المًهاجرون التّونسيّون: أجيال مظلومة ...
بقلم: تيسيـر العبيدي عن " المنظمة الدوليّة للمًهجّرين التّونسيين" صدر كتاب بعنوان " المًهجّرون التّونسيّون: من هم؟ " للعضو المؤسس في حزب " المؤتـمر من أجل الـجمهورية" المهندس الأستاذ عـماد الدائـمي. الكتاب من الـحجم الوسط، ويتكوّن من 157 صفحة، سلك فيه المؤلف مسلك التأريـخ، ولكن أي تأريـخ؟... تأريـخ لضحايا عهود الطغيان منذ عهد المستـعمر الفرنسي حـتى عهد " بن علي". أشار المؤلف في الصفحات الأولى بكتابه إلى أنّـه كان قد أرسل مضامين الكتاب إلى الطباعة قبل اندلاع الثورة التونسية، وفضّل الإبقاء عليها ك
- 29 يونيو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بقلم: تيسيـر العبيدي
عن " المنظمة الدوليّة للمًهجّرين التّونسيين" صدر كتاب بعنوان " المًهجّرون التّونسيّون: من هم؟ " للعضو المؤسس في حزب " المؤتـمر من أجل الـجمهورية" المهندس الأستاذ عـماد الدائـمي. الكتاب من الـحجم الوسط، ويتكوّن من 157 صفحة، سلك فيه المؤلف مسلك التأريـخ، ولكن أي تأريـخ؟... تأريـخ لضحايا عهود الطغيان منذ عهد المستـعمر الفرنسي حـتى عهد " بن علي".
أشار المؤلف في الصفحات الأولى بكتابه إلى أنّـه كان قد أرسل مضامين الكتاب إلى الطباعة قبل اندلاع الثورة التونسية، وفضّل الإبقاء عليها كما هي حـتى " تعكس بأمانة المشهد النفسي والسياسي للمنفيين" ص.5. وأهدى الكتاب إلى " بذور الـخيـر التي اقتلعتها الرياح العاصفة من أرضها"، وإلى " أرواح الشهداء الأبرار الذين رفضت سلطات البلاد عودتـهم أحياء يرزقون، واستـقبلتهم جثامين ملفوفة في علم الوطن" ص.3. ثـم توجه بكلمة شكر إلى الذين أعانوه في إخراج الكتاب.
كتبت المقدمة الدكتورة فيوليت داغر، رئيسة اللجنة العربية لـحقوق الإنسان"حيث استـعرضت التوترات السياسية، الاقتصادية والاجـتماعية التي تسببها الـهجرة في البلدان المًهاجر منها، وإليها، معتبـرةً أن هذا الموضوع أصبح هـّماً وطنياً ودوليّاً، مـما يدعو إلى ضرورة " إيـجاد أرضية مشتـركة تضمن مصالـح الـجميع" ص. 12.
تـحدث المؤلف في مدخل كتابه عن ظاهرة الـهجرة، وحقوق المهاجرين عالمياً وعربياً، وقد خصّ المًهجّرين السياسيين التّونسيين بـمعظم الفصول، وروى لنا حكايات مأساوية عما تعرضوا له من ظلمٍ واضطهاد وتشريد وسـجون، في ظلّ دولة الاستـقلال الذي حكمها بيد من حديد الرئيس " بورقيبة"، والذي أودع في السجون ، والمهاجر، نـخبة من رجال السياسة التي مارست الـحكم لفتـرات مـختلفة، وعلى رأس هؤلاء الزعيم صالـح بن يوسف، وغيـره من المهجّرين السياسيين الذين توفيوا في المهاجر أمثال: " مـحمد البدوي المرزوقي" والد المعارض التونسي البارز الدكتور منصف المرزوقي" ص. 17، ويلفت الكاتب إلى المهجّرين من " ذوي التوجهات الوحدوية العربية" ص. 17. الذين فرّوا من هيمنة " الـحزب الواحد" ومشاركتهم في منظمات عربية وعالمية مسلحة "من أجل نصرة القضايا العادلة" ص. 25.
وينتقد بشدة الفتـرة التي حكم فيها الرئيس " بن علي" التي شـهدت موجة قاسية من الإضطهادات، الاعتقالات والتـعذيب بـحق كل من تـجرأ على قول الـحقيقة أو ناضل في سبيلها كتاباً كانوا أو رجال أعمال أو طلاباً جامعيين ومصلين يؤمنون المساجد بشكل منتظم.
هنا تـحضرني قصيدة طويلة كتبها أحد الشعراء التونسيين المغمورين في سـجن " برج الرومي"، تقول بعض أبياتـها:
ولكم ليالٍ في "برج الرومي" قد أنقضت وزين العابدين له مـحيا قد تبدل منظرا
ودوي السياط في الدجى كالرعد يدوي مستمراً في العرا
والسيف يـخطب في الرقاب كأنّـه الـحجاج حين يعلو المنبـرا
حـتى إذا لاح الصباح ثبتوا فقدان ألفٍ منّا أو أكـثرا
ويتابع متحدّثاً عن المهجّرين السياسيين الذين حاولوا إعادة تشكيل بعض البًنى التنظيمية، ومساهـمتهم بتأسيس هيئات حقوقية ومنظمات إنسانية "من أجل التـعريف بالمظالـم" ص.25. وتقديم العرائض إلى الـهيئات الدوليّة بـهدف شرح حجم الإضطهادات التي تعرضوا لـها، وعن دورهم "الرائد في تـحسين ظروف الـجالية العربية والإسلامية في المهجر" ص.26. كما وجه أقسى انتقاداته اللاذعة إلى المهجّرين السياسيين الذين تـخلوا عن عملهم السياسي وواجبهم الوطني.
وتناول النتائـج السلبية التي آلت إليها مشاريع العفو العام،، ويكشف عن قوة الرابطة التي تربط بين هؤلاء المهجّرين ووطنهم، وعن صدق الرغبة في العودة إليه، وفشل تـمكينهم من العودة لوطنهم دون شروط أمنية " تـمسّ بكرامتهم الوطنية".
وبالرغم من مأساوية الكتاب، فإنّـه لم يـخل من السخرية اللاذعة ، ومن هذا القبيل " القانون الذي يـجيز للسلطة مـحاكمة المواطنين عن سلوكهم خارج البلاد، ولو كان " الـجرم" مباحاً في بلد الإقامة" ص. 24 .
أو تلك العبارة التي تـجزم على أن المهجّر لو عاد إلى الوطن سيجد نفسه " كأحد أصحاب الكهف في مواجهة واقعه الـجديد" ص. 99.
يضم الكتاب أيضاً، تسع استبيانات كًتبت بأسلوب شاعري مؤثر جداً،وجاءت فريدة من نوعها من حيث الشـمولية، والدقة في التفاصيل الـحياتية للمهجّرين السياسيين التّونسيين. فلا هي إحصاء على ما تنطوي من أرقام ونتائـج وشـهود، ولا هي يوميّات على ما تضمنته من ضبط أحداث في تواريـخ معينة، ولا هي روايات على امتلاكـها الكثيـر من عناصرها، ولا هي عمليات توثيق لشخصيّات حقيقية معروفة في العمل السياسي، والوطني في تونس.
أجرؤ على القول إن الأشكال الفنية المتنوعة في التعبيـر عن مأساة المهجّرين السياسيين التونسيين هي التي صنعت فرادتـها وخصوصيتها ، ولعلها من أهم الاستبيانات التي صدرت في الشأن المهجري التونسي، هذا، إن لـم أقل أهم الاستبيانات حـتى لا أُتـهم بالمبالغة، هذا، بالإضافة إلى أنـها تعيد التعايش مع مرحلة مهمة من تاريـخ تونس.
نقرأ فيها ما يبكينا عن الأجيال المهدورة التي تـخسرها تونس، بينما تتلقاها بلدان المهجر كهدية من السـماء لا تـقدر بثمن، وفيها ما يؤلمنا عن إصرار المهجّرين للتـغلب على مصاعب وأحزان المهجر، وعن مشاكل الاندماج، ونقل جثث الموتى ليواروا التراب في الوطن، وفيها ما يدعونا إلى أن نـموت ... نعم، أن نـموت حزناً على الشهداء ، مرددين الآية الكريـمة: " وما تدري نفسُ بأيّ أرض تـموت".
وفيها ما يـجبـرنا إلى التأمل في الأسباب الـحقيقية التي تدفع بالتونسيين إلى الإبـحار في مراكب صغيـرة آملاً في الـحصول على حياة أفضل فيكون مصيـرهم الغرق في البحار بدلاً من الـحياة، وفيها ما يدعونا أن نصلي لرب العالمين أن يًلهم المفكّرين في الأحزاب التونسية لصياغة مناهـج وأساليب سياسية جديدة تـحمي المهجّرين من الذين يرون فيهم فريسة دسـمة من السهل اصطيادها لمصلحتهم الـخاصة.
وأشدد هنا، على المفكّرين في الأحزاب التونسية الـجديدة، وما أكـثرها، على اعتبار أن الدبلوماسيين الرسـميين في السفارات الموصفين بفساد أخلاقهم وماديتهم، غيـر مـهتمين للقيام بـهذا الدور على أرض المهجر، بل لأدوار أخرى.
هذه الاستبيانات تـجعل القارئ التونسي، مهاجراً كان أم مقيماً، أن يفكر مع المفكّرين في ما هي واجباته تـجاه قضايا المهجّرين، والمهاجرين، وكيفية إعادة حقوقهم المدنيّة إليهم، كما يدفعه إلى الإسراع في المشاركة في الأحزاب والـجمعيات والنوادي الثقافية التي تسهر على تنيمية، وتعميق صلة المهاجرين بأرض آبائـهم وأجدادهم.
كتاب " المًهجّرون التّونسيّون: من هـم؟ " يكشف وجه الـحقيقة الناصعة للمهاجرين التّونسيين على قسوتـها ومرارتـها، ويطيح بالأقنعة، لقد استـطاع الأستاذ الدائـمي أن يستـعرض هـموم المهجّرين السياسيين، والمهاجرين التونسيين وهواجسهم، أفراحهم وغضبهم، رضاهم وآمالـهم، واسـتطاع أيضاً، أن يستـعرض هـمومه وأحلامه وأهدافه السياسية، الوطنية والإنسانية كاتباً وأكاديـمياً، صحفياً ومناضلاً حزبياً.
يقول السياسي والأديب جون دوس باسوس:
" بإمكانكم أن تنزعوا إنساناً من بلاده، سوى أنكم لن تستطيعوا أبداً انتزاع بلاداً من قلب إنسان".
كلمة أخيـرة لا بد منها، هذا الكتاب يـحتاج إلى قراءة موسعة، متأنية تتجاوز هذه العجالة الموجزة التي تعجز عن إيفائه حقه، لذا، أدعو كل قارئ بلغة الضاد، وكل سياسي، وكل حزبي وإعلامي مهتم بالشأن التونسي أن يقرأ هذا الكتاب ويعطيه ما يستـحقه من الاهتمام. إننا اليوم، بعد الانتفاضة المباركة، بـحاجة ماسة لإضاءة شعاع المعرفة على الصفحات المهملة من تاريـخ شعبنا العظيم.