المشهد التونسي وافاقه ... تقدير موقف
وإذا كان لابد من تقدير الحالة في المشهد التونسي، سيكون من الممكن اختزالها في هذا التوصيف: أنها حالة توازن "اللاحراك".
الأستاذ حبيب بوعجيلة
مفكر وناشط سياسي مستقل
بعيدا عن مشاعر التفاؤل او التشاؤم ، وبموضوعية العقل البارد ، يمكن القول ان الملف السياسي وصراع الدولة مع الطبقة السياسية لم يعد هذه الأيام وفي الأشهر القادمة مصدر ضغط معتبر على السلطة ورئيسها الا من حيث هو اداة للتوظيف في التغطية على الأداء الضعيف لنظام الحكم على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي .
تبدو ملفات الخدمات الاساسية ومعاش الناس وملفات السوق وحالة الاقتصاد أهم ما يمكن أن يقلق السلطة إذا كانت فعلا تريد أن تقلق ، إضافة الى عزلتها الدولية في سياق حراك إقليمي يخفي سيناريوهات تغيير عديدة .
اضغط على الزر تختفي السياسة ولا تنتصر السلطة !!
فسخ السلطة للمشهد السياسي لم يستغرق أكثر من أشهر قليلة إثر انطلاق اعتقال قيادات الحركة السياسية ومباشرة العمل في قضايا " التآمر " وغيرها من الملفات ضد الأحزاب والمنظمات والنشطاء والإعلاميين بداية من سنة 2023 تقريبا واثر انتخابات 2024.
لاشك أن نجاح السلطة في إجبار المجتمعين السياسي والمدني التونسيين على الصمت لم يمنع من تفاقم الأزمة المركبة والشاملة التي تعيشها البلاد منذ خمس سنوات، وهي الأزمة التي تبلغ الآن أقصاها بإجماع كل الأطراف من خصوم للحكم أو موالين له.
سلطة الرئيس المطلقة الذي يملك "دستوريا" كل مفاتيح القرار ، ووجوده في طريق مفتوح دون معارضة سياسية أو حقوقية وازنة، ودون منظمات اجتماعية مطلبية ضاغطة، وفي غياب إعلام مشاكس، كما كان الأمر في العشرية الماضية، لم يمنع الحكم وفريقه من مواصلة الدوران حول نفسه منذ سنوات دون انجاز ما وعد به لتجاوز "فشل" الطبقة السياسية في مرحلة الانتقال.
تآكلت الآن، دون شك، الجاذبية الشعبوية التي استمدها نظام الحكم من خطابه الذي " تثبت" منذ 25 جويلية 2021 في تعريف نفسه بالمضاددة الدعائية للعشرية الآفلة والمرتكز على تأكيد "فشلها" و"سوادها" و"خيانة فاعليها السياسيين"، والمتكئ على شماعة المؤامرات و واللوبيات التي لم يتم تحديد هويتها الحقيقية رغم جهود "المفسرين" الذين يتأولونها بحسب أمزجتهم السياسية والإيديولوجية التي لا شيء يؤكد تطابقها مع ما يقصده الرئيس .
التجريف الذي طال المشهد السياسي لم يمنع من تعمق الانخرام المتزايد للتوازنات المالية مع استحكام عزلة دولية مطبقة يمكن أن تنقذ ما يمكن انقاذه إلا من بعض علاقات محدودة لتونس 25 مع قوى إقليمية جارة أو قريبة تحاول أن تنفس بعض صعوبات البلاد مقابل توظيف موقعها الجيواستراتيجي في مناوراتها وصراعاتها الاقليمية.
ورغم كل ما تقدم فلاشيء في ميزان القوى (الضعف) السياسي يجبر السلطة على الذهاب إلى "الانفراج" مع ساحة سياسية تم تحييدها بسلاسة ودون ضريبة تذكر رغم حجم التجريف الذي شملها.
في سياق مواز، لا يبدو ظاهريا أن الدولة تولي اهتماما يذكر لما يظهر أحيانا من ضيق شعبي. إذ يبدو أن السلطة مطمئنة أمام غضب تراه مكتوما وغير موجه إلى رأس السلطة ولا يرغب المعبرون عنه في حوادث الاحتجاج الموضعي في ربطه بالحركة السياسية الاحتجاجية، فضلا عن أنه لا توجد قدرة لدى الأجسام السياسية والمدنية المنهكة لتوظيف الغضب الاجتماعي في الصراع السياسي التقليدي بين الحكم والمعارضة، وهو ما يبقي هذا الغضب، في تقدير السلطة، تحت السيطرة.
يجب الاعتراف أن إدارة السلطة لمعركة تحييد الحركة السياسية التونسية كانت عملية دقيقة وذرائعية وظفت بدهاء السياقات المحلية الشعبية والمستجدات الدولية التي لم تعترض على إيقاف مسار الانتقال الديمقراطي المتعثر في الليلة الفاصلة بين 25 و26 جويلية 2021.
لقد استغلت "الدولة" التي انحازت لقرار رئيسها كل الثغرات المتراكمة في عقل وأداء الطبقة السياسية التونسية لتنهي دور هذه الطبقة بصرامة ظاهرة دون ردود فعل مقلقة أو استعصاء مزعج .
كانت عقود من نزيف الاستقطابات الغرائزية الإيديولوجية الخاوية ،والعداء للنهضة الإسلامية هي الثغرة التي دخل منها "الحزم الخمسوعشريني" ليجرف الجميع بالتدريج وبرضى متبادل للخصوم المتصارعين والباحثين باستمرار في لاشعورهم السياسي عن سلطة تحجم بعضهم بعضا حتى لا "يستقوي / يتغول" أحدهم على الآخر(وخصوصا اذا كان القوي إسلاميا) ولوكان ذلك بحكم الصندوق الانتخابي.
أكدت عشرية سيلان الحرية المهدورة الفقر المدقع الذي تعاني منه الطبقة السياسية في منسوب العقلانية والبراغماتية، والضعف الفادح الذي تشكوه في قدرتها على إنجاز التسويات الكبيرة والمقايضات الضرورية لكل فاعل سياسي يحسن قراءة الواقع للاستثمار في فرصة "الثورة والانتقال" النادرة التي لا يمنحها التاريخ أكثر من مرات قليلة لنخبة سياسية عربية ظلت منذ عقود تمني النفس ببناء دولة المواطنة كشرط للتنمية الوطنية المستقلة والعادلة. استثمرت الدولة التقليدية هذه الهشاشة الفكرية والأخلاقية لدى الطبقة السياسية لتعود بسلاسة الى تسلطيتها التقليدية التي رافقتها في الحقبتين البورقيبونوفمبرية.
لم يكن السياق الشعبي في سياقات 25 جويلية 2021 معنيا بمصير طبقة سياسية وديمقراطية مفترضة لم تقدم له الوعود التي حلم بها فجر الثورة والتي غذاها وقتها الخيال الشعبوي للحملات الانتخابية لطبقة سياسية دخلت بعد 2011 مباشرة حلبة التنافس على الحكم لندخل مدارات الصراع بين "منتصر"و "منهزم" على عكس ما تقتضيه مراحل الانتقال الأولى من توافقات وتقاسم لأعباء الإصلاح ومكاسبه السياسية بين كل الأطياف لضمان مصلحة الجميع شعبا ونخبة في الثورات والحريات السياسية الجديدة.
لم يكن الشعب يدعو بطبيعة الحال إلى الانقلاب على الديمقراطية ولكنه لم يكن معنيا بالدفاع عنها. وعلى هذه "اللامبالاة" اشتغل حكم 25 جويلية لتحجيم الطبقة السياسية دون أن يكون هناك من يبكيها مادام المقابل وعدا بالانجاز الاجتماعي.
السياق الدولي المتابع لشأن تونس مهد الثورات كان يضم قوى مضادة للديمقراطية وغير مرتاحة لاستمرار مسار الانتقال نحوها، ويضم أيضا قوى خاب أملها في اطياف سياسية لا تريد أن تنجح او لعلها لا تستطيع أن تنجح في الدخول ببلادها إلى نادي النجاح السياسي ثم الاقتصادي.
وبين هذه القوى و تقاطع رغباتها تسرب بيلدوزر 25 جويلية ليشق طريقه في إنهاء حياة سياسية لم يعد لها رعاة ومرافقون .
هل معنى ذلك أن إنهاء ساحة سياسية يمتد عمرها من عمر دولة الاستقلال كان قدرا محتوما لذكاء السلطة في توظيف المسوغات المذكورة اعلاه ؟ حتما لا ... فقد كان في رصيد الحركة السياسية مخزون كبير كانت تستطيع الاستثمار فيه للدفاع عن الديمقراطية. لكنها لم تتفطن إلى ذلك إلا بعد فوات الأوان.
حركة سياسية سهلت موتها !!!
كان تقاطع الإرادات في منظومة 25 جويلية في أشهره الأولى عاملا مهما كان يمكن أن تناور ضمنه الحركة السياسية التونسية لو اتحدت لتعيد المسار الانتقالي إلى سكته بعد التعديل والمراجعة والحوار الوطني بين الدولة ومجتمعها السياسي والمدني.
لقد "سهلت" الحركة السياسية التونسية انهاء نفسها عندما رفضت مكوناتها الأساسية الاستجابة الى دعوات الالتقاء للدفاع عن مسار الانتقال الديمقراطي، وهي دعوات أطلقناها بعد أقل من ثلاثة اشهر إثر 25 جويلية 2021، ولم يكن هدف هذه الدعوة الدفاع عن طرف سياسي بعينه حاكما كان أو معارضا، بل كانت دعوة للدفاع عن دستور 2014 أكثر النصوص التأسيسية التونسية حيازة على الإجماع منذ الاستقلال.
كان المطلوب وقتها أن تتحد القوى على رفض "تصحيح المسارات" بالقوة القاهرة للدولة والانقلاب على دستور 2014 .
وكان المطلوب التوافق النضالي على الميدان للذهاب إلى تفاوض جديد بين الدولة والمكونات السياسية عبر مراجعات جماعية على قاعدة إصلاح الأخطاء وإعطاء دفع جديد للانتقال ومؤسساته ونظامه السياسي، ثم التفرغ لإنجاز الانتقال الاقتصادي والاجتماعي الذي يرضي الناس، على أرضية هدنة سياسية يتم فيها حشد كل الأطياف الوطنية في معركة التصحيح، وفي طمأنة كل القوى المعنية، محليا وعالميا، بالاستمرار الآمن لمسار التحول التونسي نحو الديمقراطية.
هذا تقريبا ما تم صياغته في "المبادرة الديمقراطية" التي تقدم بها "مواطنون ضد الانقلاب" في نوفمبر 2021.
كان العناد وسوء التقدير، الذي عرفت به القوى السياسية والاجتماعية المحمولة على مزاعم الحداثة والديمقراطية، سببا في تفويت فرصة تفاوض وطني عام ينقذ التجربة التونسية الرائدة.
الدغمائية السياسية للبعض، والارتهان الوظيفي للبعض الاخر، وتوهم الكثيرين أن الأمر سيتعلق فقط باستهداف "النهضة"، وفر للدولة / السلطة كل مبررات انهاء الحياة السياسية. وهكذا وبعد أن تم تحييد مكونها الأساسي ومدار الصراع الحيوي فيها، أقصد النهضة وحلفاءها من الأحزاب والشخصيات التي اقتربت منها أو عبرت عن الاستعداد للتقارب معها، تم الانتقال السلس لتجميد وتحييد باقي مكونات المشهد التونسي.
لقد تم هذا التحييد بشكل مضبوط ومراقب هندسيا، حيث لا يبلغ درجة الاستئصال التقليدي العنيف، ولكنه ينهي كل أشكال السيلان الديمقراطي، وينهى كل بؤر الصخب السياسي من الكسور السياسية والمنظمات والحوانيت الاعلامية التي طالما "استقوت" على الانتقال الديمقراطي الضعيف ليعود الجميع حاليا إلى نفس خط الانطلاق واللاحراك.
هل مازال للحركة السياسية التونسية امكان لاستعادة دورها وفك الطوق من حولها ؟
الحقيقة أن متابعتنا لخطاب ما تبقى من حركة سياسية "ناطقة"، وقراءتتا لما يجري بين فرقائها من "نقاش"، وما تطلقه من مبادرات وأنشطة استعراضية، لا يوحي بامكانية تجاوز الحركة السياسية التونسية لثغراتها وعوائقها القديمة.
مازال "الريفلاكس" التقليدي هو المتحكم في العقل السياسي الباطن والظاهر للتيارات السياسية التونسية، رغم ما يبديه بعض الأفراد والمجاميع الصغيرة من استعداد "شاعري" للالتقاء والتجاوز.
ومثلما ظلت "أكلة خيبر تعاوده" حتى قطعت أبهره كما تقول القولة المنسوبة الى النبي صلى الله عليه وسلم، لازالت الغرائز الايديولوجية الاستئصالية أو الادعاءات النظرية والنزوع للوظيفية والركون للتسلط تعاود كثيرا من الأطياف السياسية والمدنية، ما يمنع كل التئام وطني يمكن المراهنة عليه لاستعادة قوة الحركة السياسية لفرض تغيير إيجابي في بلد تتفاقم أزمته المركبة باطراد.
لا يعني ذلك أبدا أن السلطة في طريق مفتوح لتأبيد الوضع، وقد اشرنا للملفات الاقتصادية والاجتماعية والديبلوماسية الضاغطة.
وإذا كان لابد من تقدير الحالة في المشهد التونسي، سيكون من الممكن اختزالها في هذا التوصيف: أنها حالة توازن "اللاحراك".
وقوامها عنصران :
حكم أنجز مهمة ضبط المشهد السياسي وقصر عن انجاز الترتيب الاقتصادي والاجتماعي، ما يجعله متخبطا في مدار الأزمة رغم ما صنعه حوله وأمامه من فراغ سياسي ليبقى متوجسا من "خصوم مفترضين"و "ترتيبات" استعمارية أصبح يفصح عن قلقه الدائم منها.
وطبقة سياسية عاجزة عن المبادرة إلا من " احتجاجية" ومظلومية حقوقية، بعد أن أهملت تعهد قوتها الحقيقية الوازنة أخلاقيا وسياسيا. هذه القوة ليست مخزونا للاهمال. إنها احتياج ضروري في كل ترتيب يتم التخطيط له من كل اللاعبين الدوليين المتنافسين على بناء كوني جديد لم تظهر ملامحه بعد، رغم ان القديم العالمي قد بدأ في التلاشي.
وضمن رمادية لحظات التحول يمكن للحركة السياسية التونسية ان تستعيد ألقها التاريخي لو أحسنت تدبير نفسها.