نصوص

النخبة الاسلامية و قلق المستقبل من منظور المدرسة المعرفية

ابراهيم بلكيلاني ( النرويج ) إن نوعية الخطاب المتداول في المواقع الالكترونية التونسية المهجرية ، و طبيعة القضايا المنظور فيها ، و المدونة اللغوية المستخدمة ، تؤدي إلى استنتاج بأن أبناء الصحوة و بعد ما يقارب عقدين ، تفاقمت بينهم حالة القلق . و القلق أمر طبيعي و وجود قدر منه ضرورة حياتية . فالقدر المطلوب من القلق هو المحفز نحو الانجاز و البناء و الابداع . و لكن عندما يرتفع مستوى القلق ، فهو إشارة لابد من التنبه لها و أخذ الأمر بجد . لأنه من الممكن أن يتحول القلق من دور التحفيز إلى التثبيط و الهدم

0
5 مايو 2010
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة

ابراهيم  بلكيلاني ( النرويج )

    إن نوعية الخطاب المتداول في المواقع الالكترونية التونسية المهجرية ، و طبيعة القضايا المنظور فيها ، و المدونة اللغوية المستخدمة ، تؤدي إلى استنتاج بأن  أبناء الصحوة و بعد ما يقارب عقدين ، تفاقمت بينهم حالة القلق . و القلق أمر طبيعي و وجود قدر منه ضرورة حياتية . فالقدر المطلوب من القلق هو المحفز نحو الانجاز و البناء و الابداع . و لكن عندما يرتفع  مستوى القلق ، فهو إشارة لابد من التنبه لها و أخذ الأمر بجد . لأنه من الممكن أن يتحول القلق من دور التحفيز إلى التثبيط و الهدم . فكثير من الحالات الاجتماعية المؤلمة يكون سببها حالة القلق التي يمر بها الفرد . فالجهل أو التجاهل ، و ثقافة العيب و ستر الأمراض النفسية التي تدفع الفرد إلى " الوهم " و الاحساس بالسلامة ثم الركون إلى الأفكار غير العقلانية في التعامل مع القلق ستؤدي في النهاية إلى حالة لاسوية على مستوى الفرد  و التي ستؤثر على محيطه و أداء دوره في الاسرة ، الجماعة ، المجتمع ..

و عندما نرى الفئة العمرية التي نعنيها فهي في أغلب الحالات أو جلها تمر بما يسمى بمرحلة أواسط العمر التي تبدأ من سن 40  إلى 60 . و هذه المرحلة لها خصائصها و مميزاتها فهي  ".. وقت الإنجاز، ففيه يصل المرء إلى قمة الأداء ويجني ثمار سنوات الإعداد الطويل والعمل الشاق في المراحل والأطوار ا لسابقة، وفيه يكون المرء قد حصل قدراً كافياً من الخبرة ، والعلاقات الإنسانية مما يهيئ له قدرة على الحكم الصحيح أو التقييم الجيد للعلاقات الاجتماعية .. وهكذا يمكن أن توصف مرحلة وسط العمر بأنها قمة منحنى حياة الإنسان ، و وسط العمر هو الفترة الذي تعد فيها القيادة في العمل هي مكافأة الإنجاز" ( يحي عبدالله الرافعي : http://uqu.edu.sa/files2/tiny_mce/plugins/filemanager/files/4052486/mid%20adult%20-%20yahya.pdf.)

هذه خصائص مرحلة أواسط العمر في جانبها الايجابي ، إلا أن الظواهر الملموسة و التي ندعي انتشارها بين النخبة التونسية الاسلامية المهاجرة - مع الإقرار بأن هذا الاستنتاج غير مبني على دراسات تجريبية  تتوفر على شروط الدراسات العلمية في مثل هذه المجالات ، لأنه لم تتصدّر بعد النخبة الاسلامية إلى مثل هذه الأعمال ، رغم أننا بأمس الحاجة لها -  فهي استنتاجات مبنية على الملاحظة و قراءة المدلولات التفسية للألفاظ  و صيغ  إدارة الحوار و بنية الردود من خلال المواقع الالكترونية . و أيضا من خلال دراسات أجريت على جاليات مشابهة مع الاشارة إلى صعوبة تعميم النتائج . و أشير هنا إلى أنني لست متوسّلا  بالقراءة السياسية  و لكنني أتوسل بالقراءة النفسية الموضوعية قدر الاستطاعة . و كما أشرت في مقال سابق إلى أن أبرز هذه الظواهر هي :

1.    استخدام مدونة لغوية غير حوارية ، و هي تخفي في تقديرنا :

أ- عدم توفر أو بلوغ الحوارات الداخلية بين المجموعات إلى مرفأ التوافق . و هي تشير إلى عجز جمعي . و النعوت المستخدمة تجاه الرموز القيادية تؤكد " شبح تفكك "  قادم .

ب- بلوغ الموقف تجاه السلطة حد اليأس ، مما يعني أننا مقبلون على مرحلة سيتخذ فيها الخطاب السياسي أحد الاتجاهين :

أولا : اتجاه ينفتح على السلطة و يقبل بأي " عطية " ، و تتكرس معه لغة التبرء من الماضي و تحميل قيادات تلك المرحلة كل النتائج الأليمة التي لحقت بالأفراد و المجتمع و سوف لن تدخر جهدا في تكريس خطاب ينظّر ل " المعارضة المشاركة " .

ثانيا : اتجاه سيعتبر التقاط الفرص و كل محاولات التنظير لخطاب التهدئة و المداراة ، هو    " مهادنة" و " ردة سياسية " توجب الدعاء بالموت على رموز هذا التوجه . و سيتكرس معه خطاب " متشنج " يفرض بعد مدة مراجعات في اتجاه التشدد و الرفض لكل أشكال التواصل مع الآخر. 

2.    جلد الذات لتبلغ حد حالة من رفض الذات ، و بلوغ حالة العجز مدى صعب . و هي نتيجة لحالة القلق التي  نراها رأي العين . و الانشغال بجلد الذات هو دلالة على العجز عن اشباع حاجيات الأفراد . و لكل فرد مجموعة من الحاجيات أشار إلى أهمها (ماسلو) . فعندما يشعر الفرد بأن هذا الاطار أو ذاك لا يشبع حاجاته الأساسية ، سيندفع للبحث عن أطر جديدة توفر له الاشباع و هذه حقيقة نفسية . و عادة ما يصاحب مرحلة الانتقال  ظواهر قاسية نفسيا و تختفي وراءها كل مظاهر التشنج .

 

فالفئة العمرية  التي بصدد النظر فيها كما  ذكرنا هي مرحلة أواسط العمر و يشير الرافعي إلى أنه " حينما يصل الفرد إلى هذه المرحلة ، فمن الغالب أن يكون قد بنى لبنات أسرته ، وشيد كيانه الاجتماعي الخاص به ، وأصبح أباً تقع على عاتقه تبعات عملية التنشئة الأسرية بكل ما تحمله من تعقيدات . ويرى إريكسون أن الفرد الناجح الذي قد حقق الألفة الاجتماعية المطلوبة في المرحلة السابقة ، يغدو قادراً على الأخذ والعطاء الاجتماعي ، غزيراً في إنتاجه ، غنياً في تجاربه ، متميزاً في معاملاته الاجتماعية ، مربياً بمعنى الكلمة . أما إذا ما كان العكس ، فالنتيجة التي يراها إريكسون هي الكساد والركود في الذات والتراجع النفسي ، وشح العطاء ، والإحساس بقلة الإنتاج. وقد تتأزم الأمور لتصل إلى حد عدم موافقة الفرد مع ذ اته ، أو ما يعرف في علم النفس الحديث بالتنكر (رفض للذات (" (مصدر سابق ) . فهل ما نقرأه من ردود أفعال متشنجة ، و استدعاء لمدونة لغوية مشحونة ، تعبر حقيقة عن أن مستوى القلق لدى بعض أفراد النخبة الاسلامية المهاجرة بلغ  درجة تستدعي المعالجة السريعة ؟. هذا المقال سعينا فيه إلى التذكير بمجموعة من  المقدمات و الاضاءات النظرية كما تتبناه المدرسة المعرفية في علم النفس و التي ترى أن معتقدات الفرد وأفكاره الخاطئة لها الدور الحيوي في توليد القلق لديه. و أن اضطرابات التفكير تكون سببا ملحوظا لأعراض القلق .  و تؤكد دراساتهم  على وجود علاقة وثيقة بين المعتقدات غير العقلانية و القلق لدى الجنسين الذكور و الإناث . و تشير تلك الدراسات إلى أن الأفكار الأكثر إنتشارا لدى الإناث هي :

-        الانزعاج لمشكلات الآخرين .

-        الاعتمادية .

-        تجنب المشكلات .

بينما الأفكار الأكثر انتشارا لدى الذكور هي :

-        لوم الآخرين .

-        عدم التسامح تجاه الإحباط .( ابراهيم ، 1990)

 

     ويرى بيك أن " الاضطرابات الانفعالية تكون ناتجة أساسا عن اضطراب في تفكير الفرد . فطريقة تفكير الفرد و ما يعتقده و كيف يفسر الأحداث من حوله كلها عوامل هامة في الاضطراب الانفعالي " . ( حسين،2007، ص 37) .

 فأفراد فئة أواسط العمر ، و خاصة إذا لم يحققوا بعض الانجازات على المستوى الفردي أو الأسري أو الجمعي ، يصبحون أكثر قلقا من المستقبل ، و تجدهم يرتابون من كل جديد ، فهو مبهم لديهم و تحوم حوله الشكوك دائما ، و فكرة " التآمر" هي المهيمنة هنا. و بما أن الجالية التونسية المهاجرة التي نعنيها تعيش بين حدي  رفض الذات و رفض الآخر أو عدم الثقة به ، فهي دائمة التوقع لجوانب السلبية أكثر من الايجابية من الطرفين معا ، و هو ما نلامسه في عديد من المقالات . و نشير هنا إلى أن ( بيك )  يؤكد في أعماله على أن توقع الفرد للأخطار و الشرور هي المكونات الأساسية التي تميز مرضى القلق . فالقلق لديه يتوقف أساسا على كيفية إدراكه لتلك المخاطر و تقديره لها. فالفرد في حالة القلق يكون مهموما أولا باحتمال تعرضه للخطر أو الأذى . فالفكرة الأساسية التي تهيمن عليه هي وجود خطر داهم يهدد صحته ، أسرته ، ممتلكاته ، مركزه المهني أو الاجتماعي و غيرها من أنواع التهديدات . ( تونسي، 2002 ، ص ص 29-30 ) . و " يعتبر التفكير المأساوي من الأخطاء المعرفية الشائعة لدى مرضى القلق ، و تعني توقع أسوأ النتائج ،إذ أن تفكير مريض القلق يكون منصبا على توقع أسوا النتائج المحتملة لأي موقف من المواقف " (حسين،2007، ص37) . أما  المدرسة الانسانية تؤكد على أن القلق " لا ينشأ من ماضي الفرد و إنما هو خوف من المستقبل و ما قد يحمله من أحداث تهدد وجود الإنسان و انسانية الفرد . فالقلق ينشأ مما يتوقع الفرد من أنه قد يحدث . أي أن المستقبل هو العامل الذي يستثير القلق " ( الجنابي و صبيح ، 2004 ) . و في نظرنا  أن حالة القلق التي ندرسها ، لها أسباب تتعلق بماضي الفرد ، و هو ما تؤكد عليه مدرسة التحليل النفسي " فعندما تهدد الذكريات و الرغبات المكبوتة بالظهور من مستوى اللاشعور إلى مستوى الشعور ، فإن القلق يحصل ليكون (إشارة إنذار) إلى الأنا ." (صالح و الطارق ، 1998 ص 264) .و هي في الآن نفسه حالة قلق تتجه إلى ما تحمله قادم الأيام . و هذا القلق في تقديرنا نتيجة لانسداد في المشهد السياسي التونسي بقطبيه السلطة و المعارضة . فلا أحد يستطيع أن يتوقع ما ستقدَم  عليه السلطة ، و لا أحد أيضا يستطيع توقع مآلات الكيانات السياسية القائمة . و هذه الوضعية معمّقة لحالة القلق . فالمبالغة في تقدير الأخطار المحتمل حدوثها للفرد في المستقبل ، تجعله دائم التشكك في قدرته على المواجهة و المقاومة و المصابرة ، مما تسبب له قلقا مستمرا . و يعمل ميكانيزم الأفكار التلقائية السلبية المتسم بتوقع دائم للمخاطر على تحريف و تشويه معارف مريض القلق . وفي هذا الإطار تشير أعمال Greenberg & Beck   إلى " إن تشويه الفرد لما يرد إليه من معلومات في اتجاه التوقع المستمر للكوارث ينعكس على نظرة الفرد لذاته و للعالم و للمستقبل " ( حسين،2007، ص 39) .

ماذا تقول المدرسة المعرفية في مواجهة ذلك ؟

تشير المدرسة المعرفية إلى أنه يجب البدء بتغيير معتقدات الفرد و أفكاره الخاطئة عن ذاته و عن الآخر و الواقع الموضوعي الذي يتحرك فيه . أولا  نشير إلى أننا لا نعتبر أن حالة القلق في الجالية بلغت مستويات مرضية حادة ، فهي في تقديرنا و إن كانت بلغت عند بعض الأفراد مستوى و مؤشر سلبي للصحة النفسية ، و لكن في مجموعها ما تزال في دائرة التحكّم ، و هي فرصة قابلة للاستثمار . و نحسب أن النخبة الاسلامية مرشحة إلى لعب دور كبير في قادم الأيام ، إذا أدركت هذه الحقائق و تقطع  مع حالة السلبية و الانتظارية . لأنها في فعلها و اطلالتها ، ستكون قادرة على إعادة ترتيب الأولويات ، و إعادة الوعي بأهمية ثقافة الانجاز و الانخراط في الشأن العام أولا في مهاجرها المختلفة و  في كل فضاءاته ، لأنه من خلال ذلك ستؤكد بأن النخبة الاسلامية قوة بناء و تعمير و تعارف ، و ستفتح أمامها في قادم الأيام الأبواب الموصدة اليوم . لأن الانجاز وحده يزيل كل مظاهر الشكوك و يعيد الحيوية و الفعل إلى الذات . و سيدفع الآخر إلى إعادة التقييم و النظر إليه من خلال دور البناء و التعمير و التعارف . و مسألة أخرى نؤكد عليها في خاتمة هذا المقال ، و ختمنا بها المقال السابق  حان الوقت إلى اعتبار " القراءاة السياسية " أو " المقاربة السياسية " هي أحد المقاربات ، و ليست بالضرورة أن تكون الأنجع في تحريك الوضع . بل كل المؤشرات تدعو إلى أنها في هذه المرحلة سبب في شيوع  ثقافة الاحباط و الاصطفاف الوهمي و " البكائيات"  السياسية  . و علينا أن نستعيض بمقاربات جديدة و لا نقصرها في " المقاربة النفسية " فقط و إن كنا نؤكد على أهميتها في هذه المرحلة . فتعدد المقاربات تمنح النخبة رؤية أوسع و تفتح آفاقا أرحب أمام الجميع للنظر الموضوعي في الواقع من كل جوانبه و متطلبات النهوض به و تحديد سلّم الأولويات . و لن تستقيم " المقاربة السياسية " تحليلا أو فعلا إذا لم تتأسس على مقاربات قبلية ( تسبقها زمنيا )، تمنحها الشمولية ، الموضوعية  ، الواقعية و المرحلية

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©