نصوص

النزوح نحو التجربة التونسية

تدريجيا تتحول العديد من الشخصيات المهتمة بواقع الثورات العربية من كتاب ومحللين وحتى ساسة ، الى الاقتناع بالنموذج التونسي كخيار لا بديل عنه في التعامل مع الاوضاع التي افرزها الربيع العربي ، بعد ان كانوا يعتبرونها التجربة المنخفضة والاكثر ارتخاء وحملوا في ذلك المسؤولية الكاملة للحزب الحاكم سابقا وزعيمه راشد الغنوشي ، وكتب انصار الربيع العربي كتابات وصلت الى حد التهجم

0
3 مايو 2015
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

تدريجيا تتحول العديد من الشخصيات المهتمة بواقع الثورات العربية من كتاب ومحللين وحتى ساسة ، الى الاقتناع بالنموذج التونسي كخيار لا بديل عنه في التعامل مع الاوضاع التي افرزها الربيع العربي ، بعد ان كانوا يعتبرونها التجربة المنخفضة والاكثر ارتخاء وحملوا في ذلك المسؤولية الكاملة للحزب الحاكم سابقا وزعيمه راشد الغنوشي ، وكتب انصار الربيع العربي كتابات وصلت الى حد التهجم على النهضة واعتبار رئيسها الحلقة الاضعف ضمن الزعامات التي زكتهم الثورات ، وقالوا انه وحركته خذلوا الجماهير وكان عليهم ان يقفوا في وجه الزحف التاتاري للثورات المضادة المدججة بالدولة العميقة وبالمال المحلي والإقليمي وبترسانة اعلامية رهيبة تمتص خصوبتها من الداخل ومن اسطول الاعلام الغربي المتحسس من وصول الاسلاميين الى الحكم ، ثورة مضادة مدعومة بلفيف من المنابر الحقوقية الغربية ، تقفز لمنع فيلم مسيء للذات الالهية في دولة تحكمها الثورة ، وتغمد تقاريرها حول القتل الجماعي في الساحات العامة ، حين يكون الحاكم ، ذاك السفاح ، سليل الثورة المضادة . بالامس واليوم و ليس بعد سنوات ، بدأت الاقلام والمنابر الحانية على الثورة تجنح الى النمط التونسي ، وتميل في قراءاتها نحو تعاطي ثورة الربيع العربي الام مع الانقلابات والمؤامرات المتدفقة تباعا على التجربة الفتية تبحث اقتلاعها من جذورها ، وأصبح لا ضير لدى قوى الاندفاع الثوري الشامل الذي دونه الموت ، من التعامل بعقلية استيعاب المنظومة القديمة واشراكها واعطائها فرصة لتطوير نفسها والخروج من عقلية الهيمنة والقتل والبطش الى عقلية القبول بالمشاركة في ديمقراطية لا تستهدف شافتهما ، وقابلة لاحتضانها ان هي اقلعت عن عقلية الردة الشاملة وجففت حنينها الى الدولة الشمولية الباطشة . تغير كبير طرأ على نقاد التجربة التونسية ، خاصة بعد ان تمكنت الثورة المضادة او الانظمة القمعية في بلدان الربيع العربي من الاستعانة بمقدرات اسطورية نسلت اليها من كل حدب وصوب ، وشرعت بشكل ممنهج في تدمير الدول والمدن وتهجير الملايين ، وقررت انها هي او الخراب الذي يتطلب اصلاحه العقود الطويلة ، يقول الدكتور خليل العنابي أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة، جامعة جونز هوبكنز الأمريكية بواشنطن. ، " بعد ان مالت النهضة إلى التوافق وقدمت تنازلات سياسية حقيقة وابتعدت عن الاستفراد أو الهيمنة، فالأمل معقود أن يتعلم العلمانيون التونسيون نفس الدرس وألا يقعوا فى نفس أخطاء أقرانهم المصريين التي أودت بالتجربة الديمقراطية، وأهمها الإقصاء والتهميش والتخوين لكل المعارضين بشكل فاشستي مقيت " ، أما الدكتور فيصل القاسم احد اشهر الاعلاميين العرب فاكد " في بلدان الربيع العربي، حيث انتفضت الشعوب بعد عقود من الاستكانة والطغيان على جلاديها من الأقليات الحاكمة، عسكرية كانت أو أمنية أو عائلية أو طائفية أو مذهبية أو قبلية أو عشائرية أو مناطقية. وكانت النتيجة دماراً ساحقاً ماحقاً نظراً لتمسك الطواغيت بالسلطة وإصرار الثوار على تنظيف البلاد من رجس الطغيان. لهذا، يجب على الشعوب والأنظمة الجديدة أن تتعلم من الأخطاء الكارثية التي حدثت بعد الثورات، وأدت إلى تدمير أوطان بأكملها وتشريد الملايين من الشعوب في سوريا وليبيا واليمن والعراق بسبب الظلم الذي مارسته فئة على أخرى...لا يمكن أن يكون الحل في كل بلاد الثورات إلا سياسياً، ليس لأن طرفاً لم يستطع القضاء على طرف، أو أن الحل السياسي أصبح الملاذ الأخير بالنسبة للثائرين الذين فشلوا في إسقاط هذا النظام أو ذاك" ، كما اشاد الدكتور عبد الله القفاري بنجاح التجربة التونسية وابتعادها عن مربع الاحتراب الداخلي ، وحشد الكاتب السعودي مجموعة من المعطيات اهلت تجربة تونس دون غيرها مؤكدا " ان اهم عوامل نجاح تونس في اجتياز المرحلة الانتقالية، انما يعود للمرونة السياسية والتطور الفكري الذي نزعت إليه حركة النهضة. فلم تجعل فوزها الكبير في انتخابات المجلس التأسيسي تخويلا تملك من خلاله الاستمرار في تشكيل الحكومة.. رغم تحالفها مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات في إطار ما سمّي "الترويكا الحاكمة". لقد ادركت الحركة، أن اخطر المراحل هي تلك التي تصر فيها على السيطرة على رئاسة الحكومة في مرحلة انتقالية، يمكن ان تذهب بكل مكتسبات الثورة وتجعل الحزب ومشروعه الخاسر الاكبر. براغماتية قيادة الحزب، والتطور الفكري الذي اسهم في مراجعات الحركة منذ كانت في المنفى لم يكن بلا ثمرة.. لقد كانت مراجعات مهمة آتت ثمارها في مرحلة انتقالية كانت تتطلب قدرا من المرونة والتنازلات للوصول الى ديمقراطية ترسل جذورها في ارض طرية لازالت تتطلب الكثير من العناية حتى تتجذر فيها المؤسسات القادرة على حمايتها. لقد اختارت الحركة التسويات والحلول الوسطى لتجنب العنف والمواجهة، ولتكون تونس الرابح بين الدول العربية التي اشتعلت فيها الثورات الشعبية." ، ليس انصار الثورة فقط والمتطلعين الى نجاح الربيع العربي ، من أشادوا بتجربة تونس ، فحتى الامين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي ، ورغم مواقفه السلبية تجاه الثورات ، فقد اكد ان النموذج التونسي هو الانجح وحرض على الاقتداء به . وان كانت التجربة التونسية لم تصل بعد الى شاطئ الامان ، فانه يمكن لرواد مرحلة التغيير ان يطمئنوا الى انهم بذلوا كل ما في وسعهم من أجل الحفاظ على توازن المركب التونسي في الوقت الذي ابتلعت فيه الامواج الهوجاء العديد من المراكب الاخرى ، وحتى لا نذهب بعيدا في اعطاء الصكوك لأرباب الثورات المضادة قراصنة الانقلابات ، وجب التاكيد ان المنطق والعدل والانصاف كل ذلك يفرض ان تتنحى الهوام السابقة التي امتصت مقدرات بلدانها ونكلت بشعوبها على مدى عقود طويلة ، وتترك المجال امام قوى النضال لإدارة المرحلة ، لكن اشراكهم في السلطة لم ياتي على قاعدة الاستحقاق وانما على قاعدة اتقاء شرهم ، خاصة وان الخوف ليس على المناضلين الذين افنوا اعمارهم في دروب المخاطر والالم والسجون والتهجير ، ولكن الخوف على الوطن والدولة ومستقبل الاجيال القادمة . ليس افضل من كلمات الكاتب الليبي ابراهيم محمد الهنقاري لننهي بها هذه النافذة التي بالكاد القت اطلالة ولو محتشمة على ثورة كان يمكن ان يثور غبارها لولا كبارها ... يقول الهنقاري " اجل. لقد اثبت التونسيون ان ثورتهم كبلادهم متميزة و راشدة و ناضجة و متحضرة و فوق مستوى الشبهات وراءها حضارة عريقة عميقة الجذور و تاريخ طويل من الإبداع و الفكر النير هدفها الاول والأخير هو صالح تونس و صالح التونسيين. وان الذي كتب سيناريو هذه الثورة و وضع لها اسبابها و حدد لها مراحلها و توقع نتائجها هو مواطن تونسي بسيط اسمه محمد البوعزيزي لا يعرف هيلاري كلينتون ولم يسمع بالمخابرات المركزية الامريكية و لم يسمع قط “بالربيع العربي.” بل ان الربيع الوحيد الذي يعرفه هو ذلك الربيع التونسي الذي تتفتح خلاله أوراق الياسمين و تملؤ الورود والرياحين حدائق و مروج تونس الخضراء. هو لا يعرف ربيعا سواه. و التونسيون كذلك. و الدليل ان ما وقع ولايزال يقع في باقي بلاد ما يسمى “بالربيع العربي” يختلف تماماً عما جرى و يجري في تونس." نصرالدين السويلمي

في الموسوعة

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©