المغرب بين الجزائر والتعاون الخليجي
أعلن فجأة عن مشروع انضمام المغرب لمجلس التعاون الخليجي...لو كان هذا المشروع طرح قبل أن يحرق البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد، لكنت ابتسمت من الخبر وانتهى الأمر، بل لكنت اقترحت أن ينضم المغرب لتجمع أمريكا الجنوبية لنلعب في كوبا امريكا ونرى البرازيليين والأرجنتينيين يسددون على الشباك في الدار البيضاء. لكن في هذه الأيام التي ينطبق عليها وصف أليكسيس دو توكفيل "
- 17 مايو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
أعلن فجأة عن مشروع انضمام المغرب لمجلس التعاون الخليجي...
لو كان هذا المشروع طرح قبل أن يحرق البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد، لكنت ابتسمت من الخبر وانتهى الأمر، بل لكنت اقترحت أن ينضم المغرب لتجمع أمريكا الجنوبية لنلعب في كوبا امريكا ونرى البرازيليين والأرجنتينيين يسددون على الشباك في الدار البيضاء.
لكن في هذه الأيام التي ينطبق عليها وصف أليكسيس دو توكفيل "إننا نرقد على فوهة بركان... ألا تلاحظون ارتجاج الأرض من جديد؟ إن رياح الثورة أخذت بالهبوب، والعاصفة تكتسح الأفق".
في هذه الأيام لا يجوز الابتسام، فالأمور تسير بسرعة تفوق الخيال... يمكن غدا أن نجد المغرب والأردن عضوان كاملي العضوية في مجلس التعاون الخليجي...
لكن ما الذي سيتعاون عليه المغرب مع الأردن والسعودية؟
الجواب المعلن هو صد النفوذ الإيراني.
عمليا لا يحتاج المغرب ليبدد جهده وروحه في هذا الصد، ليس للمغرب ما سيخسره ضد إيران، ليس فيه أقلية شيعية، وغلبة المذهب المالكي على السكان بارزة. الغريب أن المغرب أشبه بإيران منه بالدول الخليجية.
لنر تشابهات البلدين:
ففيهما معا دولة ذات عمود فقري عريق، وليس تحالف قبائل ظرفي. الدليل؟ يمكن تغيير كل الوزراء والمحافظين غدا بلا مشكلة. في الكويت والبحرين رؤساء وزراء خالدين مثل الأزمة.
لم يقع خضوع للسيطرة العثمانية، وهكذا تم الحفاظ على دولتين مستقلتين سياسيا في البلدين بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر رغم الصراع على الحدود مع العثمانيين. بينما جل المنطقة الفاصلة بين المغرب وإيران خضعت لسلطة الإنكشارية.
رابعا امتلك البلدان عمقا استراتيجيا بديلا تمثل لدى إيران في آسيا والوسطى، ولدى المغرب في جنوب الصحراء، وصل الملك المغربي الذي هزم البرتغاليين وقتل ملكهم في معركة الملوك الثلاثة (وادي المخازن) 1578م حتى نهر السينغال. (بالنسبة للمغرب مازال سكان مالي والسينغال يزورون فاس، وبالنسبة لإيران أظهر التدخل الأمريكي حجم العمق الإيراني بدل أن يطمسه).
خامسا تشكيل وحدة مذهبية، التشيع في إيران والمالكية في المغرب. جرى ذلك في مآت السنين حتى ترسخ.
سادسا في إيران تقوت الحوزة العلمية والحسينيات مقابل الزوايا في المغرب،
وهذه تنظيمات ساهمت بدرجات مختلفة، اجتماعيا وسياسيا في تعويض الدولة في لحظات ضعفها. بذلك لم يتم سحق المجتمع كما حصل في بلدان كثيرة خرجت من السيطرة العثمانية لتقع تحت الاستعمار الغربي.
سابعا في إيران صدر أول دستور في 1906 وفي المغرب في 1908.
ثامنا وجود تيار اجتماعي مركزي محافظ دينيا ومتفتح اجتماعيا، متشبث بولاية الفقيه في إيران وبإمارة المؤمنين في المغرب. هذا التفتح الذي تفتقده الوهابية.
ثامنا خضوع المنتخبين للمرشد والملك، كمثال طلب الرئيس أحمدي نجاد من المرشد الأعلى إقالة وزير. رفض. توترت العلاقة. طالب المحافظون الرئيس بإعلان طاعته للفقيه، فأعلن الرئيس في بداية ماي 2011 تشبثه بولاية الفقيه وأنه يطيع آية الله المرشد "كابن يطيع والده"، من حسن الحظ لم يقل كخادمه. قال نجاد ذلك أمام وزرائه، ومنهم الوزير الذي طالب فخامة الرئيس بإقالته.
في المغرب يريد المحافظون وزيرا أولا بلا صلاحيات، يطبق سياسة أمير المؤمنين. هنا تجري تعديلات وزارية دون علم الوزير الأول. في 1994 فشلت الإصلاحات لأن زعيم حزب الاستقلال رفض بقاء وزير الداخلية المعتق إدريس البصري. وفي حكومة التناوب 1998 فُرض البصري على الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي وهو خادم الأعتاب الشريفة في معجم القصر...
في الحالتين، المسئول الحكومي بلا صلاحيات... لذا يطيع الفقيه وأمير المؤمنين ليستمر في مكانه.
أخذا لهذه العوامل التاريخية والزمنية بعين الاعتبار، يبدو لي أنه ليس هناك من سبب لصراع مغربي إيراني.
طيب، إذا كان هذا هكذا، لماذا تريد السعودية أن تجلس مع المغرب في مجلس التعاون؟ ما الذي سيتعاونون عليه؟
سيتعاونون على إعادة تنظيم العالم العربي، وتعبير "إعادة تنظيم" مأخوذ من معاهدة فيينا في 1815، والتي هدفت لكسر أحلام الشعوب الأوروبية التي أشعلتها الثورة الفرنسية. وتنص معاهدة فيينا على أن يكون ذلك تحت ظلالملكيات الكبيرة الأربع: النمسا وروسيا القيصرية وبروسيا وبريطانيا.
للإشارة، عقدت الدول المنتصرة على نابليون بونابرت مؤتمر فيينا ونصت قراراته من جهة أولى على إعلان حرب لا هوادة فيها ضد الأفكار التحررية والمطامح القومية التي نادت بها الثورة الفرنسية.
ومن جهة ثانية الدفاع عن شرعية الملوك والأمراء المخلوعين أيام الثورة الفرنسية... بل على إرجاعهم إلى عروشهم رغما عن الشعوب... وتطبيق إجراءات حكم مطلق يعمل على محو كل ما زرعته الثورة الفرنسية لتعود أوروبا إلى ما كانت عليه من خضوع تام لأشباه لويس الرابع عشر...
بعد إصلاح مصائب الماضي يريد المتآمرون الرسميون في فيينا محاربة الحركات التحررية والقومية والليبرالية والتدخل للقضاء عليها حيثما وجدت...
وقد حقق الحلف المقدس أهدافه ظرفيا. لكن الأرض عادت لترتج من جديد في 1848، لذلك تحدث السياسي الفرنسي توكفيل بقلق وهو يطمح لحلف جديد شبيه بذلك الذي قاده المستشار ميترنيخ في فيينا، حلف يطفئ الثورات...
في 2011، عندما نجح آل سعود محليا بشراء ولاء الرعايا، استأصلوا في البحرين دوار اللؤلؤة، اشتروا في اليمن ولاء القبائل... فكروا في إنقاذ حسني مبارك... فكروا في شراء الفايسبوك... بدا الأمر مستحيلا خاصة وقد زار الرئيس أوباما مقره ليقدم له الشكر...
حينها غير آل سعود خطتهم بهدف إرجاع العالم العربي لما قبل إحراق البوعزي لفنسه. لكن لا أمل لهم في السيطرة على الشبكة العنكبوتية، السيطرة على الأرض أسهل، يريدون تصدير خبرتهم لباقي الدول، لديهم الخطة والتمويل... أنعشهم قتل بن لادن وعينهم في هذه المرحلة على مملكتي المغرب والأردن التي تجري فيهما إصلاحات دستورية من الضروري إجهاضها في المهد وقبل أن تصير معدية... فحلف مقدس فيه السعودية والبحرين والأردن والمغرب، سيضمن ألا تسقط الملكيات الأربع من البركان الذي يجتاح العالم العربي... وبذلك سيتأكد أن الجمهوريات هي مصدر الشر. وعلى الجميع أن يستنتج أنه لو بقي السنونسي في ليبيا والشاه في إيران لما حصلت مشاكل.
ليس صدفة أن بُشرنا قبل أسبوعين أن صناديق سيادية خليجية ستستثمر 14500 مليون دولار في السياحة بالمغرب. وفي هذه الأيام التي يتراكم فيها البيترودولار ويعلو سقف السلفية في المغرب، سيلقى اقتراح انضمام المغرب لمجلس التعاون الخليجي مرحبين كثر، لا يهم المسافة الجغرافية، ألم يعلن الحسن الثاني الوحدة مع القذافي في 1984 رغم عدم وجود حدود مشتركة بين المغرب وليبيا؟
لماذا لا نقيس اللاحق على السابق؟
ثم إن الجزائر، جارتنا الشرقية لا تريد أن تفتح الحدود على أمل أن تفلس الدولة المغربية، فلماذا لا نبحث عن بديل حتى لو كان بعيدا؟
تذكير بخطر سابق: حين قررت الجزائر تعريب تعليمها بداية الستينات من القرن الماضي طلبت مدرسين مصريين فأرسل لها عبد الناصر كلا من يوسف القرضاوي ومتولي الشعراوي وأشباههم. وقد رأينا النتيجة بعد ثلاثين سنة... دم الحربية الأهلية مازال طازجا في الجزائر، وليس من الخير للجزائر التي رفضت وساطة آل سعود لفتح الحدود أن تدفع المغرب لأحضان الوهابية... وليس من مصلحتها أن تمكن آل سعود من سحق ثورة الشباب الغاضب الذي يريد إسقاط الأوليغارشيات...
ترى الجزائر أنه لا جدوى من انتظار شيء من أوروبا، وبدء العمل باتفاقية شنغن علامة مقلقة، قبل عام لم يذهب الملك محمد السادس لقمة المغرب والاتحاد الأوروبي، وقد كتبت "الملك يقاطع: المغرب يدير ظهره لأسبانيا"
... فهل يتجه نحو الخليج؟
ممكن، فقط يجب تغيير اسم مجلس التعاون الخليجي ليصير إسمه مجلس الحلف المقدس ضد التغيير.
استراتيجيا، الآن من الأفضل للجزائر أن تفتح الحدود فورا مع المغرب، قبل أن يفتح باب شمال إفريقيا للتشدد من جديد...
دون مبادرة جزائرية، سيذهب المغرب بعيدا، وستدفع المنطقة كلها الثمن.