نصوص

النقاب وإثارة قضايا مفتعلة وطفيلية

ما أشبه اليوم بالأمس? لقد بيّنت صيرورة سلسلة العمليات الإرهابية التي تحاول إجهاض الثورة وزعزعة استقرار الدولة وإضعاف الوحدة الوطنية بأنه بعد إفشال مفاعيل كل عملية إرهابية يرتفع منسوب الضجيج ويشتد اللغط السياسي والإعلامي وتتعالى العديد من الأصوات لافتعال قضايا ثانوية فرعية ومفتعلة بل طفيلية تحت لافتات اغلاق الروضات القرآنية ومشروعية جمعية المثليين وحقوق الاقليات وحكم ارتداء

0
3 أبريل 2016
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

ما أشبه اليوم بالأمس… لقد بيّنت صيرورة سلسلة العمليات الإرهابية التي تحاول إجهاض الثورة وزعزعة استقرار الدولة وإضعاف الوحدة الوطنية بأنه بعد إفشال مفاعيل كل عملية إرهابية يرتفع منسوب الضجيج ويشتد اللغط السياسي والإعلامي وتتعالى العديد من الأصوات لافتعال قضايا ثانوية فرعية ومفتعلة بل طفيلية تحت لافتات اغلاق الروضات القرآنية ومشروعية جمعية المثليين وحقوق الاقليات وحكم ارتداء الفتاة القاصر للحجاب والتخفيض في أسعار الخمور واليوم بعد ملحمة بن قردان فبدل الحرص على استثمار نتائج الملحمة لتعزيز الوحدة الوطنية والتسريع بإنجاز المشاريع التنموية المعطلة والاهتمام بمعالجة القضايا الحقيقية لشعبنا. التنمية الجهوية والتشغيل والكرامة والسيادة الوطنية. إلا ان اخطبوط إعلامي وسياسي يفجر قنبلة موقوتة لخلق ملفات اهتمام للإلهاء وإشغال الرأي العام بقضايا هامشية على خلفية عرض كتلة برلمانية بمجلس نواب الشعب لمشروع مبادرة تشريعية تتعلق بما يسمى منع اخفاء الوجه بالفضاء العمومي وهو ما يعني بوضوح ودون مواربة منع ارتداء النقاب لضرورة امنية تقتضيها مصلحة البلاد وما زاد في تأجيج صخب الضوضاء حول عرض هذه المبادرة هو الاستنجاد والاستقواء بفتاوى بعض أشباه الفقهاء بجواز تقييد المباحات إذا وجدت مصلحة راجحة للأمة.

وبعيدا عن البحث في الحكم الشرعي سواء بالإباحة أو المنع فان هذا الموقف من ظاهرة ارتداء النقاب يجعلنا نستذكر موقف دولة الاستبداد من ظاهرة ارتداء الحجاب وإصدارها لمنشور 108 لمنع لباسه استنادا إلى مواقف فقيه البلاط وزير الشؤون الدينية آنذاك أبو بكر الأخزوري الذي اعتبر الحجاب دخيل ويسميه بالزي الطائفي كما يدفعنا لاستحضار موقف وزير بريطاني أيام مصطفى كامل الذي صرح بـ’لن يستقيم حال الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة و يغطى به القران’، إلاّ أنه ما يجب التأكيد عليه بقطع النظر عن طبيعة الحكم الشرعي لارتداء النقاب سواء بالوجوب أم بالإباحة هو أن منع لباس النقاب يعتبر في حقيقة الأمر مسّا وانتهاكا للفصل 6 من دستور غرة جوان 2013 الذي يحمل الدولة مسؤولية ضمان احترام حرية المعتقد والضمير بمفهومها الواسع من جهة وللفصل 31 الذي لا يجيز ممارسة رقابة مسبقة على حرية الرأي والتعبير والفكر والاعلام من جهة أخرى باعتبار أن ارتداء النقاب يمثل مظهرا من مظاهر الحريات الشخصية للفرد والتي يعرفها الاستاذ عبد الوهاب خلاف ان يكون شخصا قادرا على التصرف في شؤون نفسه وفي كل ما يتعلق بذاته امنا من الاعتداء عليه في نفس أو عرض أو مال أو مأوى أو أي حق من حقوقه على ألا يكون تصرفه عدوانا على الآخرين، إضافة إلى أن مشكلة الزي أو اللباس كما يراها المفكر مالك بن نبي ليست مسالة جانبية أو شكلية كما يريد الكثيرون تصويرها بل مسالة لصيقة بالنموذج الحضاري والاختيار الثقافي للفرد والمجتمع.

فالزي ليس مجرد ديكور خارجي خال من المعاني والمضامين الكبرى في حياة الامة بل تعبير عن هوية يجعل الفرد يشعر بانتمائه الى ثقافته وحضارته ويعطيه الشعور بالتكاليف الاجتماعية التي يضعها عليه لباسه المميز فلا يجوز إذن التذرع بحجج السلامة الأمنية العامة بوجه عام لتبرير منع النقاب. فهل في حالة التنكر في زي الشرطة أو اللباس العسكري أو القضائي أو الحماية المدنية وارتكاب جريمة يستوجب منع ارتداء ذلك اللباس أو تقييده.. ما لكم كيف تحكمون ذلك أن اللباس يعتبر أحد المظاهر الثقافية لكل مجتمع ورمزا دينيا ورمزا اجتماعيا وصورة حية للهوية ورمزا للاستقلالية الاعتقادية والسلوكية ويمكن أن يكون شكلا من أشكال التعبير عن رفض الذوبان والانصهار في مظاهر ثقافية أخرى ترتكز على تقليد الموضة والماركة والتفنن في تعرية الجسد كما يقول عبد الرحمان بن خلدون ‘إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته’، لذلك فإن الحجر أو المنع أو التقييد لارتداء النقاب هو حجر وتقييد غير مشروع لحق الفرد في تبني اختياره الثقافي بقطع النظر عن مدى الشرعية الدينية للنقاب أو مستوى قوة حجية تأصيله الفقهية.

وبالنتيجة يبقى التعامل مع ظاهرة النقاب باعتبارها ظاهرة اجتماعية تخضع لقانون الحياة -الولادة والنمو والاندثار – بفعل محددات فكرية ونفسية واجتماعية لا بمقاربات امنية لان الميل والرغبة عند البشر تتأجج عند المنع وتخمد عند الإشباع ولذلك فان على الجميع الالتزام بعدم الانخراط في السجالات البيزنطية حول كل عمليات الإلهاء عن قضايا شعبنا الحقيقية وعدم الانجرار ككلب بافلوف للوقوع في فخاخ النقاش والحوار والجدال العقيم في القضايا الهامشية والثانوية كحقوق المثليين وارتداء النقاب وتوجيه قبلة الاهتمام نحو اولويات الشعب في معالجة الفقر والبطالة والتنمية الجهوية وتحريك المشاريع المعطلة ومقاومة الانقطاع عن التعليم ومحاربة الامراض والوقاية منها وتحقيق الأمن الغذائي والتحكم في الاسعار وتحسين المقدرة الشرائية للمواطن والإحاطة بالعائلات المعوزة والفقيرة والتشجيع على العمل والاعلان عن هدنة اجتماعية واقتصادية وتعزيز الوحدة الوطنية وإصلاح المنظومة التربوية ومحاربة إدمان التدخين والمخدرات والخمر والكسل والخمود وتحفيز مشاريع الاقتصاد التضامني والتعاوني عبر تفعيل دور السلطة التشريعية في اقتراح مبادرات تشريعية لتنزيل أحكام الدستور في واقع وحياة الناس حتى لا يبقى نقوشا جميلة تزينه.

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©