نصوص

المعارضة ذات نسبة الصفر فاصل ومسألة التوافقات

Normal 0 21 false false false DE X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Normale Tabelle"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-

0
4 يوليو 2013
مصدر الوثيقة:
الحوار نت
مشاركة


 

لم يرض نواب المعارضة المتحصّلون على نسبة الصفر فاصل في انتخابات 23 أكتوبر 2011  لا بنتائج مداولات المجلس الوطني  التأسيسي ولا بحصيلة الاستشارات الشعبية  التي أنجزت حول الدستور وانتهت إلى صياغة مشروع دستور جديد. وأبوا أن يشرعوا في النقاش العام قبل حصول توافقات مسبقة حول بعض المسائل غير المتفق عليها أي المسائل الخلافية التي بقيت معلّّقة. فلتذليل الصعوبات قصد الإسراع بصياغة الدستور في أحسن الظروف صرح عديد النواب من الترويكا  الحاكمة، منذ عدة أشهر، أن الأحزاب الرئيسية ماضية في طريق التوافق بهدف إيجاد مخارج توافقية لكل النقاط الخلافية. ولكن وكما يقول المثل التونسي "ضحكولو تمد على طوله" حيث أبى جماعة الصفر فاصل القيام ببعض التنازلات للمرور إلى توافقات. فكما يعلم الجميع التوافقات تستدعي تنازلات من جميع الأطراف. إلا أنّ نواب معارضة ما يسمّى بالصفر فاصل، الذين ينطبق عليهم المثل القائل : "الفقر والفرعنة" أرادوا فرض وجهة نظرهم بالقوة على الأغلبيّة، بل وعلى الجميع تحت غطاء التوافق. وقال بعضهم هذه المرحلة هي مرحلة التوافق وعليه فلن نعترف بالأغلبية ولن نسمح بالشروع في النقاش العام إلا إذا حصل توافق عام حول كل المسائل بما فيها الخلافية.

 

وكانت نتيجة ذلك، أن قاطع النواب المنتمون لأحزاب الصفر فاصل كلمة السيد مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي والسيد الحبيب خضر المقرر العام للدستور بإحداث الهرج والتشويش عليهما وبث الفوضى داخل المجلس إمّا بترديد النشيد الوطني التونسي أوبترديد بعض الشعارات، من قبيل "الشعب يريد دستورا ديمقراطيا" و"لا لا للتزوير" و "مسرحية مسرحية والشعب هو الضحية".

 

أنا أتسائل هنا : لماذا ننتخب ممثلينا في كل المجالس ؟ ولماذا تتجه كل شعوب العالم إلى الصندوق لاختيار ممثليها ؟ أليس ذلك لأن الشعوب لا تستطيع ،مهما أوتيت من حكمة وعبقرية ، أن تتفق على تنصيب نوابها وحكامها بالتوافقات ودون اللجوء إلى الصندوق. وكما يعلم الجميع المجلس التأسيسي له نظامه الداخلي : كل الفصول التي ليس عليها خلاف يقع تمريرها إلى التصويت. والمسائل الخلافية تعرض على الاستفتاء. فلماذا هذا التشويش إذا ؟ الجماعة يعرفون أنهم سيخسرون المعركة بالطرق الديمقراطية ولذلك أرادوا أن يفشلوا جهود أغلب النواب ويصادروا مشروع الدستور الجديد بإحلال الفوضى داخل المجلس التأسيسي. وكل ما فعلوه لا يختلف عن شعار الجبهة الشعبية وبقايا الاستبداد أزلام النظام البائد المرفوع في عديد المسيرات "الصدام الصدام حتى يسقط النظام(المنتخب)".

لقد نفضت يدي من هؤلاء القوم ولكن الذي أحزنني هو أن يشترك في هذه المهزلة النائب عمر الشتوي و النائبة سامية عبو عن المؤتمر من أجل الجمهوريّة المشارك في الائتلاف الحاكم . لقد زارنا النائب عمر الشتوي في مدينة منوبة  في إطار استشارات المجتمع المدني حول الدستور. وأدار الحوار بطريقة جيدة. وأعتقدت عندئذ  أنّه إنسان متوازن، متماسك ورصين. وكان يستشهد بمقولات عمر ابن الخطاب وببعض آيات من القرآن الكريم. وكانت النائبة سامية عبو رغم عديد المواقف الغريبة تعتبر عند شريحة من الناس امرأة مناضلة ضد الاستبداد وضد التجمع وضد الفساد. ولكن هاذين النائبين- للأسف- حشرا أخيرا نفسيهما ضمن المهرجين و"البلطجية". فلو كان المهرجون مواطنين عاديين لتم إيقافهم على الفور من طرف أعوان الأمن ولحررت في شأنهم تهم عادة ما تنسب للمهرجين وللصعاليك و"للباندية". أما وإنهم نواب الشعب فكيف السبيل للتعامل معهم ؟ أيعقل أن يدخل معهم أغلب نواب الشعب في عراك و تخاصم وتشابك بالأيدي أو نحو ذلك؟

لقد أطلعتنا هذه الأحداث على عدة حقائق :

1)  : أن بعض الناس يحملون جينات ذات قابلية للاستعمار والاستبداد كما يقول المفكر الجزائري مالك ابن نبي. ولا يستطيعون العيش خارج هذه المنظومة لأنهم في خلاف ذلك سيموتون بالتأكيد. فإذا كشّر الاستبداد عن أنيابه ركنوا له وعاشوا في كنفه فرحين مسرورين.  وإذا أطيح برأس الاستبداد تحولوا إلى معارضين للحكومة الشرعية ولو كان وزنهم الانتخابي  نسبته صفر فاصل وبطريقة أكبر البقايا ورضوا بأن يوجهوا بالرموت كنترول من مختلف بقايا الاستبداد.

 

2) أن بعض الناس يميلون بحكم طبيعتهم إلى الاستبداد سواء كانوا حاكمين أو محكومين. وما كانت مقاومتهم للاستبداد قبل حدوث الثورة إلا مقاومة استعراضية حتى يقال أنهم مناضلون. حتى إذا جد الجد ورأوا أنهم لم يحققوا بنضالهم المزيف جماهيرية ومكاسب سياسية، لم يقدروا على إخفاء وجوههم ونواياهم وانقلبوا جهارا نهارا على الشرعية وعلى وسائل وأدوات العمل الديمقراطي. وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى : "كلما دخلت أمة لعنت أختها".

3) ظهر كذب وخداع بعض العلمانيين المتطرفين الذين يسوقون للناس أنهم يناضلون من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومن أجل حرية وكرامة الإنسان بصرف النظر عن لونه ودينه وفكره. فإذا جاءت الديمقراطية بما لا يشتهون، انقلبوا عليها جهارا نهارا، ووضعوا أيديهم في أيدي بقايا الاستبداد للتخلص من الإسلاميين. وينطبق على هؤلاء قول الشاعر : كل عدو ترجى مودته إلا من عاداك في الدين.

4) تمكنت أنظمة الفساد والاستبداد في الوطن العربي من التغلغل في كل مؤسسات الدولة وصلب المجتمع المدني وبنت لنفسها حصونا  وصفوفا متتالية في كل المواقع وداخل كل المنظومات (الإعلامية والقضائية والأمنية والتعليمية ... ). ونتيجة لذلك بات يصعب على كل المصلحين هدم كل الحصون واختراق كل الصفوف في وقت وجيز. فما  خرب على مدى عدة عقود لا يمكن إصلاحه في سنة أو سنتين أو حتّى خمس سنوات. ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة. فرسول الله صلى الله عليه وسلم النبي المعصوم والمؤيد بالوحي وبالعناية الإلهية لم يتمكن من تفكيك منظومة الاستبداد إلا بعد خوض عديد المعارك الحربية والإعلامية والدعوية على مدى 21 سنة حيث انتصر على رؤوس الكفر والفساد والاستبداد في غزوة فتح مكة وخاطبهم قائلا : "أيها الناس ما ترون أني فاعل بكم : قالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال لهم اذهبوا فأنتم الطلقاء". فلن يسلم بقايا الاستبداد إلا إذا انهزموا عسكريا وبالضربة القاضية وهذا لن يكون إلا بعد خوض معارك ضارية على كل المستويات وعلى مدى سنوات.

منجي المازني  منوبة – تونس.

 

 

جميع الحقوق محفوظة لمنصة الذاكرة 2026 ©