المقاصد، قبضة من أثر بن عاشور...
بسم الله الرّحمان الرّحيم.. معلوم أنّ تعاليم الشّريعة الإسلامية ونصوصها القانونية لها أهداف ومقاصد تنتهي إليها. و تتلخّص عموما في الرّفق بالإنسان وتحقيق منفعته في هذا الكون الذي يعيش عليه، ثمّ ضمان سعادته في الآخرة، طبعا لمن يؤمن بها.. لذلك فإنّ علماء شريعتنا اهتدوا إلى وضع علم سمّوه مقاصد الشّريعة.. فالمسلم إذا ذهب إلى الشّريعة ليأخذ بها وسعى إلى تطبيقها دون فقه مقاصدها وإدراك منتهياتها، فإنّه يجعل من نفسه هو والشّريعة معاً كاريكاتيرًا ساخرًا مضحكًا ويصبح مبعثا للإزدراء والنّفور، ثمّ تصير الشّر
- 19 مايو 2014
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
بسم الله الرّحمان الرّحيم.. معلوم أنّ تعاليم الشّريعة الإسلامية ونصوصها القانونية لها أهداف ومقاصد تنتهي إليها. و تتلخّص عموما في الرّفق بالإنسان وتحقيق منفعته في هذا الكون الذي يعيش عليه، ثمّ ضمان سعادته في الآخرة، طبعا لمن يؤمن بها..
لذلك فإنّ علماء شريعتنا اهتدوا إلى وضع علم سمّوه مقاصد الشّريعة..
فالمسلم إذا ذهب إلى الشّريعة ليأخذ بها وسعى إلى تطبيقها دون فقه مقاصدها وإدراك منتهياتها، فإنّه يجعل من نفسه هو والشّريعة معاً كاريكاتيرًا ساخرًا مضحكًا ويصبح مبعثا للإزدراء والنّفور، ثمّ تصير الشّريعة بعد ذلك بسببه متروكة مكروهة منبوذة..
ولكي أضعكم في قلب الموضوع، تعالوا معي إلى أمثلة بسيطة جدّا، أسوقها لكم من صميم الواقع..
ما رأيكم في مؤذّن يقف أمام ميكوفون مثبّت في داخل المقصورة في المسجد ويرفع أذان الصّلاة.. وفي الخارج يسمع النّاس الأذان بوضوح إلاّ حين يصل المؤذّن إلى قوله: "حيّ على الصّلاة" و "حيّ على الفلاح" عندها لا يكاد يسمع صوته أحد..؟
هذه واقعة حدثت فعلا..
لا ترهقوا أدمغتكم كثيرا في البحث والتّفكير بل ادّخروا عصارة أذهانكم لما هو أشقّ وأدهى، فأنا سأفسّر لكم المعضلة..
أخونا المؤذّن كان يعتقد أنّه يطبّق سنّة من السّنن الموجودة في شريعتنا.. حيث أنّ المؤذّنين في فجر الإسلام طلب منهم النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام حين يرفعوا الأذان من فوق الصّوامع أن يلتفتوا إلى الجهات الأربع وهم يقولون حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح.. والمقصد من ذلك أن يصل النّداء إلى النّاس في كلّ الجهات..
مؤذّننا هذا قام بتطبيق تلك السنّة حرفيا وحسب رأسه الفارغة من مقاصد الشّريعة، فحين يلتفت على اليمين وعلى اليسار في قوله حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح يبتعد عن الميكروفون فلا يصل صوته إلى الخارج، و نسي أنّه يؤذّن داخل المسجد في ميكروفون مثبّت أمامه وأنّ في أعلى الصّمعة توجد مكبّرات الصّوت موجّهة للجهات الأربعة تُسمِع النّداءَ موتى القبور، وأنّه لم يعد هناك أي علّة أو حكمة من التفات المؤذّن يمينا و يسارا و هو يرفع النّداء..
فهل أعجبكم الكاركاتير..؟
هذا هو تطبيق السنّة عند البعض.. تطبيق نص شرعي دون النّظر في مقاصده، ومع التّخلّي التّام عن العقل..
وإليكم صورة أخرى:
كنت أصلّي في أحد المساجد في مدينة "ليون" يقول أهله إنّهم سلفيون.. وفي الحقيقة أنا أعيب عليهم هذا الإحتكار، فأنا أيضا سلفي بما أنّني أستلم ديني عمّن سلف من المسلمين وصولا إلى محمّد عليه الصّلاة والسّلام.. وبالتّالي كلّ مسلم هو سلفي.. لكن لا علينا من هذا..
كنت في الصّف أصلّي وكان أخ بجانبي لحيته طويلة ويلبس قميصا وسرواله مقصوص لا يمسّ الكعبين، و كان هذا الشّاب يلصق رجله أثناء الصّلاة برجلي لدرجة أنّه يؤلمني بظفره، وكنت كلّ مرّة أسحب رجلي قليلا، و هو يواصل ملاحقتي برجله ويلصقها بعنف، وتكرّرت المطاردة والمضايقة.. ثمّ في الرّكعة تقريبا الثّانية أو الثّالثة ضربني بمرفقه على بطني حتّى خرجت من حلقي صيحة مكتومة "أعّ"..
ولمّا رأيت أنّني لست في الصّلاة أصلا، وأنّ هذا الأخ أخرجنا منها إلى شيء آخر غيرها، خرجت من الصفّ وانسحبت إلى آخر المسجد.. أقسم لكم بالله أنّ هذه واقعة حدثت لي حقيقة وليست مجازا...!
ومرّة أخرى أعود لتأصيل ما حدث.. فالأخ علم أنّ هناك حديث يروي فيه صحابي جليل كيف كانوا مع النّبي (ص) يتراصّون ويستوون في الصّلاة ولا يتقدّم أو يتأخّر أحد على أحد وكانوا يتحاذون بالمناكب..
والحقيقة أنّ النّبي (ص) كان يحرص على ذلك وهم حديثو عهد بالإسلام، حتّى لا يتقدّم في الصّلاة غنيّ على فقير ولا سيّد على عبد، أو ربّما قد يذهب البعض بعيدا، فيقسّم المسجد جناحين واحد للشّرفاء والأعيان والآخر للعبيد والضّعفاء.. ولم يكن المقصد الحقيقي هو إلصاق السّاق بالسّاق في الصّلاة بطريقة منفّرة ومضايقة، ومانعة ممن الخشوع والقنوت في الصّلاة...
هل اتّضح لكم مفهوم مقاصد الشّريعة في المثالين، ومدى بُعد المؤذّن والأخ السّلفي عنها؟
والأمثلة الّتي تعكس عدم فهم كثير من أهل الشّريعة الإسلامية شريعتهم الغرّاء ومقاصدها كثيرة في حياتنا..
العجيب، أنّ المؤذّن أصرّ على موقفه، بل وطالب بنزع الميكروفون من مكانه إن شاءوا وجعله متحرّكا لكي يلتفت به شمالا وجنوبا وشرقا وغربا حين يصل إلى قوله: حي على الصّلاة حيّ على الفلاح، تطبيقا لسنّة نبينا عليه الصّلاة والسّلام..
وأمّا الشّاب السّلفي فقد لقيني بعد الصّلاة وأشبعني تأنيبا، وسخرية منّي لقلّة فقهي.. وفسّر لي كيف أنّ الشّيطان يتسرّب بين قدمي المصلّييْن إذا لم يلصقا قدميهما ببعضيهما في الصّلاة.. وغاب عنه أنّ الحديث "لا تدعوا فرجة للشّيطان" إن صحّ، المقصود منه الفرجة الّتي تنطلق في الحقيقة من القلوب إذا كان هناك كبر في نفوس بعض المصلّين على الآخرين فتنتج عنه فرجات في الصّفوف وتقدّم البعض عن الآخرين استعلاء وتكبّرا..
هل يعقل أنّ الشّريعة جاءت جامدة لتتركنا في نفس المكان متأخّرين حتّى عن ذيل القافلة البشرية التي من المفروض تسعى لتتقدّم وترتقي..؟ وما المقصود بمقاصد الشّريعة..؟
يجب أن نعرف أنّه كما يرفق صانع الآلة مع صنعته عند بيعها للمستعمل "كتيب بيان الإستعمال" أو ما يسمّى بالفرنسية "الكاتالوج".. حتّى يتمكّن المستعمل من الإنتفاع بها دون إفسادها.. جاءت آلة الكون التي هي أعقد آلة بما عليها من كائنات، ومعها كتاب يفصّل استعمالها.. وهذا الكتاب هو الشّريعة..؟
والشّريعة لها مقاصد منها ما بيّنها الله للنّاس ومنها ما سكت عنه إفساحا للعقل البشري كي يعمل ويكتشف ويفهم فيستنبط ويلحق مسكوت عنه أو مستحدث بأصل من أصول التّشريع ولا يتسنّى ذلك إلاّ بعد الإلمام بعلم مقاصد الشّريعة..
ولقد تقيّض لأمّتنا علماء أفذاذ تناولوا علوم المقاصد وبيّنوه للنّاس في مؤلّفاتهم، حتّى تُفهم الشّريعة وتؤخذ بعلم وتطبّق عن علم وترتقي بالبشر... ولعلّ أشهر من يذكر في هذا المجال العلاّمة التّونسي محمّد الطّاهر بن عاشور، الّذي وضع كتابا إسمه "مقاصد الشّريعة"، عبّر عنه بعض الباحثين بأنّه مشروع جبّار للأمّة لم يكتمل، باعتباره لم يوضع موضع التّنفيذ لتدرك الأمّة دينها وتفهمه بذهن معاصر، فيقفز بها على الهوّة الّتي اتّسعت بينها وبين من تقدّموا عليها..
و في كتابه هذا، استهجن العلاّمة ابن عاشور انغلاق كثير من علماء المسلمين وغفلتهم عن دراسة علم المقاصد وفقه النّظر في مصالح النّاس ممّا انجرّ عنه حسب رأيه تأخّر الأمّة و من مقولاته:
" طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمّة عند نوازلها ونوائبها، إذا التبست عليه المسالك، وأنه إن لم يتّبع هذا المسلك الواضح والحجّة البيضاء فقد عطّل الإسلام عن أن يكون دينا عاما وباقيا"
ويعتبر الشّيخ راشد الغنّوشي عالِمٌ مقاصدي، قد قَبَض قبضة من أثر ابن عاشور في هذا العلم، ولكن يمكن القول أنّه تسنّى له ما لم يتسنّ لابن عاشور من تطبيق عملي لفقه المقاصد، حيث حفظ الدّماء في بلادنا حيث استحلّها المجرمون، واتّقى الفتنة حيث أشعل نارها الملبسون وسعى بأصالة دينه لإدخال النّاس في السّلم كافّة لمّا دعا أصحاب الإيديولوجيات المستوردة إلى الحرب، فحفظ بذلك أولى الضّرورات الخمس الّتي نزلت من أجلها شريعتنا وكلّ الشّرائع السّماوية والّتي هي على التّوالي كما ذكرها العلماء حيث قالوا جاء الإسلام ليحفظ هؤلاء الخمس: (أوّلا ـ النّفس) ، (ثانيا ـ العقل)، (ثالثا ـ الدّين)، (رابعا ـ المال)، و (خامسا ـ العرض).. والّتي هي المحور الّذي تدور حوله مقاصد الشّريعة، وقد قال العلاّمة السّلفي ولد الدّدو في الشّيخ راشد الغنّوشي "إنّ الغنّوشي والنّهضة يكفيهم أنّهم جاؤوا لتقليل الشّرّ و زيادة الخير ... و استشهد بحديث رسول الله (ص) : "أنتم في زمان من ترك فيه عُشُرَ ما أُمِرَ به هَلَكَ وسيأتي على النّاس زمان من أتى منهم بِعُشُرِ ما أُمِرَ به نَجَا" -أخرجه التّرمذي-