السنوات الأخيرة بجعلهم المصالحة الوطنية الحقيقية ومناهضة العولمة الشرسة والهيمنة قضيتهم، دون أن يتنازلوا عن حق حركتهم في الوجود كطرف وطني الى جانب باقي الأطراف. ودون التخلي عن مطلب الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ورفظ الاستبداد والالتزام بالدفاع عن الهوية العربية الإسلامية. كما يبدو أن الدولة والحزب الحاكم والاطراف الحليفة لهما تبدي اهتماما أكبر بالنقاشات الدائرة في الساحة الإسلامية والتي تنقلها مواقع الانترنت بغثها وسمينها وهي تعكس رغبة النهضة بالظهور في ثوب جديد ومساعي جدية لتطوير نفسها من الداخل وتأكيد حضورها ضمن المشهد السياسي الوطني في تعايش ووفاق مع الأطراف المستعدة للقبول بها والعمل المشترك معها ولا يمكن للسلطة أن تتجاهل ما تؤكده حركة النهضة وتبديه من استعداد مبدئي للإستمرار في خيار نبذ العنف والازدواجية والحرص على اظهار أكبر قدر ممكن من الوضوح في المواقف والبرامج، والواقعية في التعاطي مع الشأن الوطني لا باعتبار ذلك من شروط السلطة أو غيرها من الأطراف، وانما باعتباره من مقتظيات التطور الطبيعي لحركة كانت تتطلع حتى قبل محنة 1991 الى الانتقال الى وضع العلنية الكاملة، والقانونية ببدائل وبرامج واضحة ومفصلة. وقد أعاقت المحنة وملابساتها ذلك التطور الطبيعي ولكنها لم تحرف حركة النهضة عن سمتها الذي عرفت به فلم تفرخ داخل السجون وفي المنفى تكفيريين أو متشددين.
لكن لا بد من الملاحظة بأن السلطة لم تبد الى الآن أي اشارة تفيد امكان قبولها بحركة النهضة في نسختها القديمة حتى وان كانت النهضة في الشكل والمضمون الذي عرفت به في الماضي ولا نتصوره واردا ولا ممكنا لا تمثل مشكلا داخل المجتمع التونسي الذي ألفها وألفته والذي يعرف اليوم أشكال تدين اجتماعي عفوي على درجة من التنوع يصعب معها مطابقته بأي نموذج سائد أو وافد أصيل أو دخيل. ويعتبر النموذج النهضوي بالمقارنة معها أشد أصالة وتماسكا وأكثر قدرة على التواصل والاستمرارية وان الدولة من مسؤوليتها مراعاة ذلك التنوع والتغاضي عنه الا اذا جاوز مبدأ التعايش والتسامح الذي يمكن أن يكون عنصرا أساسيا في هوية الدولة يعدل من غلواء التغريب المفروض والتطرف العلماني اللاديني ومن شراسة التحديث القسري.
وبقدر ما تراجع الدولة خيار "الكل الأمني" في التعامل مع الإسلاميين وخيار الفرض التعسفي لنمط من التحديث لا يكون مخصبا خارج سياقه وتفسح المجال لحرية التعبير والابداع وتقحم مبدأ التسامح كلبنة في بناء هويتها، كلما أمكن تحول النظام نحو مزيد من الانفتاح وأمكن توفير شروط ارساء مصالحة وطنية يستفيد منها الجميع ويكون الإسلاميون أحد أطرافها. اذ لا تصور لمصالحة تحقق ثراء هوية الدولة وتحديث المجتمع بدونهم والا فسيستمر ترحيل الازمة ويتكرر سيناريو القطيعة.
ان المشهد السياسي في تونس لم يتغير بعد مرور عشرين عاما من عمر نظام السابع من نوفمبر. ولكن معطيات كثيرة تغيرت. من ذلك أن رغبة حركة النهضة في الانفتاح على كل الأطراف خيار أكثر مما هو تكتيك مرحلي وسعي للتعايش مسار ومنهج بقدر ما هو حاجة ربما تقدر أنها حاجة وطنية واجتماعية لا حاجة حزبية فقط كما يمكن أن نستنتج من دفع رموزها وقادتها عن أنفسهم مسؤولية افشال محاولات التجاوز والقائها على النظام أو اعتبار القاء التبعة عليها في استمرار القطيعة عملية تسويق من سلطة تريد تأجيل المعالجة السياسية لملف الحركة من المؤشرات القوية على ان لديها الاستعداد لتقبل صيغة حل ممكنة تشابه من قريب أو بعيد صيغ المشاركة التي تم التوصل اليها في أقطار عربية أخرى.
ان أحداث غزة الأخيرة وردة الفعل الشعبية في البلدان العربية والإسلامية بقدر ما أظهرت اتساع الفجوة وعمقها بين الأنظمة والشعوب فإنها كشفت مدى تجذر التيارات الإسلامية، وحدة الاحساس بتحدي الهوية ستشجع لا محالة على البحث عن سبل تجسير العلاقة بين الأنظمة والنخب والجماهير. وسيكون من أولويات السماح بحرية التعبير على أوسع نطاق ممكن تفاديا لانتفاضات شعبية وانفجارات اجتماعية لم تعد مستحيلة. ان تحولا ما بصدد الحصول داخل المجتمعات العربية مثل التقارب بين التيار الإسلامي والتيار العروبي وهو مقدمة لإعادة تشكل المشهد السياسي العربي كما أن تجربة تشريك الإسلاميين من موريتانيا الى ماليزيا والتي جاوزت العقد والنصف في بعض الأقطار وأثبتت جدواها في مواجهة التحديات ستكون بالتأكيد قابلة للتعميم مع بعض التأخير وخصوصية في التنزيل.
و يرى بعض الباحثين بأن أسباب أخرى غير الاسباب الهيكلية التي أبرزناها في هذا البحث سترشح الحياة السياسية في تونس الى التطور في اتجاه المصالحة الوطنية مما نعده تفاؤلا مفرطا فيه قفز على الكثير من العقبات والصعوبات لكنه سيناريو نورده للقارئ على سبيل الاطلاع حتى لا نكون قد أغفلنا بعض الجوانب التي يراها البعض ذات تأثير في تطور الحياة السياسية في بلد كتونس له خصوصية ان لم نقل يحكمه منطق خاص. يقول الباحث العربي صديقي "ان ما سيكون مهما في تونس بين العامين 2009 و2014 ليس كيف جاء بن علي الى السلطة قبل اثنين وعشرين عاما ولا كيف فاز في انتخابات العام 2009، بل ما اذا كانت سنواته الخمس الأخيرة مكنت من تحقيق مصالحة وطنية وأفضت الى عملية تحول ديمقراطي وما اذا كان قادرا على الالتزام بخروج مشرف وديمقراطي في العام 2014 اذ أن مثل هذا الخروج سيضمن له مكانا مهما في تاريخ تونس السياسي" [11]
* فصل من كتاب " الإسلامية في تونس" الصادر عن مركز الدراسات الإماراتي المسبار
مأخوذ من مقالة للأستاذ. العجمي الوريمي ,, أرجو دراسته وتحليله بعمق... عنوان المقال. الاسلاميون والسلطة في تونس