"المعهد" الذي يقف خلف اغتيالات إسرائيل الصامتة
إنه المعهد البيولوجي في مدينة "ريشون ليتسيون"، جنوب شرق تل أبيب، أكثر المنشآت الأمنيَّة سريةً في إسرائيل، والذي يفرض الكيان الصهيوني رقابة عسكريَّة مشددة على كل مادة إعلاميَّة تتعلَّق به، لدرجة أن وسائل الإعلام الإسرائيليَّة تستقي المعلومات بشأنه من وسائل الإعلام الغربيَّة التي تعتمد على مصادر خاصة داخل المعهد، وفي أوقاتٍ متباعدة.المرة الوحيدة التي سُمح
- 21 يونيو 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
إنه المعهد البيولوجي في مدينة "ريشون ليتسيون"، جنوب شرق تل أبيب، أكثر المنشآت الأمنيَّة سريةً في إسرائيل، والذي يفرض الكيان الصهيوني رقابة عسكريَّة مشددة على كل مادة إعلاميَّة تتعلَّق به، لدرجة أن وسائل الإعلام الإسرائيليَّة تستقي المعلومات بشأنه من وسائل الإعلام الغربيَّة التي تعتمد على مصادر خاصة داخل المعهد، وفي أوقاتٍ متباعدة.
المرة الوحيدة التي سُمح للإعلام الإسرائيلي بتناول ما يجري في المعهد، كانت الشهر الماضي عندما رفع أحد العاملين في المعهد، ويدعى أفيشاي كلاين، على إدارة المعهد، أمام إحدى المحاكم الإسرائيليَّة، حيث جاء ضمن حيثيَّات دعوى كلاين، قوله: إنه ساهم في تطوير مرهم لوقاية الجلد من هجوم بغاز الخردل.
وتبيَّن من خلال مضمون الدعوى وردود المعهد عليها الكثير من التفاصيل اللافتة، المتعلقة بعمل المعهد ومجالات عمله.
ويشغل هذا المعهد 300 من العلماء والفنيين، ويضمُّ عدة أقسام، كل منها يتضمن خط إنتاج محدد لإنتاج أسلحة كيماويَّة وبيولوجيَّة، ومعظم هذه الأقسام يتخصص في إنتاج المواد البيولوجيَّة ذات الاستخدام الحربي، مثل السموم التي تُستخدم في عمليات الاغتيال، حيث تَمَّ داخل هذا القسم إنتاج السمّ الذي استخدمته وحدة الاغتيال في الموساد المعروفة بـ "كيدون" في المحاولة الفاشلة في اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل عام 1997، كما كشفت عن ذلك صحيفة "هآرتس" الإسرائيليَّة.
لكن لا خلاف على أن أول استخدام لمنتجات هذا المعهد في عمليات الاغتيال كانت أواخر عام 1977، حيث أجاز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيجن لجهاز الموساد تصفية وديع حداد، أحد قادة الجبهة الشعبيَّة لتحرير فلسطين، والذي كانت إسرائيل تتهمه بالمسئوليَّة عن عدد من العمليات التي استهدفت إسرائيل، كان آخرها اختطاف طائرة ركاب إسرائيليَّة إلى العاصمة الأوغندية "عنتيبي"، عام 1976.
وحسب ما جاء في كتاب حديث للصحفي الإسرائيلي أهارون كلاين فقد تبيَّن لإسرائيل أن حداد، الذي كان يقيم في بغداد، مولع بالشيكولاتة البلجيكيَّة، لذا سعى الموساد لتصفية حداد عبر دسّ مادة بيولوجيَّة في هذا النوع من الشيكولاتة، التي تقرر أن يقوم بنقلها مسئول عراقي، كان عميلًا للموساد، وفي نفس الوقت تربطه علاقة بحداد.
ويشير الكاتب أن هذه المادة البيولوجيَّة أو السم قد تم إنتاجها لأول مرة في المعهد البيولوجي، وكانت آليَّة عمل السم تقوم على التأثير التدريجي على صحة حداد، بحيث لا يموت فجأةً فيتمّ الكشف عن هوية العميل والآليَّة المستخدمة.
وبالفعل حدث تدهور في صحة حداد، وتم نقله لإحدى مستشفيات ألمانيا الشرقيَّة، حيث تم تشخيص مرضه كسرطان دم، وتوفي حداد في 28 مارس عام 1978، لكن تبيَّن بعد 32 عامًا أن سبب الوفاة هو السم، الذي أُنتج في المعهد البيولوجي، ويمكن القول إن الكثير من عمليات الاغتيال التي لم يرغب الموساد في ترك بصماته عليها، قد تمت بهذه الطريقة، بحيث يمكن القول إن الكثير من حوادث الوفاة التي تعرَّض لها أشخاص ترى فيهم إسرائيل خطرًا عليها، قد تكون ناتجةً عن تأثير أحد منتجات هذا المعهد، ويمكن القول إن المادة السامَّة التي استخدمها عملاء الموساد في حقن القيادي في حركة حماس في دبي محمود المبحوح في فبراير عام 2010، وأدت إلى وفاته، قد تَمَّ إنتاجها في هذا المعهد.
وتشير التفاصيل الجديدة التي نُشرت عن المعهد أنه يضمُّ قسمًا يُعنى بإنتاج أمصال مضادة للسلاح البيولوجي، وتحديدًا جرثومة "الإنتراكس"، والتي تخشى إسرائيل أن يقوم العرب وتنظيمات المقاومة باستخدامها في أي مواجهة معها مستقبلًا.
ويُعنى المعهد بتطوير القدرات الوقائيَّة لإسرائيل في مواجهة حروب تستخدم فيها الأسلحة الكيماويَّة والبيولوجيَّة، حيث إن هناك قسمًا خاصًّا يُعنى بتطوير عقاقير تُستخدم في تقليص الأضرار الناجمة عن السلاح الكيماوي، ويعمل المعهد البيولوجي بتعاون وتنسيق كامل مع المؤسَّسة الأمنيَّة ممثلة بالجيش والأجهزة الاستخباريَّة، ويتمُّ تحديد سلم أولويات الإنتاج داخل المعهد بناءً على حاجة الجيش والأجهزة الاستخباريَّة، وذلك في ضوء صورة التقدير الاستراتيجي للمخاطر التي يتمُّ استشرافها، ويستدلّ مما تم الكشف عنه حتى الآن أن المؤسَّسة الأمنيَّة الإسرائيليَّة التي وضعت في عين الاعتبار أن دولًا عربية قد تستخدم الغازات، مثل الخردل في هجوم محتمل على إسرائيل قد أوعزت للمعهد منذ زمنٍ بعيد بتطوير مواد كيماوية تقلِّص من تأثير هذا الغاز، ويمكن القول إن إسرائيل سعت لتطوير ردود على غازات أخرى، ويعمل المعهد بتنسيق كامل وتام مع سلاح الطب في الجيش الإسرائيلي، حيث إن هذا السلاح هو المسئول عن استيعاب منتجات المعهد وتوفيرها للوحدات العسكريَّة حسب الطلب.
ويعمل المعهد بتنسيق تام أيضًا مع جهازي الموساد والشاباك، حيث إن هذين الجهازين هما المسئولان بشكلٍ أساسي عن معظم عمليات التصفية والاغتيال ضد أهداف عربيَّة وإسلاميَّة، ونظرًا لأن جهازي الموساد وشعبة الاستخبارات العسكريَّة "أمان" مسئولان عن جلب المعلومات الاستخباريَّة، فيفترض أن يتعقَّبا برامج التسليح غير التقليديَّة لدى العرب، وضمنها البيولوجي والكيماوي، وبالتالي الطلب من المعهد تطوير ردود على هذه البرامج.
ولم يقتصرْ دور المعهد على توفير الوسائل القتاليَّة في شقيها البيولوجي والكيماوي، أو توفير اللقاح والعقاقير اللازمة لتقليص الأضرار الناجمة عن استخدام سلاح كيماوي أو بيولوجي من قِبل العرب، بل تعدَّاه إلى توظيف المعهد في زيادة أرصدة إسرائيل من العملات الصعبة، حيث إن الولايات المتحدة دفعت للمعهد مئات الملايين من الدولارات لتطوير لقاح ضد جرثومة "الإنتراكس"، التي قامت جماعات محلية أمريكيَّة بتطويرها وشرعت في استخدامها على نطاق محدود في الولايات المتحدة.
ويضمُّ المعهد قسمًا خاصًّا بإجراء التجارب على الحيوانات، حيث يتمُّ إجراء التجارب بشكلٍ خاص على الخنازير والأرانب، وفي أحيانٍ كثيرة يتم إجراء التجارب على البشر، وتحديدًا الجنود، فقد رفع عدد كبير من الجنود دعاوى ضد وزارة الدفاع الإسرائيليَّة بعدما تبيَّن أن قيادة الجيش سمحت بإجراء تجارب عليهم لتجريب الأمصال المضادة للإنتراكس، حيث أصيبوا بأمراض، وطالبوا الجيش بالاعتراف بهم كمعاقي حرب وتقديم تعويضات ماليَّة كبيرة لهم.
وقد اتخذت هيئة أركان الجيش الإسرائيلي مؤخرًا قرارًا بعدم إجراء مثل هذه التجارب على الجنود، وذلك تحت ضغط عوائل الجنود والرأي العام.
يتضح مما تقدَّم أنه في الوقت الذي تتمُّ فيه ملاحقة الكثير من الدول على برامج تسلُّح غير تقليديَّة متواضعة جدًّا مقارنةً مع برامج التسلح غير التقليدي الإسرائيليَّة، إلا إن أحدًا في العالم لا يحرك ساكنًا من أجل ردْع إسرائيل عن هذا السلوك، وهذا بكل تأكيد سيكون مدعاةً لمواصلتها العدوان والعربدة.