المعارضة التونسية و البدائل السياسية
كل الدلائل و المعطيات التي سبق ذكرها في المقال السابق تشير بدون أدنى شك إلى عدم مصداقية حكومة السبسي و قرينتها هيئة بن عاشور في تحقيق أهداف الثورة و الانحياز التام للشعب التونسي بل على عكس ذلك كله فهي تعمل و بكل ما أوتيت من قوة و حيلة للانحراف بمسارها الطبيعي و تمييع الثورة و إفراغها من روحها التواقة للحرية و العدالة و أنه ليس من المنطقي و لا حتى بمجرد الحسابات البسيطة أن يتخلى السبسي و أنصاره من أتباع التجمع الدستوري و أذياله من اليسار المتطرف الذي سيأتي الدور عليه لاحقا ، من التفريط في شهوة ال
- 1 أغسطس 2011
- مصدر الوثيقة:
- الحوار نت
كل الدلائل و المعطيات التي سبق ذكرها في المقال السابق تشير بدون أدنى شك إلى عدم مصداقية حكومة السبسي و قرينتها هيئة بن عاشور في تحقيق أهداف الثورة و الانحياز التام للشعب التونسي بل على عكس ذلك كله فهي تعمل و بكل ما أوتيت من قوة و حيلة للانحراف بمسارها الطبيعي و تمييع الثورة و إفراغها من روحها التواقة للحرية و العدالة و أنه ليس من المنطقي و لا حتى بمجرد الحسابات البسيطة أن يتخلى السبسي و أنصاره من أتباع التجمع الدستوري و أذياله من اليسار المتطرف الذي سيأتي الدور عليه لاحقا ، من التفريط في شهوة السلطة و الحكم والجاه و مما يشجعه على ذلك التوجه العام في البلدان الغربية المعادي للإسلام الذي ما يزال يعيش تحت تأثير الاسلامفوبيا و مناصرة الدول الجارة له خاصة الجارة الجزائر التي تخشى من عبور رياح الثورة أجوائها فضلا عن توفر كل أدوات الاستمرار في السلطة و تملكها بين يديه من مال و بوليس و جيش و قضاء و إعلام و خبرة سياسية طويلة التي جميعها تفتقر إليها المعارضة التونسية الجادة ، و من الغباء و الحماقة أن يزهد شق سياسي مهما كان لونه الايديولوجي في غنيمة بهذا الحجم و الدسامة تأتيه إلى حد باب بيته و يردها .
ليس هذا فحسب فإن السبسي و مشواره السياسي الطويل و الحافل بالمراوغات و التزوير الذي اعترف به شخصيا في زلة لسان غير محسوبة و على الهواء مباشرة في لقاء مع الجزيرة مكنته جميعها من تحييد الشعب التونسي عن الصراع السياسي و جعلته يزهد في الخوض في المعركة من جديد و بذلك سقطت الورقة المربحة و القوية التي يمكن أن تلجأ إليها المعارضة في ساعة ضيق . و لا يمكن هنا لأي من كان أن يلوم الشعب التونسي على الحالة التي وصل إليها من اللامبالات و العزوف عن متابعة أخبار الثورة و حالها لأنه يعتقد أنه قام بواجبه و زيادة و سلم الثورة في طبق من ذهب للمعارضة الوطنية إلا أن هذه الأخيرة لم تكن في مستوى الحدث و سحب منها البساط و لم ترتق لطموحات الثورة و شبابها و تم سرقة مكاسب الثورة منها و لجأت للشارع الذي خلا هو بدوره من الشباب الثائر الذي يبحث عن حل لمشاكله في الحياة الكريمة و اللقمة الحلال و العمل الشريف .
و يأتي السؤال المنطقي و الطبيعي و يطرح نفسه بإلحاح : ماذا بقي في يد المعارضة التونسية من خيارات و بدائل يمكن أن تلجأ إليها في ساعة الصفر و حالة توقع الأسوأ من نتائج مخيبة للآمال ؟
و هل تملك المعارضة سياسة ردع في وجه السلطة لتحذيرها من مغبة اللعب بنتائج الانتخابات و مصير البلاد ؟
و لكن الملفت للانتباه في كل هذا و يعتبر مؤشر خير على إدراك القادة السياسيين لخطورة الوضع السياسي التونسي الهش أن شخصيات سياسية معتبرة و ذات ثقل وطني و عمق جماهيري مثل القاضي اليحياوي و احمد المستيري و المرزوقي و الغنوشي حذرت جميعها من خطورة انحراف الثورة عن مسارها الطبيعي بل اتهمت جهات بعينها أنها تعمل على تكريس الديكتاتورية و إعادة تونس لعهدها البائد و لكن بقي تحذيرها مجرد تصريح إعلامي لم يترجم إلى عمل ميداني ليحقق المعادلة السياسية و الردع لقوى الردة و لصوص الثورة .
في حين أن الأخبار التي تأتينا تباعا من الجمهوريات المجاورة و التي تأثرت بالثورة التونسية أرادت أن تكون لها ماركتها الخاصة بها و تتبع قوانين الثورات و تمسك بزمام المبادرة و لن تفرط في الفرصة التاريخية التي لا تتكرر إلا نادرا و لن تدير ظهرها لدماء الشهداء فلم تتردد قط في تشكيل جسم سياسي أو عسكري يمثلها على غرار الثورة الليبية التي أسست مجلسها الوطني و ذراعها العسكري و نالت الشرعية الدولية ثم الثورة اليمنية التي بدورها شكلت مجلسها الانتقال الوطني و تحالفها القبائلي ثم أيضا الثورة السورية التي أعلنت أخيرا عن تكوين جيش للتحرير و أخيرا مصر التي جعلت من ميدان التحرير القلب النابض للثورة و الخيار الرادع للحكومة المؤقتة ....و لكن للأسف وفي بلدنا تونس الصغيرة صاحبة السبق فشلت في استثمار الفرصة الذهبية و ضيعت اللحظة التاريخية و استخفت بالعطاء الإلاهي الذي أكرم بها الله شهداء الإسلام و الحرية و المسجونين و المهاجرين منذ أن أعلن النظام التونسي حربه على هوية الشعب و تهاونت في الأخذ بالأسباب و قراءة السنن التاريخية و الطبيعية...و طبعا كل من يخالف القوانين الكونية و يجري عكس التيار سوف يتخلف عن الركب و يتجاوزه التاريخ و التطور الطبيعي في الحياة و هذا جزاء كل من يستخف بقوانين اللعبة و بعد النظر و التفكير الاستراتيجي .
و لكن في هذا السياق ذاته قد يقول قائل إننا على أبواب انتخابات و حتما أنها ستكون في صالح القوى الوطنية لأن الجماهير في صف الأحزاب المعارضة و لا رجعة للعهد البائد و ما هي إلا فترة انتقالية تنتهي بمواعيدها .
لا خلاف على أن تتم الانتخابات في مواعيدها المحددة بل كنت من الأوائل الذي رفض تأجيل الموعد الانتخابي ، و لكن ما هي ضمانات شفافية الانتخابات و مصداقية نتائجها ؟ و هل بن عاشور و الجندوبي و السبسي يقبلون بفوز المعارضة و يودعون السياسة و السلطة في رمشة عين .
و أين محل العشرات من الأحزاب التجمعية في شكلها الجديد من الأعراب و التي يقارب عددها على الأربعين و في رواية أخرى الثمانين ....أليس هذا العدد الفائض من الأحزاب الا ورقة احتياطية يتم التعامل معها في حال هزيمة أحزاب الأقلية و تلتجأ الهيئة اليها لتكريس سياسة الوفاق زورا و تقسم المقاعد بالتساوي و ذلك للحفاظ على الاجماع الوطني و عدم اقصاء أحد ، و باسم الديمقراطية و الوفاق الوطني يرجع الحزب الدستوري في ثوبه الجديد و تحت لافتات متعددة... و هكذا يكون نصيب الاحزاب المعارضة من المقاعد من 5% الى 10% و احسن الحالات 20% كما حددها وزير الخارجية عقب زيارته لألمانيا .
وضع الأحزاب المعارضة التونسية بشكلها الحالي لا يطمئن و لا يبشر بخير فهي لا تملك في جعبتها سوى انتظار نتائج الانتخابات التي سيعلن عنها الخصم السياسي الجندوبي بعد مراجعة رئيسه بن عاشور و مباركة كبيرهم السبسي و قد أثبتت الايام السابقة ان هذا الثلاثي أشد خصوم الثورة و محاربيها ، و ماذا تتوقع من خصومك ؟ فإذا ما أرادت المعارضة التونسية ان تمسك بزمام المبادرة و تضمن وجودها على الساحة السياسية و بحجمها الحقيقي عليها أن تجهز بديلا يحميها من الضياع و التهميش و يكون كسياسة ردع للحكومة المؤقتة و هيئة بن عاشور و الجندوبي معا ، و لا بديل عن الخيارات التي سلكتها الشعوب الثائرة الاخرى كليبيا و اليمن و سوريا و مصر و افضل البدائل تشكيل حكومة إنقاذ وطني بديلة و إن لم تتولى مهامها و لكن تكون جاهزة لإدارة البلاد في حال الالتفاف على الثورة و تزوير الانتخابات من قبل الأقلية و بقايا التجمع .
نواصل بإذن الله
الحلقة القادمة : نموذج و آلية تشكيل حكومة إنقاذ وطني
حمادي الغربي